كان حراس البوبات بشرا يمنعون بعض الأخبار والآراء .. أما حراس العصر الرقمى فهم خوارزميات وتطبيقات ذكاء اصطناعى تحجب المعلومات وتتلاعب بالعقول والعواطف وتتجسس على الجمهور
يستخدم مفهوم حارس البوابة على نطاق واسع فى علوم الإعلام والسياسة والاجتماع لوصف ظاهرة منع الأخبار والآراء والمعلومات أو فلترتها أو تعديلها ، بحيث لا تصل إلى الجمهور بشكل دقيق ، أو لا تصل مطلقا ، مما يؤثر بشكل سلبى على حق الناس فى المعرفة ، ويسمح بالتلاعب بالرأى العام وتزييفه. لكن أحيانا قد يكون المنع أو اسلوب العرض مفيدا للمجتمع .
ويمارس حراس البوابات (Gatekeepers)عملهم فى السر وغالبا فى العلن تحت مسميات ومهن مرموقة ومعترف بهم، ويبررون ذلك بأنهم يطبقون المعايير المهنية، أو الأخلاقية حفاظا على الأخلاق العامة وقيم المجتمع وغير ذلك من المبررات، التى تسمح لهم بحجب المعلومات والآراء، او كتابتها وعرضها بطريقة متحيزة ، وتحديد أولويات النشر وشكله. ومن أشهر حراس البوابات بعض الصحفيين، ومعدو البرامج والمذيعون ومديرو المواقع وبعض السياسيين، أما الحراس الجدد فهم ليسوا من البشر، أنها الخوارزميات التى تتحكم فى عرض نتائج البحث، أو ظهور أى منشور أو خبر للجمهور، إضافة الى تطبيقات الذكاء الاصطناعى المختلفة، لذلك فإن رقابتها أدق، وتدخلاتها أسرع، وأكثر عمقا وتأثيرا، وتطال حياة كل مواطن يستخدم شبكة الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعى. وتقوم هذه التطبيقات باتخاذ قرارات نيابة عن المستخدمين، وتعرض أو تحجب معلومات معينة بحسب مصالح شركات «المنصات الكبرى» Big Tech مثل جوجال وفيسبوك وانستجرام وابل وامازون وما يكروسفت وتيك توك.
وكانت المفوضية الأوروبية قد اعتبرت هذه الشركات العملاقة «حراس بوابات السوق الرقمية» المعاصرة، فى هذا السياق ظهرت نظرية بوابة الشبكة (Network Gatekeeping Theory) لبارزيلاي- ناهون التى تؤكد فيها أن القوة فى الشبكات ليست بين أيدى فاعل واحد، بل هى نظام ديناميكى يتفاعل فيه التقنى والاجتماعى والسياسي، حيث تجرى عملية التحكم فى المعلومات أثناء مرورها عبر البوابات من خلال الاختيار، والإضافة، والحجب، والعرض، والتوجيه، والتشكيل، والتلاعب، والتكرار، والتوقيت، والدمج، والتجاهل، وحذف المعلومات.
ويخشى بعض الباحثين من أن محتوى وسائل التواصل الاجتماعى الحديثة أصبح مُراقبا بشكل متزايد، فالخورازميات تعمل بطريقة غامضة تعكس مصالح من يملكها ويشغلها ، وتسمح عادة بتمرير أفكار وأجندات معينة. كما تفضل التطبيقات الذكية عرض المحتوى الذى يولّد تفاعلًا سريعًا مثل الحوادث والفضائح، ولاتهتم بالمحتوى العقلانى أو النقدي، مما يعزز من ثقافة التفاهة ، ويعمق الانقسامات الثقافية أو السياسية، ويقلل من حرية التعبير التعدد والتنوع فى الآراء ويروج أحيانا لنظرية المؤامرة.
لكن الأخطر من وجهة نظرى أن حراس البوابة الجدد لا يتحكمون فى المعلومات التى تصل للجمهور، وانما يتجسسون عليه!! فجمهور وسائل التواصل والهاتف الذكى مراقبون طوال الوقت، وفى كل مكان يذهبون إليه. وظهرت نظرية باسم مراقبة وسائل التواصل الاجتماعى للجمهور، وتشير إلى استخدام المنصات الرقمية لجمع وتحليل البيانات المتعلقة بتفاعلات المستخدمين، مثل الإعجابات، المشاركات، والتعليقات.
وتُستخدم كل هذه البيانات - بما فيها الصور والرموز - لأغراض متعددة، منها التسويق، والتنبؤ بالسلوك، أو حتى الرقابة السياسية، والتعرف على الحالة النفسية لكل مستخدم . كما ظهرت» نظرية رأسمالية المراقبة» والتى تنطلق من فكرة اساسية هى أن شركات التكنولوجية العملاقة تستغل البيانات الشخصية لتحقيق أرباح، من خلال بيعها، أو القيام بتحليلها لمعرفة سلوك المستخدمين الشرائى والسياسى، وتوجيه الإعلانات والمحتوى بما يخدم مصالح من يدفع أكثر.
هل يعنى ذلك الاستسلام لحراس البوابات الجدد؟ الإجابة لا بكل تأكيد، فالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعى يقدمان حلولا لكسر هيمنة عمالقة وسائل التواصل الاجتماعى، كما أن تجربة الاتحاد الاوربى وما اصدره من قوانين وانظمة تجبر تلك الشركات على احترام خصوصية البيانات لمواطنى الاتحاد الاوروبى، وعلى تنويع برامج التشغيل واتاحة بعضها بالمجان.. كل ذلك قد يساعدنا فى مصر ودول الجنوب على رفض رأسمالة المراقبة، لكن علينا أن نبدأ..
على المواطن أولا: ان يمحو أميته الرقمية ويتعلم آليات عمل الخوارزميات، واستيعاب مفاهيم أساسية مثل فلاتر التصفية، والتوصيات، والبرامج مفتوحة المصدر، وأن يتعلم كيف يغلق كثيرا من الاختيارات التى تعرض عليه وسائل التواصل الاجتماعى، لأن بعضها فيه سم قاتل!! وتنهاك لخصوصيته على مدار الساعة. وفى هذا الإطار لابد من تنويع محركات البحث واستخدام بدائل متاحه، وعدم الاعتماد على منصة واحدة، واستخدام تطبيقات ذكاء صناعى مجانية أو غير ساعية للربح.
وعلى الحكومات ثانيا: تحديث القوانين الخاصة بحماية خصوصية البيانات، والزام عمالقة التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعى على تنويع برامج التشغيل، واتاحة بعضها للمستخدمين، والكشف عن طريقة عمل الخوارزميات وتطبيقات الذكاء الاصطناعى، وغيرها.

استعادة «سلوى حجازى»
عفوًا أيها الشياطين التاريخ لا يزال مصريًا !!
الشريط الإخبارى





