صيف ساخن جدًا.. «تغير المناخ» يضاعف الحر

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية


■ كتبت: ندى بدوي

بينما يسجّل العالم درجات حرارة غير مسبوقة خلال فصل الصيف، مدفوعًا بتداعيات تغير المناخ الذى يُفاقم أحداث الطقس المتطرف، تأتي مصر في قلب العاصفة المناخية، إذ تضرب البلاد موجات حر متكررة، وهى الأحداث القابلة للزيادة في ظل عدم اتخاذ إجراءات حاسمة للحد من الاحترار العالمي.

الأمر الذي ترتفع معه التحذيرات من المخاطر التي يُمكن أن تترتب على الصحة العامة، ما يستدعى ضرورة اتخاذ إجراءات وقائية للحد من المخاطر الصحية للحر، وفى مقدمتها التعرض لضربات الشمس والإجهاد الحراري.

الوجه الآخر لفصل الصيف المتمثل في موجات الحرارة اللاهبة، لم يكن معتادًا لدى المصريين، فلم تعد هذه الموجات مجرد تقلب جوى موسمى، لكنها تعبر بشكلٍ جلى عن أزمة مناخية متصاعدة.

هذا ما يؤكده الدكتور علي قطب، أستاذ التغيرات المناخية بجامعة الزقازيق، مشيرًا إلى أن أحد المؤشرات المقلقة لتغير المناخ هو تكرار الموجات الحارة بوتيرة أعلى مما كانت عليه في العقود الماضية.

◄ اقرأ أيضًا | تصل إلى 49 درجة.. الأرصاد تحذر من حالة الطقس غدًا الأربعاء

وتابع: فى السابق كانت موجات الحر في مصر محدودة العدد، لكننا الآن نتحدث عن 6 إلى 8 موجات خلال شهرى يوليو وأغسطس فقط. وهذا يتماشى مع الاتجاه العالمى المتصاعد فى تواتر الظواهر الجوية المتطرفة نتيجة لتغير المناخ وارتفاع معدلات ثانى أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.

◄ منخفض الهند الموسمي

ويوضح لـ«آخرساعة» أن مصر تتأثر خلال فصل الصيف بما يُعرف بـ«منخفض الهند الموسمى»، وهو نظام جوى قوى ينشأ فوق الهند ويتمدّد غربًا ليشمل منطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية ثم يصل إلى شمال إفريقيا، حاملاً كتلًا هوائية شديدة الحرارة. هذه الكتل عندما تمر فوق البحر الأحمر أو البحر المتوسط، تكتسب كميات كبيرة من بخار الماء، ما يؤدى لارتفاع ملحوظ فى الرطوبة النسبية، خاصة فى المناطق الساحلية والدلتا. وهذا ما يفسر الشعور بالخنقة الشديدة رغم أن الحرارة المقاسة قد لا تبدو مرتفعة إلى هذا الحد، لكن الحرارة المحسوسة ترتفع بفعل الرطوبة بمقدار 3 إلى 4 درجات مئوية فى المتوسط.

ويؤكد قطب أن بعض المناطق الحضرية فى مصر، خصوصًا العاصمة والمدن الساحلية الكبرى، أصبحت تشهد ظاهرة الجزر الحرارية الحضرية، التى تزيد من معاناة السكان مع ارتفاع الحرارة. هذه الظاهرة تجعل درجات الحرارة داخل المدن أعلى من المناطق الريفية أو المفتوحة المحيطة بها، أحيانًا بفارق يصل إلى 7 درجات مئوية. ويتمثل السبب الرئيسى لها فى امتصاص الأسطح الخرسانية والطرق الأسفلتية للحرارة طوال النهار، ثم إطلاقها تدريجيًا خلال الليل، ما يمنع الجو من التبرد.

