نوال سيد عبدالله
«جئتكم حاملاً غصن الزيتون فى يد، وبندقية الثائر فى اليد الأخرى... فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي. … بهذه الكلمات الشهيرة وقف الرئيس الفلسطينى الراحل ياسر عرفات عام 1974 أمام الأمم المتحدة، واضعًا اللبنة الأولى لفكرة التسوية التاريخية والصعبة التى عرفت لاحقًا باسم «حل الدولتين» دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، تعيشان فى سلام وأمن متبادل، لكن بعد نصف قرن تقريبًا، يبدو أن هذا الحل، الذى تحول إلى شعار دبلوماسى أكثر منه مشروع سياسى فعلي، بات اليوم ولأول مرة مطلبًا أمنيًا إسرائيليًا.
ففى سابقة لافتة، خرج أحد كبار رجال الأمن الإسرائيليين، القائد السابق لسلاح البحرية ورئيس جهاز الشاباك الأسبق أمى أيالون، بتحذير صريح فى مقال نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية، قال فيه إن إسرائيل تخوض حربًا لا يمكن الانتصار فيها، معتبرًا أن الخروج من المأزق الكارثى فى غزة لا يكون إلا بالشروع الفعلى فى تسوية سياسية تنتهى بقيام دولة فلسطينية مستقلة.
اقرأ أيضًا | الأقصى فى خطر.. خطوات متسارعة لتغيير هوية الحرم القدسى
ولم يكتب أيالون، الذى يعرف دهاليز الأمن الإسرائيلى جيدًا، بلغة الدبلوماسية، بل بلغة الواقعية القاسية: استمرار القتال فى غزة بلا هدف سياسى واضح، يهدد بانهيار المشروع الصهيونى نفسه، ويغذى ما وصفه بـ»قوة حماس المستمدة من غياب الأمل».
وفى مقاله التحليلي، وصف أيالون الحرب المستمرة منذ 7 أكتوبر 2023 بأنها أصبحت «غير عادلة، وغير أخلاقية، وعقيمة»، بعد أن تلاشت المبررات الأخلاقية والعسكرية التى استخدمتها الحكومة الإسرائيلية فى بداية العملية، مضيفًا أن العالم بات ينظر إليها كـ»مسئولية إسرائيلية مباشرة».
انتقد أيالون بشدة «الغياب الكامل لأى أهداف سياسية للحرب»، مشيرًا إلى أن مرور أكثر من 22 شهرًا على اندلاعها دون رؤية واضحة زاد من تعقيد الوضع الإقليمى وأطال أمد المأساة الإنسانية، وحذر من أن استمرار القتال دون هدف واضح يحول الصراع إلى دوامة مفتوحة من العنف، لا يمكن حسمها عسكريًا، ولا يتوقع أن تحقق أمنًا لإسرائيل أو سلامًا للمنطقة.
فى سياق متصل، أشار أيالون إلى المبادرات الدولية المتزايدة الداعية لإنهاء الحرب، أبرزها خطة فرنسية - سعودية تم تقديمها فى مجلس الأمن، تدعو للاعتراف بدولة فلسطينية على حدود عام 1967، كما أبدت دول مثل فرنسا وكندا وبريطانيا استعدادها للاعتراف الأحادى بالدولة الفلسطينية فى سبتمبر المقبل إذا لم توقف الحرب ويبدأ مسار سياسى جديد.
وأكد الخبير الأمنى أن كلًا من إسرائيل والولايات المتحدة ارتكبتا خطأ استراتيجيًا بتجاهل تداعيات الربيع العربى وتغير المزاج الشعبى فى المنطقة، وشدد على أن القضية الفلسطينية لا تزال تشكل المحور الأساسى للتعبئة السياسية فى العالم العربي، ما يجعل تجاهلها سببًا مباشرًا لتصاعد التوترات.
ووصف أيالون عملية طوفان الأقصى التى أطلقتها حماس فى أكتوبر 2023 بأنها كانت ردًا سياسيًا واضحًا على سياسات «إدارة الصراع» التى انتهجها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ورفضًا لأوهام «السلام الاقتصادي» والتطبيع مع الدول العربية دون التطرق إلى الحقوق الوطنية الفلسطينية.
