تُعد مصر من أكثر بلدان العالم ثراء بأشجار نخيل البلح، إذ تضم ما يزيد على 15 مليون نخلة، تنتج ثمارًا تُزين الموائد العربية وتُسهم فى مكانة مصر كأحد أكبر المنتجين عالميًا للتمور.
غير أن لهذه النخلة المباركة جانبًا آخر خفيًا، إذ تُخلف سنويا ملايين الأطنان من الجريد والسعف ونوى التمر، لا يُستغل منها إلا القليل، بينما يُترك أغلبه عرضة للحرق أو الإهمال، مشكلًا عبئًا بيئيًا واقتصاديًا.

لكن أبحاثًا علمية حديثة كشفت عن أن هذه «المخلفات» ليست نفايات بلا قيمة، بل يمكن أن تتحول إلى مواد بناء صديقة للبيئة، وأغشية طبية عالية الكفاءة، ووقود حيوى واعد، وألياف نسجية تدخل فى صناعات حديثة.
ووفق دراسة نشرتها مجلة «كلية الهندسة جامعة الإسكندرية» أثبت فريق مصرى يضم الباحثين إيمان عاطف درويش وأيمن مصطفى، أن جريد النخل يمكن أن يكون مادة إنشائية بديلة، عبر ابتكار قواطع حائطية مسبقة التجهيز، تعتمد على مهارة القفاصين التقليدية.
◄ اقرأ أيضًا | يوم حقلي للتوعية بمكافحة سوسة النخيل الحمراء بالإسماعيلية
هذه الألواح، المصنوعة من أعواد الجريد المتشابكة، أظهرت فى الاختبارات قدرة تحمل ميكانيكية تفوق المعايير المسموح بها عالميًا لحوائط البناء خفيفة الوزن.
الميزة الأبرز أن الخام متوافر بلا تكلفة تقريبًا، بينما يمنح استخدامه بعدًا تراثيًا يحفظ حرفة القفاصة من الاندثار، ويُعيد دمجها فى الاقتصاد العصرى.
وقدر الباحثون أن كل نخلة تنتج نحو 20 جريدة سنويًا، لكن لا يُستغل منها سوى 10% فقط. ولو استُثمر الباقى، لأمكن إنشاء صناعة محلية مستدامة تُنافس ألواح البناء المستوردة، مع توفير فى استهلاك الطاقة بفضل قدراتها العازلة.

◄ وقود وأغشية الغسيل الكلوي
ومن البناء إلى الصحة، كانت مخلفات النخيل عنوانًا لابتكار طبى واعد، إذ حصل فريق بحثى يضم الباحثين د.أحمد النمر وأمانى السقيلى وصفاء رجب من معهد علوم البحار، على براءة اختراع عن تمكنهم من استخراج سليلوز النخل وتحويله إلى أسيتات السليلوز، وهو المكون الرئيسى فى أغشية الترشيح المستخدمة فى أجهزة غسيل الكلى.
وهذه الأغشية تُستورد عادة بأسعار مرتفعة، بينما أثبت الفريق البحثى إمكانية إنتاجها محليًا بتكلفة أقل، باستخدام عامل حفاز جديد صديق للبيئة يمكن إعادة استخدامه عدة مرات.
وتتجاوز أهمية هذا الابتكار حدود المختبر، إذ تعانى مصر من ارتفاع كبير فى معدلات الفشل الكلوى، حيث يحتاج 650 مريضًا من كل مليون إلى جلسات غسيل منتظمة. ولأن تكلفة الغشاء الواحد تصل إلى آلاف الدولارات، فإن تصنيع بديل محلى قد يمثل طوق نجاة لآلاف الأسر ويخفف العبء على قطاع الصحة.
أما نوى التمر، الذى يُطرح بكميات ضخمة، فكان موضوعًا لإنجاز ثالث، حوله من عبء إلى فرصة طاقة جديدة. إذ نجح فريق بحثى يقوده الباحث المصرى فى جامعة كانتربري بإنجلترا د.أحمد إبراهيم فى ابتكار محفز مغناطيسى نانوى يُعالج مشكلة الأحماض الدهنية العالية فى زيت النوى، ويمنع تكون الصابون غير المرغوب فيه أثناء التصنيع.
وكانت النتيجة إنتاج وقود ديزل حيوى عالى الجودة، مع إمكانية إعادة استخدام المحفز أكثر من 16 مرة، مما يقلل من التكلفة والأثر البيئى.

◄ ألياف نسجية طويلة
وفي تجربة رابعة، تمكن باحثون بقيادة د.محمد الميدانى من الجامعة الألمانية بالقاهرة من استخلاص ألياف نسجية طويلة ونقية من جريد النخل، لتكون بديلًا للألياف المستوردة مثل السيزال والجوت والكتان.
الألياف الجديدة أثبتت جودتها فى اختبارات الغزل، ولفتت انتباه شركات محلية مثل شركة القناة للحبال. لكن طموح الباحثين يمتد أبعد من ذلك إلى صناعة السيارات، حيث يمكن استخدام الألياف النباتية فى تدعيم أجزاء السيارة الداخلية، استجابةً لمتطلبات بيئية عالمية.
ويقول الميداني: «هذه التجربة تفتح الباب أمام تحويل جريد النخل من عبء زراعى إلى مورد صناعى عالمى، مع إمكانية جذب استثمارات دولية شبيهة بتجارب «الفاو» في ألياف الموز والسيزال».
وتُظهر هذه التجارب الأربع كيف يمكن للنخلة المصرية أن تتحول من مجرد شجرة مثمرة إلى شجرة استثمارية متكاملة، تنتج الغذاء والدواء والطاقة ومواد البناء والألياف الصناعية.
ويبقى أن تتحول هذه التجارب إلى منتجات تعيد النخلة إلى قلب التنمية المستدامة، لتصبح بحق «شجرة المستقبل» التي تتجاوز حدود الثمار، لتغرس أملًا فى الاقتصاد، البيئة، والصحة.
مهرجان القطن يفتح أبوابه الشهر المقبل.. ورحمى: تسهيلات للشركات الصغيرة
الحكومة تقود قاطرة التحول نحو السيارات الكهربائية
السيارات الاقتصادية تتصدر.. والأوروبية تغيب عن قائمة المبيعات







