تساؤلات

الميل الأخير

أحمد عباس
أحمد عباس


لست أعرف بالضبط ما السرعة التى ستصلنى فى النهاية لكنى متأكد أنها ستكون الأعلى ولن أجد حينها مبررا حقيقيا لأى مسئول خدمة عملاء يرد: اقفل الراوتر وافتحه.

كانت الأزمة قبل نحو ثمانى سنوات فى مجملها تتلخص فى جملة سرعان ما تثير أعصاب العميل اذا سمعها من موظف خدمة عملاء لا يملك سواها، قادرة على حرق دم المشترك، خاصة اذا خرجت من الموظف بطريقة باهتة، كأنك تشكو له تأثر خدمة الانترنت الثابت فى وقت امتحانات الطلاب أو توقف العمل بسبب انقطاع الخدمة أو ما شابه، الجملة ببساطة كانت تقال هكذا:
لو سمحت يافندم اقفل الراوتر وافتحه!
أن يسمعها المواطن فقط كانت كفيلة بحرق دمه يوما كاملا، بينما الموظف بالفعل لا شيء فى يده سواها، القدرات هكذا ونحن جميعًا لما تتعثر الأمور لا علينا سوى أن نطيب خواطر بعضنا بكلمة وضحكة صفراء، القدرات هكذا وهذه هى السعات التى تتحملها البنية التحتية، وهذه أيضًا استطاعة الكوابل الارضية الممدودة فى الأرض، أغلبها نحاس فى نحاس والكثير منها يحمل طاقة انترنت تختنق فى الكابل بفعل الحرارة قبل أن تصل لبيتك او مكتبك.
أتى ذلك بعدما عانت الأمور فى كل شيء من التراجع والتردى بعد سنوات صعبة، كادت فيها الشبكة الأرضية أقرب للانهيار بالكامل، الكوابل نحاسية والنحاس يرتفع سعره ويباع بالكيلو والفوضى تضرب كل شيء فنصحو كل نهار على خبر سرقة كابلات نحاسية من المنطقة الفلانية، فتنقطع الخدمة تماما التى هى أصلا سيئة جدا.


الكلام الآن عن فترة ما بعد ٢.١١ وامتد طويلا بعدها، السرعات التى تجرى فى الشرايين النحاسية لا تتجاوز ٢.٧٧ ميجابايت فى الثانية، وهذه سرعة لو تذكرون بدائية جدا، فى ذلك الوقت كنت منغمسًا للغاية فى شئون الشركة المصرية للاتصالات موجود بشكل شبه دائم بين طرقاتها لسبب ما، وما كان الحديث يهدر همسًا الا عن «فايبر اوبتيك»، لم تكن الكلمة مستجدة على مسامعى لكنها كانت غريبة على الناس، فى كل الأحوال كانت تعنى سرعة فائقة، وأى سرعة حينها كانت ستصنف فائقة.


سعت وزارة الاتصالات بالتنسيق مع الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات وذراعها الفنية الشركة المصرية للاتصالات لتغيير المنظومة كاملة.
أولا الأزمة فى أجهزة السنترال فى كل منطقة، إذن لتتبدل الاجهزة بجديدة تتحمل سرعات فايبر وحدث، ثم بدت مشكلة كانت هى الأصعب فى المسافة الممتدة من السنترال الرئيس فى كل منطقة وحتى الكبائن المنتشرة بالحي، وسخافة هذه المرحلة بسبب ما تتطلبه من تكسير وحفر وإعادة الشيء لأصله بالشوارع، ثم تمت على مراحل طويلة لكنها تمت، فتغيرت كبائن الشوارع وكوابلها، ثم مرحلة أخرى تمتد من الكابينة الرئيسية وتسير حتى مداخل العمارات السكنية.


كل ذلك تم بالفعل حتى اصطدم العالم بتداعيات وتوابع وباء كورونا اللعين، ذلك الذى أقعدنا جميعا فى بيوتنا امام هواتفنا وشاشاتنا وضاعف الاستهلاك مئات المرات، وثبت نجاح الخطة التى رصد لها منذ بدايتها نحو ١٥ مليار جنيه قبل ان تنخفض قيمته، وكان الرقم عملاقًا، ثم عبرت الجائحة وارتقى الترتيب المصرى فى كل مؤشرات سرعة الانترنت خلالها، لكن يبقى الى الآن النقطة الأخيرة ما يسميه المتخصصون بـ «الميل الأخير» وهذه هى النقطة الاخيرة بين الفايبر على مداخل العمارات وحتى جهاز الراوتر المنزلي، المهم تضخمت السرعة فى مصر الى ٨٧.١٥ ميجابايت للثانية.
ومنذ أسابيع فوجئ المواطنون بأعمال حفر وثقب داخل العمارات فيما بين الطوابق وتركيب اجهزة جديدة شكلها على الجميع، كلمنى أحدهم وقال بالحرف: «الحقنى هايخرموا العمارة»، ضحكت جدا وفهمت بأن المسألة تتعلق بوصول المشروع الى قرب نهايته واقتراب تشغيل «الميل الأخير» بالفايبر عبر أجهزة ftth، التى تضمن سرعة عملاقة داخل البيوت، وقد أوشكت بالفعل المرحلة على الانتهاء.
لست اعرف بالضبط ما السرعة التى ستصلنى فى النهاية لكنى متأكد أنها ستكون الأعلى ولن أجد حينها مبررا حقيقيا لأى مسئول خدمة عملاء يرد: اقفل الراوتر وافتحه.