خواطر الشعراوى|تطمين الله لخلقه

الشيخ الشعراوى
الشيخ الشعراوى


يواصل الشيخ الشعراوى خواطرة حول الآية 254 من سورة البقرة قائلاً: «لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ» أتريدون تطمينًا من إله لمألوه، ومن معبود لعابد، ومن خالق لمخلوق أكثر من أنه يقول للعابد المخلوق: «نم أنت ملء جفونك، واسترح؛ لأن ربك لا ينام»، ماذا تريد أكثر من هذا؟ هو سبحانه يعلم أنه خلقك، وأنك تحتاج إلى النوم، وأثناء نومك فهناك أجهزة فى جسمك تعمل، إذا نمت وقف قلبك؟ أإذا نمت انقطع نفسك؟ أإذا نمت وقفت معدتك من حركتها الدودية التى تهضم؟ أإذا نمت توقفت أمعاؤك عن امتصاص المادة الغذائية؟ لا، بل كل شيء فى دولابك يقوم بعمله، فمن الذى يُشرف على هذه العمليات لو كان ربك نائمًا؟.

إذن فأنت تنام وهو لا ينام، وبالله هل هذه عبودية تُذلنا أو تُعزنا؟ إنها عبودية تُعزنا؛ فالذى نعبده يقول: ناموا أنتم؛ لأننى لا تأخذنى سنة ولا نوم. وإياك أن تفهم أنه لا تأخذه سنة ولا نوم، وأن شيئا فى كونه يخرج على مراده، لا؛ لأن كل ما فى السماوات والأرض له، فلا شيء ولا أحد يخرج عن قدرته. ولذلك يقول الحق: «لَّهُ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض».

ويتابع سبحانه بقوله: «مَن ذَا الذى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ» إنّه سبحانه وتعالى يوضح: أنا أعطيتك الراحة فى الدنيا، وحتى الكافر جعلته يتنعم بنعمي، ولم أجعل الأسباب تضن عليه، وأعطيته مادام قد اجتهد فى تلك الأسباب مما يدل على أننى ليس عندى محاباة، قلت للأسباب: يا أسباب من يُحسنك يأخذك ولو كان كافرًا بي، لكنه سيأتى يوم القيامة وليس للكافر إلا العذاب، لأنه ما دام قد عمل فى الدنيا وأحسن عملًا فقد أخذ جزاءه، فإياكم أن تظنوا كما قالوا: «هؤلاء شفعاؤنا عند الله»، وجاء فيهم قول الحق: «وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ الله قُلْ أَتُنَبِّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى السماوات وَلاَ فِى الأرض سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ» «يونس: ١٨» إن هؤلاء الذين افتروا على الله بالشرك به، واتخذوا أصناما باطلة لا تضرهم ولا تنفعهم.

يقولون عن هذه الأصنام: إنها تشفع لهم عند الله فى الآخرة، ويأمر الحق سبحانه رسوله محمدًا  أن يبلغ المشركين: قل لهم يا محمد: هل تخبرون الله بشريك لا يعلم الله له وجودا فى السموات ولا فى الأرض، وهو الخالق لكل ما فى السموات والأرض ومُنزه سبحانه عن أن يكون له شريك فى المُلك.

لقد أرادوا أن يخلوا بقضية التوحيد ويجعلوا لله شركاء ويقولون: إن هؤلاء الشركاء هم الذين سيشفعون لنا عند الله. فيقول الحق سبحانه: إن الشفاعة لا يمكن أن تكون عندى إلا لمن أذنت له أن يشفع. إن الشفاعة ليست حقا لأحد. ولكنها عطاء من الله، لذلك يقول: «مَن ذَا الذى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ».

ويقول الحق: «يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ». ساعة يتعرض العلماء إلى: «مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ» يشرحون لنا أن ما بين اليدين أى ما أمامك، وما خلفك أى ما وراءك، وما بين يدى الإنسان يكون: مواجها لآلة الإدراك الرائدة وهى العين، فهو أمر يُشهد.

والذى فى الخلف يكون غيبًا لا يراه، كأن ما بين اليد يراد به المشهود والذى فى الخلف يراد به الغيب، فهو «يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ» أى يعلم مشهدهم وغيبهم، ويطلق «ما بين اليد» إطلاقا آخر، إننا قد نسأل عمّا بين يديك، هل هو مواجه لك أو غير مواجه؟ فلو كان أمامك بشر، فهل هم قادمون إليك أو راحلون عنك؟

إنهم إن كانوا راحلين عنك فقد سبقوك وقد جئت أنت من بعدهم، ومن وراءك سيأتى من بعدك. أى أن الحق سبحانه يخبرنا أنه يعلم الماضى والمستقبل. فمرة يعلم الحق ما بين أيديهم، أى العالم المشهود ويسمونه «عالم الملك»، وما خلفهم أى الغيب، ويسمونه «عالم الملكوت» ،إنه يعلم المشهود لهم والخفى عنهم. وكما يقول الحق: «وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِى البر والبحر وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِى ظُلُمَاتِ الأرض وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ» «الأنعام: ٥٩».