حضارة كردستان.. حكاية مقبرة فخارية عمرها 300 سنة قبل الميلاد

حضارة كردستان
حضارة كردستان


من بين أمواج الجفاف وانحسار مياه سد الموصل، خرج التاريخ من أعماقه ليكشف عن مفاجأة هزّت الأوساط العلمية والأثرية في العراق والعالم. مدينة تعود إلى أكثر من 5000 عام ظهرت من جديد بعد أن ظلّت مختفية لعقود تحت المياه، حاملةً معها أسرار حضارات متعاقبة وأكبر مقبرة فخارية مكتشفة حتى الآن.

اقرأ أيضا | العراق يسترد قطع أثرية «بابلية» من أمريكا 

- تفاصيل الاكتشاف

أعلن فريق من علماء الآثار في محافظة دهوك بإقليم كردستان العراق عن العثور على مقبرة فخارية ضخمة تعود للعصر الهلنستي، أي حوالي 300 سنة قبل الميلاد. تضم المقبرة نحو 40 تابوتًا فخاريًا، ما يجعلها الأكبر من نوعها التي يتم اكتشافها حتى اللحظة في المنطقة.

لكن المفاجأة لم تقف عند حدود هذه المقبرة، بل تبيّن أن الموقع يضم بقايا من عصور متباينة:

- آثار من عصر نينوى الشهير.

- بقايا من حضارة الميتانيين.

- شواهد من العصر الآشوري.

- معالم من حقبة العصر الإسلامي.

هذا التنوّع الزمني يعكس أن الموقع لم يكن مجرد مدينة عابرة، بل مركزًا حضاريًا استمر عبر آلاف السنين وتناوبت عليه حضارات متعددة.

- كيف ظهر الموقع من جديد؟

منذ الثمانينيات، اختفت هذه المدينة تحت مياه سد الموصل بعد إنشائه، وبقيت مدفونة في قاعه كذاكرة منسية. لكن التراجع الكبير في منسوب المياه بسبب الجفاف الشديد الذي يضرب المنطقة في السنوات الأخيرة، أتاح للأرض أن تكشف عن سرها المخبأ.

الظاهرة تذكّر العالم بأن الطبيعة قادرة على أن تعيد إلينا ما ظنناه مفقودًا للأبد، وأن الحضارات يمكن أن تختفي تحت الماء لقرون طويلة، حتى تأتي لحظة يكشف فيها الزمن أسراره مرة أخرى.

- أهمية الاكتشاف

يُعد هذا الكشف واحدًا من أهم الاكتشافات الأثرية في العراق خلال العقود الأخيرة.

المقبرة المكتشفة ستفتح الباب أمام دراسة جديدة عن طقوس الدفن خلال العصر الهلنستي في المنطقة.

بقايا العصور المتعددة تعطي صورة شاملة عن استمرارية الاستيطان في هذه المدينة ودورها المحوري.

إعادة ظهور المدينة يسلّط الضوء على أهمية التوثيق السريع للمواقع المهددة بالعوامل البيئية كالجفاف والفيضانات.

- رسالة التاريخ

هذا الحدث يذكّرنا بأن الأرض تخبئ بين طبقاتها أسرارًا لا تنتهي، وأن مرور الزمن لا يمحو آثار الإنسان، بل يخفيها قليلًا حتى يحين موعد عودتها. مدينة كانت غارقة لعقود، فإذا بالجفاف يعيدها إلى الحياة كصفحة جديدة من كتاب التاريخ العراقي العريق.

إنها ليست مجرد مقبرة أو أطلال، بل دليل حيّ على أن حضارات بلاد الرافدين لا تزال تدهشنا بما تخفيه بين طياتها.