فى ظل التحولات المتسارعة التى يشهدها العالم فى مجال الإعلام، وما ينجم عنها من تأثير بالغ فى تشكيل الرأى العام محليًا ودوليًا، تبرز ضرورة مُلحة لإعادة النظر فى الدور الذى تضطلع به وسائل الإعلام فى رسم صورة المجتمع والدولة، سواء داخليًا أو خارجيًا، ولقد شهدت الساحة الإعلامية المصرية خلال الفترات الماضية حالة من التراجع الكبير والمؤسف فى التأثير والفاعلية، نتيجة إسناد مسئولية إدارة الإعلام إلى غير المتخصصين وغير المؤهلين، ممن يفتقرون إلى الرؤية، ويجهلون فهم طبيعة سلاح الإعلام وأبعاده، وترتب على هذا -الإقصاء- لأهل التخصص تعطيل واضح لدور الإعلام، وغياب ملحوظ للخطاب الإعلامى المسئول القادر على مواجهة التحديات، وصياغة صورة مصر بما يليق بمكانتها الإقليمية والدولية، إذ أثبتت التجارب السابقة أن التناول الإعلامى حين يفتقر إلى المهنية والدقة والموضوعية، لا يُلحق الضرر بسمعة المؤسسات فحسب، بل يُعرض الأمن القومى والاقتصاد الوطنى لمخاطر جسيمة قد يصعب احتواؤها أو تدارك تبعاتها.
قبل سنوات، كانت الصحف تنشر تقارير غير دقيقة عن استخدام مياه الصرف الصحى فى رى الأراضى الزراعية فى مصر، واستمرت فى التوسع بالنشر حتى وصلت إلى مزاعم تتعلق باستخدام المبيدات المسرطنة فى المنتجات الزراعية، مما ساهم فى الحديث عن انتشار أمراض السرطان والفشل الكلوى.
وقد شكّلت هذه التقارير، قرارات أدت إلى عزوف العديد من الدول عن استيراد المنتجات الزراعية المصرية من الفواكه والخضراوات، رغم أن مصر كانت وجهة رئيسية للمستوردين - من حكومات وشركات - نظرًا للسمعة التاريخية التى يتمتع بها المنتج المصرى من حيث الجودة وطبيعة المنتجات الزراعية.
تسبب النشر فى كارثة قومية، إذ كان له أثر بالغ على الاقتصاد الوطنى نتيجة تراجع صادرات هذه المنتجات، والتى كانت - ولا تزال - مصدرًا مهمًا للدخل القومى.
فى المقابل، لم تواجه الحكومات المتعاقبة هذه الحملات بالصدق والشفافية، رغم أن الاقتصاد الوطنى دفع ثمن هذا النشر المُضلل، ولم يتم التصدى لهذه الادعاءات بالمعلومات الدقيقة، ولا بنشر الحقائق، ولم تُحاسب الوسائل التى مارست هذا النشر الإجرامى، رغم أنه يُعرض الأمن القومى المصرى للخطر.
تُرك هؤلاء دون رقابة أو مساءلة، حتى أصبحت الأكاذيب التى ينشرونها تُعامل كحقائق دامغة لدى المواطن، ولدى الدول والجهات التى كانت تعتمد على المنتجات الزراعية المصرية، خاصة الأشقاء فى دول الخليج والاتحاد الأوروبى، الذين فرضوا شروطًا وضوابط معقدة كشرط للاستيراد، قبل أن يبحثوا عن مصادر بديلة من دول أخرى.
وقد تكرر الأمر ذاته فى حملات صحفية تناولت معلومات عن محلات وسلاسل مطاعم تجارية يُزعم أنها تذبح الكلاب والحمير وتبيع لحومها، مما أثّر أيضًا على عمليات تصدير المنتجات الحيوانية من مصر، وتأثر الدخل القومى.
ومن المعروف بالضرورة، أن سفارة كل دولة فى القاهرة تراقب ما يُنشر فى وسائل الإعلام المصرية، وتُدرجه فى تقاريرها التى تُبنى عليها قرارات التعامل والتعاون مع مصر.
وقد ذكر لى شخصيًا أحد وزراء الزراعة، أنه عندما قررت إحدى الدول العربية الشقيقة وقف استيراد المحاصيل الزراعية من مصر، أرجع المسئولون فى تلك الدولة السبب إلى ما تنشره وسائل الإعلام المصرية!
واليوم، يتكرر الأمر ذاته عن انتشار تجارة الأعضاء، وهو نشر سيدفع الاقتصاد القومى ثمنه فى الفترة المقبلة، لأنه سيؤثر على ملف السياحة الطبية والاقتصاد الطبى فى مصر، الذى يُدر مليارات الدولارات، نظرًا لما يتمتع به الطب المصرى من سمعة جيدة فى الدول العربية، حيث تُعد مصر وجهة علاجية للأشقاء العرب، وخاصة فى دول الخليج.
وقد اكتفيت هنا بذكر ثلاثة نماذج لتأثر الأمن والاقتصاد القومى بسبب النشر فى وسائل الإعلام، وهى أمور تستوجب الضوابط والمحاسبة والرقابة، خاصة ونحن نتحدث هذه الأيام عن استراتيجية جديدة للإعلام.

فى غزة.. الوقت من دم
إيمان راشد تكتب: ميزان العدل
برج الجوزاء






