من الجامعة العربية إلى رباعية الاستقرار وصناعة الوعى

السيسى يعيد ترتيب أوراق المنطقة

الرئيس عبدالفتاح السيسى خلال استقباله وزراء خارجية المجموعة الرباعية
الرئيس عبدالفتاح السيسى خلال استقباله وزراء خارجية المجموعة الرباعية


واصل الرئيس عبدالفتاح السيسى تحركاته لتعزيز مكانة مصر الإقليمية وترسيخ دورها كقوة داعمة للاستقرار فى المنطقة، فبين دعم مصر لترشيح السفير نبيل فهمى أمينًا عامًا لجامعة الدول العربية، وتقدير جهود أحمد أبوالغيط فى قيادة الأمانة العامة، واستضافة القاهرة لاجتماع المجموعة الرباعية التى تضم مصر والسعودية وباكستان وتركيا، وصولًا إلى تكريم جيل جديد من أئمة وزارة الأوقاف المؤهلين علميًا ووطنيًا، رسمت تحركات الرئيس ملامح رؤية مصرية متكاملة تقوم على حماية الأمن القومى العربى، وتعزيز الحلول السلمية، والاستثمار فى الوعى وبناء الشخصية الوطنية.

تكشف هذه اللقاءات المُتزامنة أن القاهرة لا تتحرك فقط لإدارة أزمات اللحظة الراهنة، وإنما تعمل على بناء أطر تعاون أكثر فاعلية، تعيد تنشيط المؤسسات العربية وتمنحها قدرة أكبر على التعامل مع التحولات المتسارعة إقليميًا ودوليًا.

وأكد الرئيس السيسى دعم مصر الكامل لترشيح السفير نبيل فهمى لمنصب أمين عام جامعة الدول العربية، مُشددًا على ما تشهده المنطقة فى المرحلة الراهنة من تحديات غير مسبوقة تستوجب تعزيز منظومة العمل العربى المُشترك، وتفعيل دور جامعة الدول العربية باعتبارها المظلة الأساسية والإطار الجامع للدفاع عن مصالح الدول والشعوب العربية، وذلك خلال استقباله السفير نبيل فهمى، مشدداً على الرؤية المصرية الحريصة على الاضطلاع بأدوار بنّاءة تُعزز الحلول السلمية لأزمات المنطقة، لافتًا لتزايد بؤر الصراع وتصاعد انتهاكات القانون الدولى، وهو ما يفرض تبعات جسيمة على الأمن القومى العربى بمفهومه الشامل، ويُضاعف من مسئوليات جامعة الدول العربية، خاصة فيما يتصل بضرورة تطوير أدواتها للتعامل مع التحولات الإقليمية وصياغة مواقف عربية جماعية أكثر فاعلية وشمولًا.

وفى الإطار ذاته، استقبل الرئيس السيسى أحمد أبوالغيط أمين عام جامعة الدول العربية بمناسبة قرب انتهاء ولايته كأمين عام للجامعة، حيث أعرب عن تقديره البالغ للدور الذى اضطلع به خلال فترة توليه المنصب، وما بذله من جهود حثيثة لتعزيز منظومة العمل العربى المُشترك وتطوير آليات الأمانة العامة، مؤكدًا حرص مصر على مواصلة دعمها الراسخ لدور الجامعة باعتبارها المظلة الأساسية للدفاع عن مصالح الدول العربية وتعزيز التعاون بينها، تحقيقًا لتطلعات الشعوب العربية نحو الازدهار والرخاء.

الأمن العربى

ووفقـــًا للسـفـير محمــــد الشـــناوى المُتحـــدث الرسمى باسم رئاسة الجمهورية، تناول اللقاء عددًا من التحديات الراهنة التى تواجه منظومة الأمن العربى، التى تستوجب تعزيز التعاون والتنسيق والتكاتف من أجل بناء مُستقبل أفضل لأبناء الأمة العربية وتجاوز المرحلة الدقيقة الحالية.

اللقاءان يعكسان إدراكًا مصريًا عميقًا لطبيعة المرحلة الراهنة التى تمر بها المنطقة، فى ظل تصاعد الأزمات الإقليمية وتعدد بؤر التوتر والصراع، ووفقًا للدكتور حسن سلامة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، فإن توقيت اللقاءين يحمل دلالات مهمة، خاصة فى ظل الحاجة لإعادة تنشيط منظومة العمل العربى المُشترك، وتطوير أداء جامعة الدول العربية بما يتناسب مع حجم التحديات التى تواجه الأمن القومى العربى، مُشيرًا إلى أن مصر تنظر للجامعة باعتبارها الإطار المؤسسى الأهم الذى يجمع الدول العربية ويُمثل صوتها فى المحافل الدولية.