◄ القبة الحرارية

وأضاف: قلة المساحات الخضراء، وزيادة كثافة المبانى، وعوادم السيارات، كلها عوامل تضيف إلى هذه الظاهرة. كما أن القبة الحرارية الناتجة عن الضغط الجوي المرتفع والتلوث تعوق حركة الهواء وتمنع التهوية الطبيعية، فيزيد الشعور بالحرارة حتى فى المساء. كل ذلك يزيد من الضرورة الحاسمة لمواجهة التغير المناخى بالتحوّل إلى الطاقة النظيفة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفورى، بالإضافة إلى تنفيذ إجراءات التكيّف من دمج المسطحات الخضراء فى تخطيط المدن، وتشجيع زراعة الأسطح، وإعادة تدوير المخلفات بطريقة علمية، فضلاً عن التوسع فى استخدام مواد بناء عاكسة للحرارة، وتظليل الشوارع وغيرها من التدخلات التى تحد من تأثير الحرارة على البشر.

◄ ضربة شمس

من جانبه، يُحذر الدكتور سمير عنتر، استشارى الحميات ومدير مستشفى حميات إمبابة الأسبق، من تزايد الأثر الصحي لموجات الحر، موضحًا أن أقسام الطوارئ فى المستشفيات بدأت تشهد ارتفاعًا كبيرًا فى حالات الإصابة بـ«ضربات الشمس» و«الإجهاد الحرارى»، خاصة بين الفئات الأكثر هشاشة صحيًا، ما يجعلنا أمام حالة طوارئ صحية موسمية، لكنها للأسف تتكرر وتشتد. حيث نلاحظ ارتفاعًا في الحالات الواردة إلى المستشفيات، التى تبدأ أعراضها غالبًا بالدوخة والدوار والصداع وضعف التركيز، وقد تتطور إلى فقدان الوعى أو هبوط فى الضغط وارتفاع شديد في درجة حرارة الجسم.

ويُفرِّق الدكتور عنتر بين ضربات الشمس والإجهاد الحرارى: ضربة الشمس تحدث غالبًا نتيجة التعرض المباشر لأشعة الشمس القوية، وغالبًا ما يصاحبها خلل فى تنظيم حرارة الجسم، وقد تكون قاتلة إذا لم تُعالج سريعًا. أما الإجهاد الحرارى فقد يحدث حتى فى أماكن مغلقة ذات تهوية سيئة، ويسبب اضطرابات فى الوظائف الحيوية، خاصة لدى مرضى القلب والسكر والكلى.
ويشدد على أن التأثير الصحى لموجات الحر لا يقع بالتساوى على الجميع، بل هناك فئات أكثر عرضة للمضاعفات، وعلى رأسهم كبار السن الذين تتراجع لديهم كفاءة الجسم فى تنظيم الحرارة والتعرق، والأطفال لصغر حجم أجسامهم وحساسيتهم الشديدة للتغيرات المناخية، إضافة إلى النساء الحوامل نظرًا للتغيرات الهرمونية والدورانية فى أجسامهن، وكذلك المرضى المصابون بأمراض مزمنة مثل القلب والسكرى وارتفاع ضغط الدم وأمراض الكلى والصدر، وهى فئات تمثل نسبة كبيرة من المجتمع المصرى.

◄ الوعي والوقاية

ويرى أن الحماية من هذه المخاطر لا تتطلب تجهيزات معقدة بقدر ما تعتمد على الوعى والوقاية، موصيًا بضرورة تجنّب الخروج فى أوقات الذروة، خاصة وقت الظهيرة، والحرص على ارتداء ملابس قطنية فاتحة اللون، مع استخدام المظلات والنظارات الشمسية لتقليل التعرض المباشر لأشعة الشمس، بالإضافة إلى شرب كميات كافية من المياه على مدار اليوم، وتفادى المجهود البدنى الكبير خلال ساعات النهار. كما يؤكد على أهمية التواجد فى أماكن جيدة التهوية، محذرًا من الاعتماد على المراوح فقط فى درجات حرارة مرتفعة للغاية، مشيرًا إلى أن بعض حالات ضربات الشمس لا تصل إلى المستشفى فى الوقت المناسب، ما يجعل الوقاية ضرورة لا بديل عنها.