أنا لم أرتكب خطيئة، لم أسلب الآخربن ممتلكاتهم بالإكراه، أنا لم أسرق، لم أقتل، لم أكذب، أنا لم " أشتم"، لم أتسبب في بكاء الآخرين، لم أسرق الطعام، لم أعتد على أحد، أنا لم أخالف القانون، لم أتصرف بغوغائية، أنا لم أهدد السلام. كل ما سبق هو انتقاء من وصايا "ماعت" الــ42.
وصايا "ماعت" آلهة الحق والعدل والعلم، التي صارت دستورًَا لحياة وأخلاق المصريين القدماء، هذه الوصايا سبقت الوصايا العشر لسيدنا موسى بألفي عام طبقًا لما جاء في الدرسات وكانت "ماعت" ملزمة للجميع.
وهى لم تأت من فراغٍ فقد سبقها ظهور تعاليم الحكماء "بتاح حتب"، و"كا جمني"، و"مرى كا رع"،هذه التعاليم إن دلت فإنّما تدّل على إعلاء قيمة الفضيلة فى مصر القديمة منذ فجر التاريخ. ورغم التسلسل الزمني التاريخي فهذه التعاليم سبقت تعاليم اليهودية والمسيحية والإسلام.
اقرأ أيضًا| حاتم نعام يكتب: التفاهة في الكلبش
في البداية نستعرض كيف عرفت المعاجم كلمة الأخلاق حيث ورد في معجم اللغة العربية بالقاهرة أن علم الأخلاق: علم موضوعه أحكام قِيمية تتعلق بالأفعال الإنسانية من ناحية أنها خير أو شر.
وهو ضربان: نظري يبحث في حقيقة الخير والشر والقيم الأخلاقية، وعملي: ويسمى علم السلوك.
وقد عرف الفَلاسفة الأخلاق، على أنّها دراسة معياريّة للخير والشر تهتمّ بالقيم المُثلى، وتصلُ بالإنسان إلى الارتقاء عن السلوك الغريزي بمحض إرادته الحرة .
فالأخلاق عند أفلاطون: تتمثّل في كبح شهوات الإنسان، والتّسامي فوق مطالب الجسد بالالتفات إلى النفس والروح وتوجيههما لتحصيل الخير والمعرفة ومحاربة الجهل.
أما أرسطو: يرى أنّ الأخلاق مُرتبطة بسعادة الإنسان التي هي غاية وجوده، فيعرّفها على أنها الأفعال الناتجة عن العقل، من أجل الخيرالأسمى، وجان جاك روسو، يُعرّف الأخلاق على أنها الأحاسيس الطبيعية؛ التي تجعلنا نميّز بين الخير والشر ونتفادى ما يُلحق الأذى بنا وبالآخرين، ونميلُ إلى ما يعود علينا والمجتمع بالنفع.
أما الديانات السماوية فتدعوا جميعها إلى الالتزام بالأخلاق الحسنة فالدين الإسلامي ارتبطت جوانبه برباط أخلاقي، لتحقيق غاية أخلاقية، الأمر الذي يؤكد أن الأخلاق هي روح الإسلام، وأن النظام التشريعي الإسلامي هو كيان مجسد لهذه الروح الأخلاقية وأن الأخلاق منها الحسن ومنها القبيح، الخلق الحسن، وهو الأدب والفضيلة، وتنتج عنه أقوال وأفعال جميلة عقلا وشرعاً، الخلق السيئ، وهو سوء الأدب والرذيلة، وتنتج عنه أقوال وأفعال قبيحة عقلا وشرعاً.
وحسن الخلق من أكثر الوسائل وأفضلها إيصالاً للمرء للفوز بمحبة رسول الله صلى الله عليهوسلم ، والظفر بقربه يوم القيامة حيث يقول : " إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم أخلاقاً". وما جاء به الدين الإسلامي في الجانب الأخلاقي جاءت به المسيحية.
لكن ماذا حدث لأخلاق المصريين؟ هل أخلاق المصريين تغيرت؟ هل اختفت مدينتا القديمة، وقريتنا القديمة، وشارعنا القديم الذي كانت تحكمه الثوابت والقيم الأخلاقية منذ فجر التاريخ؟ هل وصلنا إلى كل هذه القسوة التي أصبحت شبحًا يطارد الجميع؟
في الحقيقية أن هذه المدينة ليست مدينتنا عندما تخلينا عن الوعي بالتحديات التي تواجه العالم المعاصر وجذبنا هذا الجانب المظلم لوسائل التواصل الاجتماعي التي تصدمنا يوميًا بكل هذه الجرائم، وتصدمنا بنشر تلك الصورة القاتمة. خاصة مع ذروة انتشــار تلك الوســائل التي تسارعت إلى درجة غير مسبوقة للترويـــج لكل ما هو عنيف ربما لجـذب انتبـاه المسـتخدمين، خاصة أن هذه الوسائل الفتاكة في أيدينا طوال الوقت ومجانية بأقل تكلفة اقتصادية.
ليس معنى ذلك أننا نحاول نفي أو إنكار أن هناك تعدد لأشكال الجريمة في الشارع المصري، خاصة في السنوات الأخيرة، فالجريمة موجودة ولا يخلـو أي تجمـع إنسـاني مــن جرائم العنف باختلاف الدرجات والأساليب ولكن الاختلاف يكون في التعامل مع تلك الظاهرة.
فلا يمكن نشر القيم الأخلاقية في مجتمعنا أوفي أي بلد في العالم بقرار جمهوري ولكن بالمواجهة والاحتواء والقدوة، بأن نضع على رأس كل مؤسسة أو شركة أوإدارة، مثل وقدوة يحتذى بها، يجب علينا في مصر بلد القيم الأخلاقية أن نتصدى لهذا الإعصار، نتصدى لسلبيات السوشيال ميديا من دافع المسؤولية المجتمعية المشتركة للمسجد والكنيسة والمؤسسات التعليمية والنوادي والدراما والإعلام وخلافه، وأن نبدأ بالقريب قبل البعيد، والقوي قبل الضعيف، والكبير قبل الصغير، وهذا ليس بالأمر السهل لكن كل ما نستطيع أن نفعله هو أن نبدأ ولا نتوقف.
اقرأ أيضًا| حاتم نعام يكتب: «خذوا التاريخ بقوة».. مصر وحدها قادرة

من رحم «النكسة» وٌلد «العبور»
عمرو الخياط يكتب: المسئولية المجتمعية لوزارة الداخلية
الكونجرس الأمريكى ضد الحرب.. من يؤيدها؟!