وأوضح سلامة أن دعم مصر لترشيح السفير نبيل فهمى يعكس حرص القاهرة على ضمان انتقال مؤسسى هادئ واستمرار البناء على ما تحقق خلال فترة تولى أحمد أبوالغيط، لافتًا إلى أن اختيار شخصية ذات خبرة دبلوماسية كبيرة مثل نبيل فهمى يفتح الباب أمام تعزيز الدور السياسى والاستراتيجى للجامعة، مُشيرًا إلى أن الإشادة بدور أبوالغيط خلال اللقاء تؤكد تقدير مصر للجهود التى بذلها فى إدارة ملفات عربية شديدة التعقيد، والعمل على الحفاظ على حضور الجامعة العربية رغم الظروف الإقليمية الصعبة، معتبرًا أن المرحلة المقبلة تتطلب استكمال هذا الدور مع تطوير أدوات وآليات العمل، مؤكدًا أن الرسائل التى خرجت من اللقاءين تؤكد أن القاهرة تتحرك من منطلق مسئولية تاريخية تجاه محيطها العربى، وتسعى لتعزيز التنسيق بين الدول العربية للوصول لمواقف أكثر تأثيرًا تجاه القضايا المصيرية، خاصة ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، والأزمات الإقليمية، والتحديات الاقتصادية والتنموية.

المجموعة الرباعية

ومن جهة أخرى رحّب الرئيس السيسى بانعقاد الاجتماع الرابع لوزراء خارجية المجموعة الرباعية التى تضم مصر والسعودية وباكستان وتركيا، الذى استضافته القاهرة، مؤكدًا أن التطورات الإقليمية الأخيرة أبرزت محورية هذه الدول كركائز أساسية للاستقرار والأمن الإقليميين، بما يُعزز أهمية استمرار هذه الآلية التشاورية وتطويرها لتصبح إطارًا مؤسسيًا فاعلًا قادرًا على صياغة حلول شاملة ومُستدامة لأزمات المنطقة.

وخلال استقباله محمد إسحاق دار نائب رئيس الوزراء وزير خارجــية باكستان والأمـــير فيصل بن فرحان بن عبدالله آل سعود وزير خارجية السعودية وهـاكان فــيدان وزيـــر خارجية تركيا بحضور الدكتور بدر عبدالعاطى وزير الخارجية ثمّن الرئيس التنسيق المُكثف الذى جرى بين الدول الأربع خلال الفترة الماضية، مؤكدًا حرص مصر على مواصلة العمل مع السعودية وباكستان وتركيا وكافة الدول العربية والإقليمية لدعم تنفيذ مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية وإنجاح المسار التفاوضى بين الجانبين، فضلًا عن التوصل لحل عادل وشامل للقضية الفلسطينية باعتبارها شرطًا أساسيًا لتحقيق الاستقرار الشامل بالمنطقة.

وتناول الاجتماع التطورات الأخيرة فى مسار الأزمة الإيرانية، حيث جدد الرئيس ترحيب مصر بمذكرة التفاهم التى تم التوصل إليها بين الجانبين الأمريكى والإيرانى، مُشيدًا بالدور الفاعل الذى اضطلعت به باكستان فى تقريب المواقف وجسر الفجوات بين الطرفين، وشدد الرئيس على ضرورة استمرار العمل المُشترك لتنفيذ مذكرة التفاهم واستكمال المفاوضات بين الجانبين وصولًا لاتفاق نهائى شامل ومُستدام، مؤكدًا أن الاتفاق النهائى يجب أن يضمن أمن دول مجلس التعاون الخليجى وكافة الدول العربية، ويراعى شواغلها، ولاسيما احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، والالتزام بمبادئ حسن الجوار، وضمان حرية الملاحة، والتمسك بتسوية النزاعات بالطرق السلمية.

استقبال الرئيس لوزراء الخارجية الأربع يأتى فى توقيت شديد الأهمية تشهده المنطقة فى ظل تصاعد التحديات والأزمات الإقليمية، حسبما يُشير الدكتور السعيد غنيم النائب الأول لرئيـس حـــزب المؤتمـر رئيس الهيئـة البرلمانية للحزب بمجلس الشيوخ الذى يُشدد على أن هذه اللقاءات تؤكد حجم الثقة الدولية والإقليمية فى الدور المصرى، منوهًا بأن اللقاء يعكس ثقل مصر الإقليمى ودورها المحورى.

