> د. محمد سليم شوشة
فى روايته الأولى «وجوه من برّ مصر»، الصادرة عن دار إشراقة بالقاهرة 2025، يقدم الروائى المصرى بلال مؤمن تجربة سردية غنية بالقيم الجمالية والدلالية ويكشف عن قدرات سردية كبيرة وواعدة، وتكشف عن منطق جاد فى التعامل مع حرفة الرواية فيعتنى بلال مؤمن فى هذه الرواية بالنماذج الإنسانية التى يجيد رسم ملامحها وبنائها داخليا أو يشكل صورتها الإجمالية وفق سرد يعمد إلى قراءة الإنسان ورصد ملامحه الأعمق، ويركز على التحولات الاجتماعية والدينية والسياسية التى خطّت قسمات وملامح هذه الوجوه، فكأنه يتعامل مع السرد بوصفه حالات من الرسم التفسيرى أو القرائى أو التعبيرى الذى يغوص نحو ما خلف الملامح الظاهرة ويختبئ وراءها والتعبيرية هى المدرسة التى نشأت فى الرسم والأدب فى ألمانيا وكان من أبرز فنانيها فان جوخ وكاندينسكى، وفى المسرح كان إبسن أبرز روادها.
وهذه التعبيرية فى السرد الروائى لا تتنافى على الإطلاق مع المكونات الجمالية، ولا تعنى الاقتصار على تشكيل رسالة أو توليد دلالة ومعنى عبر بنية الحكاية، بل لها مقوماتها الجمالية البارزة والمهمة، وتنشغل التعبيرية بالرسائل والقضايا والأسئلة المهمة والمركزية والسرديات الكبرى، ولكنها تنشغل كذلك بأن يكون هناك تصرف فنى أو اختلاف على مستوى البنية والشكل، والطرح الجمالى، فلهذا النمط نواتجه الجمالية المهمة مثل تحريك فكر المتلقى أو استنفار قدراته الذهنية فى التعامل مع الأسئلة أو تحفيز العقل نحو طرح إجابات أو تصورات للماضى والتاريخ أو للتجارب الإنسانية بشكل عام.
تنشغل رواية وجوه من هذا البر بتحولات عقدى السبعينيات والثمانينيات، وهى الفترة التى ربما يكون قد كتب عنها كثير من الأعمال السردية، لكنها للحقيقة مازالت تحتاج للكثير جدا من الأعمال المهمة والمتعمقة فى ظواهر المجتمع وتحولاته وما طرأ على نماذج الإنسانية من مغايرات عميقة على المستويين الفكرى والسلوكى.
قد تكون بعض الروايات الأخرى قد ركزت على رصد مظاهر الانفتاح الاقتصادى وتفتت الاشتراكية الناشئة وسقوطها التدريجى، لكن بلال مؤمن يغوص فى طبقات المجتمع المصرى عبر زوايا رصد مختلفة تركز على مجتمع القرية بصورة أكبر من صورة المدينة فإذا كان النموذج الاشتراكى المنهار أو المتهاوى الذى ركزت عليه روايات حقبة ما بعد النكسة وما بعد الانفتاح الاقتصادى مرتبطا بالمدينة أو بالأحياء الشعبية، فإن النموذج الإنسانى الذى ركز عليه بلال مؤمن فى روايته هو نموذج الريفى الهارب إلى المدينة فى الحقبة نفسها، ساعيا وراء أضواء المدينة ومصادر الانبهار فيها بعد فترة صعبة من الحرب والمعاناة. وهذا النموذج القروى