وبحسب أيالون، تقف إسرائيل اليوم أمام مفترق طريق خطير؛ فإما الاستمرار فى مسار الحرب والتطرف والعزلة الدولية، مع احتمالية خسارة علاقاتها الاستراتيجية مع دول كمصر والأردن، أو التوجه نحو تسوية إقليمية شاملة تشمل الاعتراف بالدولة الفلسطينية ضمن حل الدولتين، كخطوة لإنقاذ مستقبل إسرائيل السياسى والأمني.
كما اعتبر أن الحل لا يقتصر على إجراءات سياسية، بل يتطلب إعادة صياغة الروايات التاريخية المتناقضة وبناء «سردية نصر مشتركة» بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مشيرًا إلى أن «مبادرة السلام العربية» لعام 2002 يمكن أن تكون إطارًا دوليًا مناسبًا لذلك.
وقدم أيالون خارطة طريق مفصلة تبدأ بوقف فورى لإطلاق النار، يتبعها: إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين، وتشكيل حكومة فلسطينية انتقالية برعاية أمريكية وسعودية، ونشر قوة عربية أو دولية لحفظ الأمن فى غزة، وإعادة إعمار القطاع بقيادة السعودية والإمارات، ونزع سلاح حماس بشكل تدريجى عبر السلطة الفلسطينية، و إجراء انتخابات فلسطينية عامة خلال عام إلى عامين فى الضفة وغزة.
وعلى المدى الطويل، دعا إلى بدء مفاوضات لحل قضايا الوضع النهائي، بما يشمل اللاجئين، الحدود، القدس، والاعتراف المتبادل.
فى سياق موازٍ، طالب أيالون بفتح مسار دبلوماسى دولى مع إيران لاحتواء برنامجها النووي، تشارك فيه قوى كبرى مثل الأمم المتحدة، الصين، الاتحاد الأوروبي، والدول العربية، ويضمن وجود آلية رقابة صارمة على التزامات طهران، بما يخدم أمن المنطقة ويمنع انفجار جبهات إضافية.
واختتم المقال بتذكير بتصريح سابق لمؤسس حركة «حماس»، الشيخ أحمد ياسين، حين قدم تصورًا مقلقًا لمستقبل الصراع، حيث تنبأ بأنه بحلول عام 2027، ستنشأ دولة إسلامية موحدة تمتد من نهر الأردن إلى البحر المتوسط، تحكم بالشريعة الإسلامية. وعندما سئل عن العوامل التى قد تحول دون تحقق هذا السيناريو، أجاب بصراحة لافتة: «الشيء الوحيد الذى أخشاه هو أن يعتقد الفلسطينيون أن اليهود سيسمحون بقيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل.
ويكشف هذا التصريح جوهرًا عميقًا فى استراتيجية حماس: إذ تعتمد قوتها على غياب الأمل، وتزدهر فى ظل انسداد الأفق السياسى وانعدام البدائل الواقعية، ولكن لو أتيحت فرصة حقيقية ومدعومة دوليًا لتحقيق دولة فلسطينية قابلة للحياة، فإن جاذبية حماس ستتآكل تدريجيًا، وستفقد الأرضية التى تستند إليها فى حشد الدعم الشعبي.
وشدد أيالون فى ختام تحليله على أن الحل العسكرى وحده لن يوفر الأمن لإسرائيل، مؤكدًا أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية لم يعد مجرد خيار دبلوماسي، بل ضرورة استراتيجية وجودية، واختتم أيالون مقاله بتأكيده على أن «فقط من خلال تسوية إقليمية مدعومة دوليًا تنهى الصراع وتحقق الاعتراف المتبادل بين إسرائيل وفلسطين، يمكن للشرق الأوسط أن يخرج من دائرة الحرب إلى أفق السلام.
اختبار صعب للهدنة| ضربات أمريكية - إيرانية متبادلة.. وأضرار بمطار الكويت
تصعيد بلا توقف| مايو الأكثر دموية فى غزة منذ بداية العام
ثلاثية حرب لبنان| مفاوضات.. مخطط إسرائيلى للجنوب.. وانزعاج أمريكى من تل أبيب