وأكد غنيم أن مصر نجحت خلال السنوات الأخيرة فى تبنى سياسة خارجية مُتوازنة تقوم على الحفاظ على المصالح الوطنية المصرية، مع تعزيز الشراكات الاستراتيجية والانفتاح على مختلف القوى الإقليمية والدولية، وهو ما أسهم فى استعادة مصر لمكانتها الطبيعية باعتبارها ركيزة أساسية للاستقرار فى الشرق الأوسط، مُشيرًا إلى أن القاهرة تحولت لمنصة رئيسية للحوار والتنسيق السياسى بشأن مُختلف القضايا الإقليمية، مؤكدًا أن الدولة المصرية تتعامل بمنهج ثابت يقوم على دعم الأمن والاستقرار ورفض محاولات تأجيج الصراعات، بما عزز من قدرتها على لعب أدوار مؤثرة فى ملفات متعددة، مُضيفًا أن انعقاد الاجتماع الرابع للمجموعة الرباعية بالقاهرة يحمل رسائل سياسية مُهمة تؤكد أن مصر تمتلك رؤية واضحة لإدارة الأزمات الإقليمية وتسعى دائمًا للدفع نحو حلول سياسية شاملة تحفظ أمن واستقرار شعوب المنطقة.

تخرج الأئمة

وشهد الرئيس حفل تخرج الدورة الثالثة لأئمة وزارة الأوقاف، دفعة االإمام حسن العطارب، من الأكاديمية العسكرية المصرية، بحضور الدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء، والفريق أشرف سالم زاهر القائد العام للقوات المُسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربى، والفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة، والدكتور أسامة الأزهرى وزير الأوقاف، وعدد من الوزراء، ووجه الرئيس بدراسة مواصلة تأهيل الأئمة بدراسات عليا، بما فى ذلك دراسة إمكانية إيفادهم فى بعثات تعليمية بالخارج.

المُستشـــار حســـين أبـوالعطـــا عضــو مجلــس الشيوخ، رئيس حزب "المصريين" ثمّن حضور الرئيس حفل تخرج أئمة وزارة الأوقاف، مؤكدًا أن الدولة المصرية الحديثة تبنى قوتها الشاملة بالتوازى؛ فبينما تحمى الحدود بقوة السلاح، تحصن العقول بوعى مُستنير، وحضور الرئيس للحفل من عرين العسكرية المصرية هو رسالة حاسمة بأن الأمن القومى الفكرى لا يقل أهمية عن الأمن العسكرى الميدانى، مُضيفًا أن تشريف الرئيس للحفل يُمثل نقلة نوعية وتاريخية فى مسار تجديد الخطاب الدينى وبناء الشخصية الوطنية السوية، موضحًا أن تأهيل دعاة وزارة الأوقاف داخل الأكاديمية العسكرية المصرية يعكس رؤية القيادة السياسية الثاقبة فى إعداد جيل جديد من الدعاة الاستراتيجيين المؤهلين علميًا وبدنيًا ووطنيًا، مُشيرًا إلى أن هذا التلاحم الفريد بين انضباط المؤسسة العسكرية ووسطية المؤسسة الدينية يُمثل حائط الصد الأول والمنيع لمواجهة الأفكار الهدامة ومحاولات غسيل العقول وتزييف الوعى.

أبوالعطا ثمّن أيضًا توجيهات الرئيس الفورية بدعم المتفوقين وإيفادهم للخارج، مؤكدًا أن هذا القرار يُعد استثمارًا مُباشرًا فى القوة الناعمة المصرية، ويُعيد لمصر ريادتها الدينية والفكرية على الساحة الدولية بتقديم دُعاة يمتلكون أدوات العصر الحديث واللغات الأجنبية والوعى السياسى المُستنير، مُشيدًا بالجهود المُشتركة بين وزارة الأوقاف والقوات المسلحة، لترجمة التكليفات الرئاسية لواقع ملموس يُسهم فى تقديم خطاب دينى مُعتدل ينشر قيم التسامح والمواطنة، ويتصدى بحسم للمفاهيم المغلوطة، لافتًا إلى أن قسم التخرج الذى أداه الأئمة من قلب العاصمة الإدارية الجديدة هو قسم على حماية أمن مصر الفكرى والمُجتمعى، وستظل هذه الدفعات بمثابة سفراء للوعى والبناء فى كل نجع وكفر على أرض مصر، ليتكامل دور المسجد مع دور المعركة فى صون مقدرات هذا الوطن العظيم.

اقرأ  أيضا: الرئيس يفتتح «قاعة الصفوة» بمقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية