يوميات الأخبار

أكذوبة إسرائيل الكبرى.. والملك المُخلّص

د. عبد الواحد النبوى
د. عبد الواحد النبوى


الكنيسة الغربية تؤمن بأن اليهود لم يعد لهم حق العودة بعد رفضهم الايمان بالسيد المسيح.

تؤمن المسيحية الصهيونية الموجودة بقوة فى الغرب وبخاصة فى الولايات المتحدة الامريكية بخرافة دينية منتشرة منذ القرن السادس عشر الميلادى تقول: لن يعود السيد المسيح إلى الأرض ليحكمها ألف عام من الرخاء والسعادة والسلام إلا بعد عودة اليهود إلى أرض الميعاد، وهى الأرض التى يرى اليهود أنها التى أعطاها الرب لنسل إبراهيم من النيل إلى الفرات، ولا شك أن منهم ابنه إسماعيل أبو العرب إلا أن كتب اليهود عادت فاستبعدت إسماعيل لا لشيء سوى لأن تكون لهم الأرض وحدهم وتبرر جرائمهم باسم الرب، والسؤال هو: لماذا لم يُمكِّن لهم الرب فى الأرض منذ وجود إبراهيم الذى يرجع بعض المؤرخين وقت وجوده لنحو 19 قرنا قبل الميلاد؟ ولماذا طوال تلك القرون لم نر من يطالب بالتمكين فى أرض الرب؟ وكيف لا يتم تنفيذ ارادته بل ويتم تشتيتهم فى قارات الدنيا؟ والغريب أن اليهود لم يطالبوا الرب بتنفيذ الوعد بالأرض والعودة اليها بعد طردهم منها على يد أقوام لم يكونوا يؤمنون بالله -مثل الاشوريين والبابليين والرومان- هذا لأن كل ذلك أكذوبة كبيرة لا أساس لها ولم تقم لهم سلطة حكم على الأرض إلا فى عهد داود وسليمان لسنوات بعداد التاريخ كانت قليلة فى القرن العاشر قبل الميلاد وعلى مساحة أرض أقل كثيرا من أرض فلسطين الحالية، وليس ما يدعيه الصهاينة سفاكو الدماء.

أرض فلسطين

لم يكن اليهود أول من سكن فلسطين، بل سبقهم العرب وأجناس أخرى قدمت إلى فلسطين، ثم جاء اليهود بعد فترات كبيرة من الزمن وتحالفوا مع بعض القبائل غير العربية واستطاعوا تأسيس مملكة تحت حكم الملك شاؤول عام 1020 قبل الميلاد ثم سليمان، ولم يكن هذا التأسيس بطلب من الرب أو بوعد منه وإلا لاستمرت حتى وقتنا الحالي، فوعود الرب ليست مؤقتة، وأقصى اتساع لتلك المملكة حتى وقتنا الحالى لم يشمل جميع أراضى فلسطين الحالية وكانت مساحتها تزيد قليلا على 18 ألف كم2 وكانت هذه أكبر مساحة حكمها اليهود حتى زمننا هذا، فلم يصلوا إلى الكويت ولا العراق ولا الأردن أو سوريا أو لبنان أو مصر وبعد سليمان انقسمت المملكة عام 922 قبل الميلاد إلى قسمين: مملكة الشمال (إسرائيل) التى سقطت على يد الأشوريين عام 721 قبل الميلاد ومملكة الجنوب (يهودا) التى دمرها ملك بابل نبوخذ نصر مرتين عام 597، وعام 587 قبل الميلاد ودمر الهيكل، وعندما عادوا إلى القدس فى عهد الملك الفارسى قورش ودخلوا فى صراعات ومارسوا العنف على فترات متعددة حتى طردهم الرومان من القدس عام 70م وخلال تلك الفترة لم يرد فى أى أثر ذكر لأكذوبة إسرائيل الكبرى.

يهود الشتات

والكنيسة الغربية تؤمن بأن اليهود لم يعد لهم حق العودة بعد رفضهم الايمان بالسيد المسيح وقتلهم له، وأن الشتات عقاب من الرب لهم على ذلك، وأن حق العودة قد تحقق لهم قبل ظهور السيد المسيح، وهناك كثير من اليهود يؤمنون بعقاب الله لهم.

خلال شتاتهم فى الأرض لم يتحدثوا عن إسرائيل الكبرى وإنما كان حديثهم عن المخلِّص الذى يوحدهم، وانتشرت كتابات تلمودية وأقوال لزعمائهم الدينيين يمجدون تلك الفكرة، وقد عانى منها اليهود طوال تاريخهم؛ وكثيرا ما تقمص فكرة الملك المخلص بعض الطامعين فى السلطة والذين تحالفوا مع بعض رجال الدين وأوردوهم موارد الهلكة، ومن يحكم إسرائيل الآن يرى فى نفسه الملك المخلص الذى سيوحد اليهود ويحكم العالم من خلال إسرائيل الكبرى، ويحلم بأن توضع صورته مكان صورة هرتزل فى المكاتب الحكومية.

وتوارت فكرة الملك المخلص، وغاية ما كانوا يريدونه زيارة القدس، وسرعان ما ظهرت فكرة وجود وطن لليهود وظهر منظرون لها، ولمع نجم هرتزل بعد تأسيسه الحركة الصهيونية ووقف خلف فكرة انشاء وطن لليهود محدود الأرض، ولم تكن فلسطين هى خياره الأول بل رضى بوطن فى أوغندا أو فى أمريكا الجنوبية قبل أن يستقر الصهاينة على فلسطين بما لها من مكانة دينية لدى عامة وفقراء اليهود والذين سيكونون وقود إنشاء هذا الوطن، وحاول التحالف مع ألمانيا وفشل ثم مع الدولة العثمانية وفشل وتلقفته بريطانيا، ثم نقل التحالف إلى أمريكا بعد ضعف بريطانيا، ولم يكن هناك حديث عن إسرائيل الكبرى وكل الحديث كان عن وطن قومى فى فلسطين..