المتذبذب ويمثله فى الرواية أكثر من شخصية لكن أبرزها هو شخصية حسن، هو نمط يمضى فى حركة عكسية، وبدلا من التشبث بالأرض والقرية بعد فترة من الحرب، يندفع وراء حالة من الزيف والتطرف الدينى ويعيش الحياة كما لو كان غازيا لمجتمع المدينة الذى يراه بعيدا عن الدين والطريف أن بلال مؤمن فى هذه الرواية يبدو كما لو أنه يؤرخ بشكل حقيقى لبعض المناطق التى غزاها المتطرفون القرويون فى أواخر حقبة السادات وبعض فترات حكم الرئيس مبارك، ويطرح ما يشبه الخارطة الجغرافية لهذا التطرف فى مناطق حلوان وضواحيها والزيتون وعزبة النخل وبعض الأطراف، وهى مناطق شهدت بالفعل تركزا لنشاط المتطرفين، الذين ارتدوا عنها بعد ذلك إلى الأرياف ليكون غزوهم فى حقبة لاحقة للقرى مرة أخرى والحقيقة أن هذا الرصد التاريخى قد يبدو دقيقا إلى حد بعيد، ويبين أن بعض المعالجات لهذه الظواهر لم تكن إيجابية ولم تكن شاملة، بقدر ما اتجهت إلى التأجيل أو إبعاد المتطرفين عن المركز فى القاهرة، وهو ما دفعت مصر ثمنه لاحقا عبر تنامى هذه التيارات، حتى تنبهت بعد 30 يونيو لحتمية المعالجة الشاملة لقضايا التطرف عبر ما طرح حول تجديد الخطاب الدينى الذى مازال متعثرا أو لا يؤتى ثماره المطلوبة لبعض القصور الفكرى لدى القائمين عليه والمناط بهم تفعيله سواء من أفراد أو مؤسسات.
هذا هو الجانب الإيجابى الأول فى سرد هذه الرواية الثرية ذات الطابع التعبيرى الباحث وراء الظواهر التاريخية بعمق وبدرجة عالية من البصيرة والاستنباط الذى يأخذ مسارات فنية تترجمها بنية الحكاية والوحدات التمثيلية والنماذج الإنسانية التى شكلها ورسم ملامحها وهى الحقيقة كثيرة ومنها ما هو أساسى ومنها ما هو فرعى، والحقيقة أنه لا يجسد المجتمع كله بصورة المتطرف بل يبدو هذا الاتجاه ناميا على الهامش مثل الحشائش الضارة، فى مقابل تيارات مصرية أصيلة ومحبة للحياة ويمكن وصفها بالوسطية والوعى والاستنارة.
من جماليات هذه الرواية كذلك أنها تصور حالات شعورية كثيفة وتجعل المتلقى منحازا لهذه النماذج الإنسانية ومتفاعلا معها أو منفعلا شعوريا وعاطفيا بها كما لو كان يشاركها الحياة بالفعل، وهذا الحضور القوى لهذه النماذج الإنسانية يأتى نتاج الاعتناء بالملامح الداخلية والغوص فى أعماق الشخصية وتصوير مشاعرها وتجاوز البنية السطحية للحدث الدرامى إلى حالات من التنقيب النفسى، حالات من الحرمان، سواء من القوة أو المجد أو حالات من الحرمان المالى والاقتصادى أو الجنسى التى دفعت هذه النماذج لأن تعوض نقصها وقصورها عبر التطرف أو المظاهر الدينية الزائفة والمغالاة فى إبراز هذه الجوانب ومحاولة استمداد الشرف والسلطة منها.
