فكرتى

الأم التى ربت

صفية مصطفى أمين
صفية مصطفى أمين


فقدت زوجها منذ سنوات، لم ترزق منه بأبناء، كان فقيرًا ولم ترث منه شيئًا، فقررت أن تعمل بائعة فى محل تجارى كبير، كان مرتبها صغيرًا ورضيت به، كانت جادة فى عملها وحريصة على ارضاء رؤسائها، لم يتقدم أحد للزواج منها لأنها كانت متوسطة الجمال ومحدودة الدخل، لم يكن لديها ما يجذب رجال الحى، رغم أنها كانت تتحلى بالاستقامة والأخلاق الفاضلة، كان بعض شباب الحى يسخرون منها، وهى تسير بخطوات عسكرية لا تلتفت يمينًا أو يسارًا.

وذات صباح فتحت باب شقتها، ووجدت مولودة ملفوفة فى بشكير أنيق، ملقاة على الأرض، كان يومًا شديد البرودة وكانت الصغيرة ترتعش، التفتت السيدة يمينًا ويسارًا لكنها لم تجد أحدًا، حملتها ودثرتها بغطاء ثقيل وقررت أن تسلمها لأقرب قسم شرطة.

ما كادت تقترب من باب القسم حتى بدأت الصغيرة تبكى وتصرخ بلا انقطاع، شعرت السيدة أن المولودة تقول لها: لا تسلمينى إلى القسم، ابقينى معك!
استدارت السيدة وعادت بالصغيرة إلى شقتها المتواضعة، احتارت ماذا تقول للجيران، فادعت أن المولودة ابنة أخيها، وأن أمها ماتت أثناء الولادة.. استطاعت السيدة استخراج شهادة ميلاد للمولودة ووضعت اسمها أمام اسم الوالدة واسم زوجها المتوفى أمام اسم الاب! كافحت لتربى الطفلة البريئة، واستطاعت أن تدخلها حضانة ثم مدرسة ابتدائى، ثم مدرسة ثانوية.

بعد أن بلغت الصغيرة السادسة عشرة من عمرها سمعت السيدة دقًا على الباب، وفتحت إذا بسيدة جميلة شديدة الأناقة تقول لها أنا التى وضعت المولودة أمام بابك، وجئت استردها، فصرخت الأرملة: بعد ستة عشرة تذكرين ابنتك ؟ إنها ليسك ابنتك انتِ إنها ابنتى ! 

قالت السيدة الأنيقة انها مستعدة أن تدفع لها مائة الف جنيه لتسترد ابنتها، وقالت الأرملة: ولا مائة مليون! أى مبلغ لا يمكن أن يعوضنى عن هذه الفتاة، لقد اعطيتها 15 عامًا من عمرى. شقيت وتعبت لأوفر لها حياة كريمة. أصبحت الفتاة قطعة من قلبي! أما أنتِ فبخلت أن تغطيها بغطاء ثقيل فى ليلة شتاء قارس، وتركتها تنتفض أمام بابى. أين كنت طوال هذه السنين؟ قالت السيدة الانيقة: كانت الظروف لا تسمح  بأن اعترف بهذه البنت، ولكن الظروف تغيرت ومات زوجى. أصبحت أملك أموالًا كثيرة وشقة فاخرة فى الاسكندرية، وسوف تعيش معى ابنتى عيشة البذخ والرفاهية، بينما تعيش معك على الكفاف!

أقبلت «آية» على الصراخ، وعندما عرفت السبب، اختارت أن تعيش مع الأم التى  عطفت عليها فى الحرمان، على أن تعيش فى الرخاء مع الأم التى ألقتها فى الطريق!

الأم هى التى ربت!