وعندما أقرت الأمم المتحدة تقسيم فلسطين فى عام 1947 بين العرب واليهود كان مفهوم إسرائيل الكبرى فى نظر الصهاينة المتشددين بزعامة فلاديمير جابوتنسكى هى فلسطين من البحر إلى النهر بالإضافة للضفة الشرقية لنهر الأردن، وتلاشى هذا التوجه، وعاد مرة أخرى مع نكسة 5 يونيو 1967 إلا أنه خفتَ مرة ثانية بعد معاهدة السلام مع مصر 1979 ثم تبنى المصطلح حزب الليكود بعد تأسيسه فى عام 1977 وها نحن نرى حلقة جديدة من شطحات قادة صهاينة يريدون أن يدفعوا بالمنطقة إلى بوابات الهلاك.

أنانى وليس له إله

ما أثاره نتنياهو منذ انخراطه فى الحياة السياسية فى اسرائيل دفع الكثير من علماء النفس لدراسة تلك الشخصية التى تريد الآن اشعال النار فى المنطقة وفى نفسه كما قام بذلك قادة سابقون.. وخلاصة ما ذكره علماء النفس -وعلى رأسهم علماء نفس يهود- أننا أمام شخصية صهيونية لا تتردد فى استغلال الاخرين، فهو -كما يقول يوئيل ماركوس- «نتنياهو أناني، ذئب وحيد، شخص من النوع الذى قد تقول إنه ليس له إله».

ويتلاعب بزملائه ويتصرف بأنانية، ويعتقد أن مهمته البطولية انقاذ وطنه، وصل به غروره أن قال: «الأمة كلها تقول لى كن قويا وثابتا، نحن معك، ونجاح كل من إسرائيل والشعب اليهودى يعتمد عليك، ولن تُهزم أبدا». وهو عدوانى متلون يؤمن بمبدأ «الغاية تبرر الوسيلة»، لا يتصرف إلا من خلال الخبث والقسوة وتحقيق الأهداف بأى ثمن.

وشهادات كثيرين أنه لا يمكن الوثوق به، فيعد ويوقع على وعود لا يفى بها أو ينكرها فيما بعد. والازدواجية معياره الأساسى فى العمل.

نتنياهو شخص منغلق على ذاته، وتنحصر علاقاته مع مساعديه أو من يحتاجهم؛ وينهيها إذا انتهت حاجته إليهم، فهى علاقات تقوم على الاستغلال أكثر من الصداقة، يسيطر عليه الشك تجاه الآخرين ويظن أنهم يتآمرون عليه، فهو يرى «العالم كله ضده»، وشكه مصحوب بالإيذاء والقتال للفوز على خصومه، يحب أن يلعب دور القائد فى «غرفة الحرب»، يميل إلى العمل بمفرده ويحكم بيد من حديد. أسلوبه الإدارى عدواني.

وعندما تفاجئه الازمات يتعامل معها بطريقة خائفة ومرتبكة، ويكون على استعداد للوعد بأى شيء، والتوقيع على أى وثيقة. قال إسرائيل هارئيل قائد مستوطنى الضفة الغربية: إن نتنياهو يتنازل لمن يضغط عليه، ومتى يتعرض للتهديد أو الابتزاز فإنه يقاوم بشدة؛ لكنه يتنازل أيضا بصورة كبيرة. ففى حادثة محاولة اغتيال مشعل بالأردن عام 1997 فقدَ نتنياهو صوابه، وكان خائفا، وأعطى الأردنيين مقابلا كبيرا لحل الازمة، فقد كان منزعجا جدا من اعتقال اثنين من عملاء الموساد فى عمان لدرجة أنه اقترح على الملك حسين إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين.

توازن الخوف 

ينظر إلى قضايا المنطقة أنه لا يوجد شيء أكثر عدلا من عودة اليهود إلى «وطنهم»، والدول العربية ليست دولا ديمقراطية. فلا يمكن إقامة السلام معها إلا من خلال توازن الخوف، وأنه لن يختفى العداء العربى خلال هذا الجيل، لكن مع إسرائيل قوية سيقبل العرب بها.

ولا شك أنها أوهام مثل أوهام كثيرة تستقر فى رأس المطلوب من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة الإبادة الجماعية.

من شعر الشاعر الفلسطينى توفيق زياد:

هنا باقون
كأننا عشرون مستحيل
فى اللد، والرملة، والجليل
هنا .. على صدوركم، باقون كالجدار
وفى حلوقكم
كقطعة الزجاج، كالصبار
وفى عيونكم
زوبعة من نار
هنا .. على صدوركم، باقون كالجدار
نجوع .. نعرى .. نتحدى
ننشد الأشعار
ونملأ الشوارع الغضاب بالمظاهرات
ونملأ السجون كبرياء
ونصنع الأطفال.. جيلا ثائرا.. وراء جيل
كأننا عشرون مستحيل
فى اللد، والرملة، والجليل
إنا هنا باقون
فلتشربوا البحرا
نحرس ظل التين والزيتون
ونزرع الأفكار، كالخمير فى العجين
برودة الجليد فى أعصابنا
وفى قلوبنا جهنم حمرا
إذا عطشنا نعصر الصخرا
ونأكل التراب إن جعنا.. ولا نرحل