ولقد طرح خطاب هذه الرواية نماذج إنسانية عديدة بين النساء والرجال والأطفال، والأجيال المختلفة، لتكون أقرب لتقديم عينات شبه دقيقة من واقع المجتمع المصرى وشرائحه أو أنماطه التى مرت بنا فى عقدى السبعينات والثمانينات والطريف أن المرأة تبدو فى خطاب هذه الرواية أقرب للوسطية وأكثر التزاما وتمسكا بها وكذلك أقرب للتعبير عن الروح المصرية المحبة للحياة، والراغبة فى المعاندة والمشاكسة الناعمة ومقاومة كل أساليب الإجحاف والظلم بسلاسة نادرة، ويبدو هذا بوضوح فى شخصيات شربات وأم منعم، وهما شخصيتان ثريتان تحتاجان إلى دراسة نفسية ورمزية أو سيميائية معمقة، ذلك لأن إحداهما قد تأخذ صورة المرأة المصرية أو نموذج الأنثى التى كانت القوام الأساسى والرئيسى لحركة مناهضة التطرف، وهذا أمر طبيعى جدا وله دلائل وشواهد كثيرة ذلك لأن الرجال بطابعهم قد يميلون إلى التمرد بخلاف المرأة التى تجد قوتها فى استقرار المجتمع وفى قوانينه، وهذا راجع إلى فارق القوة البدنية، وحتى مع وجود نماذج من المرأة قد تبعت حركات المتطرفين، لكن الغالب على المرأة هو السير فى ركاب الدولة المستقرة أو الميل إلى الاستقرار والقوانين والشكل الحضارى، والابتعاد عن المغامرة ولهذا فإن شخصية شربات وبخاصة إذا أخذنا فى الاعتبار دلالة التسمية فى مرحلتها الأولى فى القرية حين كان اسمها أمينة أو فى المرحلة القاهرية حين أخذت اسم شربات، تصبح دالة على نموذج التوسط والوسطية، فقد وقعت بين طرفى النقيض الاشتراكى سليمان عزيز وحسن المتشدد الإسلامى، وبرغم تجربتها معهما بقيت بوسطيتها بشكل فطرى وعفوى تركز على عيش الحياة بدلا من محاكمتها أو مطاردة الشعارات الزائفة، فهى النموذج الذى لم يتلوث فكريا وبرغم أميتها كانت أشبه بالمادة الحافظة التى أبقت على صورة الحياة المصرية كما هى دون تشوهات وقريب منها أو ربما يكون أكثر أصالة منها فى هذا المعنى شخصية أم منعم التى تصبح رمزا شبه أسطورى وتقاوم كل أشكال التزييف والتشوه فى المجتمع، تربى شربات برغم كونها ليست ابنتها وتعلمها وتمنحها الحب وتدربها على التعامل مع قسوة الحياة وبخاصة الرجال دون مقابل، فهى النموذج الذى يمنح بلا مقابل، ويمنح الحب تحديدا الذى هو السلعة الأغلى إن جاز اعتباره سلعة من الأساس فى زمن أو عصر يباع فيه كل شىء.
وتأخذ الرواية استراتيجية سردية قريبة من المشهدية والتشكيل الحكائى البصرى أو القائم على التجسيد والرسم وبناء ملامح حسية ومادية تعتمد على الحركة والفعل، وأحيانا ما يكون هناك نمط من الجدل والحوار السياسى أو الدينى مما يدعم تعدد الأصوات واختلاف وجهات النظر وتصوير المجتمع بكل أنماطه ونماذجه تقريبا، ويتشكل عالم الرواية من فضاء مترامى الأبعاد مكانيا وزمانيا، حيث تتحرك الشخصيات فى حدود مكانية لها دلالتها أو وراءها معان كثيرة، على نحو ما نجد من حركة الهجرة من القرية من المدينة، والحركة العكسية المقابلة؛ حركة العودة من المدينة إلى القرية، وقد عادت هذه الشخصيات بعد تجربة حافلة بالفشل ومثقلة بالخيبة، وكأنها بهذه الصورة تسقط مرتين، وهكذا تبدو بعض شخصيات الرواية كما لو أنها تعيش مغامرة أو رحلة بحث عن الذات بين القرية والمدينة وبين اليسار واليمين وبين التطرف وحب الحياة والإيمان بها، وبين الصوفية والتدين الحقيقى وبين حالات من الزيف والاصطناع والرياء والادعاء.
هكذا صنع «العديسى» مستقبلى
يا من كنت صديقى!
القصيدة فأس صغير يهذب به وجه العالم





