تبدو التحركات الاقتصادية لـ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب في ولايته الثانية أبعد بكثير من مجرد سياسات تقليدية مثيرة للجدل.
فما يطرحه ترامب على الساحة اليوم يمثل هجومًا مباشرًا على ركائز الاقتصاد الأمريكي القائم على "رأسمالية السوق الحرة" منذ أكثر من ثمانية عقود.
وبينما ينشغل الرأي العام بجدالات يومية حول تصريحاته ومواقفه السياسية الصاخبة، تمر إجراءات اقتصادية عميقة و"ثورية" دون نقاش جاد.. رغم أنها تحمل تغييرات جذرية في بنية الاقتصاد الأمريكي وعلاقته بمؤسسات الدولة.
اقرأ أيضًا| هل يدفع الاقتصاد الأمريكي ثمن طفرة الذكاء الاصطناعي من جيبه الكهربائي؟
زخم سياسي يُخفي تحولات اقتصادية
في أسبوع واحد فقط، أثار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب سلسلة من الأحداث الصاخبة، والتي كانت من بينها: لقاء مرتجل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قمة ألاسكا، وهجومه على شبكة متاحف "سميثسونيان" حيث دعا إلى مراجعة محتوى المعارض والبرامج التابعة للمؤسسة، مطالبًا بإزالة ما وصفه بـ"الأيديولوجيات غير المناسبة" التي تشوّه التاريخ الأمريكي من وجهة نظر ترامب، كذلك، تدخل في شؤون الشرطة الفيدرالية بواشنطن، ثم إقالة رئيس وكالة الاستخبارات الدفاعية بعد تشكيكه في نتائج القصف الأمريكي لإيران.
كل حدث من هذه الوقائع كان كفيلًا بإشغال الإعلام الأمريكي لفترة طويلة، لكن ترامب يُغرق الساحة بموجات متلاحقة من الأزمات، وهو ما يجعل النقد الجاد لسياساته الاقتصادية يتراجع إلى الخلفية..
انقلاب على «الرأسمالية الحرة»
وفقًا لمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، منذ الحرب العالمية الثانية، حافظت الإدارات الأمريكية – خصوصًا الجمهورية منها – على مبدأ أن دور الدولة يقتصر على تهيئة بيئة مستقرة للاستثمار، مع ترك مهمة خلق الثروة للقطاع الخاص.
لكن ترامب، قلب هذه القاعدة رأسًا على عقب؛ حيث بدأ بهجومه على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، ثم محاولاته إقالة عضوته ليزا كوك بتهم سياسية بحتة، وعندما رضخ رئيس الفيدرالي جيروم باول لضغوطه وخفّض الفائدة استجابة لرغباته، اعتبر الاقتصاديون أن ذلك يفتح الباب لتسييس القرارات النقدية الأخطر في العالم.
سلاح الرسوم الجمركية
من أبرز خطوات ترامب الاقتصادية فرض رسوم جمركية ضخمة على عشرات الدول، في مستويات لم تشهدها أمريكا منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية، فيما تروج الإدارة الأمريكية الحالية بأن "الأطراف الأخرى" هي من يدفع ثمن هذه الرسوم، بينما يحمّلها خبراء الاقتصاد مباشرة على المستهلكين والشركات الأمريكية.
والأخطر.. أن واشنطن لم توضح بشكل شفاف أين ستذهب عوائد هذه الضرائب الجديدة، وهو ما يفتح الباب لاتهامات باستخدامها كورقة سياسية.
تدخل مباشر في قطاع التكنولوجيا
في خطوة غير مسبوقة، أعلن دونالد ترامب أن الحكومة الأمريكية ستستحوذ على 10% من أسهم شركة "إنتل" (وهي من أكبر شركات التكنولوجيا متعددة الجنسيات في الولايات المتحدة الأمريكية)، بعد تراجعها في المنافسة العالمية.
