ينبوع الأمل

حضارة وجه النيل و مرآة علم النفس

د. أمل قنديل
د. أمل قنديل


نضارة الحضارة النيلية لمصر الزراعية القديمة وما رسخته من مبادئ عكستها مرآة علم النفس، تتيح فهم ما يمكن أن يُقتدى به فى العصر الحالى

منذ آلاف السنين نشأت حضارات إنسانية على ضفاف أنهار فى أقصى الشرق وأدناه، كان من أولها نهر النيل، فبدأت الزراعة فى حوضه داخل حدود مصر القديمة التى يطلق عليها أحياناً «مصر الفرعونية»، والأحرى أن تسمى دائماً مصر الزراعية، فهى دولة ضُربت جذورها فى الأرض وارتفع عودها ونما على أكتاف عامة المزارعين من قومها الذين هم أصل ومنبت مصر القديمة والحديثة على حد سواء، مثلما كان المزارعون فى بقاع أخرى من العالم هم ركائز حضاراتها. 

قام المصريون القدماء بنقش ملامح الضفاف الشمالية لنهر النيل عندما حولوا نمط حياتهم من التنقل المستمر بحثاً عن الغذاء إلى معيشة مستقرة إلى حد كبير قرب النهر، باكتشاف وابتكار طرق لإنتاج غذائهم، حيث قاموا باستئناس نباتات كانت برية منذ الأزل، كالقمح والشعير والبقوليات، بتحويل عملية نمو بعض بذورها للاعتماد على اعتناء البشر بها، وبذلك نشأت من النباتات البرية سلالات تمكنوا من زراعتها وحصادها على هيئة «محاصيل» اكتشفوا وطوروا طرقاً لريها، كما استأنسوا حيوانات برية لغذائهم ولاستخدامها فى زراعتهم، وهكذا بدأوا فى تحقيق الأمن الغذائي.

لقد انبثقت حضارتهم العريقة من نواة تلك الزراعة، ليس فقط لأنهم طوروها حتى لبت احتياجاتهم الغذائية الأساسية، بل أيضاً لأنهم نجحوا فى تكوين فوائض منها انتفت معها ضرورة انهماك الجميع فى إنتاج الغذاء، فهيأت الوفرة الإنتاجية الزراعية الظروف لاستثمار جزء من الوقت والجهد والموارد الأخرى فى العمل على الاكتشاف والابتكار والانتاج فى مجالات لها قيمة انسانية ومجتمعية غير الزراعة، فأصبح لديهم الكتبة، والمهندسون، والأطباء، والحرفيون، وغيرهم.

بدون ذلك القدر من الأمن الغذائى العام الذى حققه المصريون القدماء منذ آلاف السنين ما استطاعوا أن يخطوا على سلم التطور الإنسانى الحضارى خطواتهم التالية، والتى امتدت لابتكار مواد وأساليب وتقنيات انتاج احتاج تدوينها لمراجع بعضها مما لدى من المكتوب باللغة الانجليزية يقترب عدد صفحاته من الألف. كيف كان لهم أن يولوا اهتمامهم لمعرفة وتطوير طرق لصهر المعادن وتحويلها إلى سبائك، وغزل النسيج، وصناعة الخزف والزجاج والطوب، بل والابحار بلا خرائط فى علوم الكيمياء والفيزياء والطب والرياضة والفلك، إن هم باتوا حاملين همّ قوتهم وقوت عيالهم وسكناهم؟ ما كان لهم أن ينجزوا ما أنجزوه وتركوه من شواهد على إبداع خيالهم وعبقرية عقولهم وإيمانهم الفطرى بقدراتهم فى حقبة منذ فجر تاريخ الحضارات بنيت على التجربة والخطأ، فلم يكن أمامهم إلا أن يكتشفوا ما يمكن اكتشافه وينتجوا ما يمكن انتاجه بما تتيحه لهم الطبيعية، بدون ذكاء صناعى أو إنترنت... بدون نظريات اقتصادية كينزية أو نيو كلاسيكية.. بدون بورصة أوراق مالية.. بدون سلاسل توريد دولية شديدة التعقيد... بل حتى بدون كهرباء.. فكان نجاحهم مذهلاً، خاصة بالأخذ فى الاعتبار نقطة البداية.    

بعد آلاف السنين من نشأة تلك الحضارة استخلص أبراهام ماسلو، أحد أكثر علماء النفس تأثيراً فى القرن العشرين، أن الإنسان تحركه على الأقل خمس مجموعات من الأهداف مرتبطة فى تسلسل هرمى من حيث تأثيرها على دوافعه، وفقاً لأوليتها، ومنبعها احتياجاته الأساسية. فأكثرها إلحاحاً هى الاحتياجات الفسيولوجية وأولها الغذاء والشراب والسكن، وتليها الاحتياجات المعنوية بدءاً من الشعور بالأمان إلى تحقيق الذات، وخلص إلى أن الاحتياج الأكثر قوة سيسيطر على وعى الإنسان ويدفع توظيف قدراته المختلفة لإشباعه، فى حين أن الاحتياجات الأقل قوة سيتمّ تقليصها وربما نسيانها أو إنكارها. وعندما يُشبع الإنسان حاجة ما بشكل كافٍ تظهر الحاجة التالية لها من حيث شدة قوتها، فتهيمن على وعيه وتصبح محوراً جديداً لتنظيم سلوكه. 

إن نضارة الحضارة النيلية لمصر الزراعية القديمة وما رسخته من مبادئ عكستها مرآة علم النفس، تتيح فهم ما يمكن أن يُقتدى به فى العصر الحالى من بعض أسس التقدم الإنسانى فى تجارب الحضارات الناجحة، وإن تعددت السبل لإرسائها. محور هذه الأسس أن الحضارات لا تقام وتزدهر إلا بعد تحقيق احتياجات الإنسان الأساسية، والتى أولها الأمن الغذائى والسكن الآمن المستقر.