كما أجبر شركتي إنفيديا وإيه إم دي على اقتطاع 15% من عائداتهما من مبيعات الرقائق للصين، ثم منح شركة "آبل" إعفاءً كاملًا من رسوم جمركية مُقابل تعهدها بضخ استثمارات بقيمة 100 مليار دولار في الداخل الأمريكي، وهذه الإجراءات لا تمثل مجرد دعم للصناعة، لكن أيضًا إعادة تشكيل لطبيعة العلاقة بين الدولة والشركات الكبرى.
صمت الجمهوريين ورجال الأعمال
المفارقة، أن الأصوات التي كانت تهاجم مشاريع يسارية صغيرة مثل "المواصلات المجانية" في نيويورك، تتجاهل الآن تدخل ترامب المباشر في قلب الاقتصاد الأمريكي.
وشركات كبرى مثل بلاك روك وفانجارد وستيت ستريت – وهي من كبار المساهمين في إنتل – رفضت التعليق على هذه السياسات، أما بعض الجمهوريين يرون أنها "خيانة للرأسمالية التقليدية"، لكن الغالبية تلتزم الصمت خوفًا من انتقام ترامب السياسي أو طمعًا في الاستفادة من تخفيضاته الضريبية للأثرياء.
اقرأ أيضًا| من واشنطن إلى آسيا| تداعيات الرسوم الأمريكية على الاستثمار العالمي
رأسمالية الدولة أم حكم شخصي؟
بعض المحللين ــ وفقًا لمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية ــ وصفوا تجربة ترامب بأنها نسخة من "رأسمالية الدولة" التي تمارسها الصين أو مارستها أنظمة سابقة مثل ألمانيا النازية، والفكرة تقوم على تدخل الدولة المباشر في القطاعات الاستراتيجية، وتوجيه الاستثمارات حسب أولويات سياسية.
لكن في حالة ترامب، يغيب المنهج الواضح، إذ تبدو القرارات أقرب إلى "نزوات شخصية" – كما ظهر عندما أوقف مشروع مزرعة رياح بحرية قرب رود آيلاند، مبررًا الأمر ببساطة: "الرئيس لا يحب طاقة الرياح".
مستقبل الاقتصاد الأمريكي
بينما تضع الصين استراتيجيات بعيدة المدى لقيادة قطاعات المستقبل مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة الخضراء، يصر ترامب على تعزيز الصناعات التقليدية مثل: النفط، والغاز، والزراعة، والسلاح، وهذا التوجه قد يُرضي قاعدته الشعبية الآن، لكنه يثير تساؤلات عن قدرة الولايات المتحدة على المُنافسة عالميًا في العقود القادمة، وفي ظل غياب خطة اقتصادية متماسكة، يخشى الخبراء أن يتحول النظام الأمريكي إلى "حكم شخصي اقتصادي" يقوم على قرارات فردية لا على مؤسسات مستقلة.
وبالنسبة لسياسة ترامب الاقتصادية اليوم، فهي أصبحت مسألة تعيد صياغة مفهوم الاقتصاد الأمريكي ذاته، والتناقض الصارخ.. أن ما يُقدمه ترامب عمليًا أقرب إلى تدخل الدولة المركزية، في الوقت الذي يُهاجم فيه خصومه بوصفهم "اشتراكيين"، ومع ذلك، فإن ردود الفعل الباهتة من الساسة ورجال الأعمال بالولايات المتحدة، تكشف عن أزمة أعمق، ألا وهي: «صعود نمط حكم شخصي في قلب أكبر اقتصاد في العالم».
اقرأ أيضًا| البنتاجون يُطلق خطة لفك احتكار الصين لموارد استراتيجية حيوية| تعرف عليها



المرشد الإيراني: أمريكا وإسرائيل تسعيان لـ«زرع الانقسام» بين الإيرانيين
خلال زيارته لليابان.. وزير الخارجية يجري حوارًا مع قناة «NHK»
وزير الخارجية يلتقي مجلس الأعمال المصري الياباني







