مصر شعبًا ودولة لا تكتفى بالشعارات، بل تترجم التضامن إلى أفعال ملموسة تترك أثرًا واضحًا فى حياة الناس
فى وقتٍ تحشد فيه الدولة المصرية كل طاقاتها لدعم الشعب الفلسطينى وتتحمل أثمانًا باهظة من أجل الإغاثة والحماية، تتعرض مصر لحملة ممنهجة ومريبة تستهدف التشكيك فى نواياها والنيل من مواقفها والإساءة إلى تضحياتها وهى حملة لا يمكن اعتبارها عفوية، بل تُدار وفق أجندات واضحة تهدف إلى ضرب الدور المصرى التاريخى ومحاولة تقويض التوازن العربى فى لحظة مفصلية من الصراع الفلسطينى الإسرائيلى.
وسط هذه الهجمة التى تستهدف النيل من ثوابت مصر، يتجاهل البعض عمدًا 662 يومًا من العمل الإنسانى المتواصل، منذ اندلاع الأزمة فى غزة فى 7 أكتوبر 2023، حين لم تنتظر القاهرة توافقًا دوليًا أو إقليميًا، بل تحركت فورًا بتكليفات مباشرة من الرئيس عبد الفتاح السيسى لاحتضان الجرحى والمصابين، وفتح المستشفيات، وتجهيز المعابر، والعمل الدؤوب مع كل الأطراف لتيسير المساعدات واحتواء الكارثة الإنسانية بكل ما تحمله من تعقيد وألم.
لم يكن الهجوم الإعلامى على مصر نتيجة انفعال مؤقت أو سوء فهم، بل جاء ضمن خطة ممنهجة تستهدف الدولة التى تقف بقوة إلى جانب الشعب الفلسطينى، وترفض التهجير، وتقاوم أى محاولات للمساس بحقوق الفلسطينيين أو تغيير معالم القضية. وهو ما يفسر الحملة المتعمدة على معبر رفح، رغم أن الجانب المصرى أبقاه مفتوحًا طوال الوقت، فى حين أن الجانب الفلسطينى من المعبر خاضع للسيطرة الإسرائيلية التى دمرت بنيته التحتية وأقامت منطقة عازلة تعيق حركة السكان والمساعدات.
فى ظل هذا الواقع الصعب، كانت الشاحنات المصرية تصطف لعشرات الكيلومترات من العريش إلى المعبر فى انتظار السماح لها بالدخول إلى غزة، ووصل عددها أحيانًا إلى أكثر من 1200 شاحنة محملة بالغذاء والدواء والمستلزمات الضرورية. بعضها ظل لأيام وأسابيع دون عبور، ما أدى إلى تلف كميات كبيرة من المساعدات.
ومع ذلك، لم تتوقف مصر عن المحاولة، ولم تطلق اتهامات عشوائية، بل واصلت القيام بواجبها بصمت ومسؤولية.
ولمن يبحث عن الأرقام كدليل، فالحقيقة وحدها تكفى لبيان حجم الجهد المصرى، فقد تم تجهيز 300 مستشفى فى 26 محافظة لاستقبال المصابين الفلسطينيين، 172 منها قدمت الخدمة فعليًا، كما أُجريت أكثر من 5200 عملية جراحية دقيقة بمشاركة 38 ألف طبيب و25 ألفًا من أطقم التمريض، وتم تطعيم 27 ألف طفل فلسطينى، إلى جانب إجراء 90 ألف فحص طبى للأشقاء العابرين من المعبر.
وهذا العمل الإنسانى لم يكن مجانيًا ولا سهلًا، بل استنزف موارد ضخمة من الدولة المصرية، التى أنفقت أكثر من 578 مليون دولار من موازناتها لدعم الفلسطينيين، دون انتظار تمويل خارجى أو ضوء إعلامى موجه، بل فى التزام صامت نابع من دور تاريخى لا ينفصل عن هوية الدولة المصرية ومواقفها الثابتة تجاه القضية الفلسطينية.
المواطن المصرى لم يكن غائبًا عن هذا المشهد، بل كان فى صدارته، فقد تجاوزت تبرعاته العينية والنقدية حاجز 4 مليارات جنيه، عبر مؤسسات الدولة والمجتمع المدنى والتحالف الوطنى وصندوق «تحيا مصر»، ليؤكد مجددًا أن مصر شعبًا ودولة لا تكتفى بالشعارات، بل تترجم التضامن إلى أفعال ملموسة تترك أثرًا واضحًا فى حياة الناس.
هذه الجهود لم تعزل مصر عن قضايا إقليمية أخرى، بل جاءت متزامنة مع استقبال نحو 450 ألف نازح سودانى على أراضيها خلال الفترة ذاتها، حيث وفرت لهم الدولة الرعاية والإيواء والخدمات الأساسية، دون تمييز أو تفضيل. وهو ما يثبت أن مصر تمارس دورها الإقليمى بحجمها الحقيقي، لا بما يُطلب منها أو يُملى عليها.
662 يومًا من الدعم الصامت والعمل المتواصل، دون صخب إعلامى أو استثمار سياسى رخيص، بل فى صمت يليق بالكرامة المصرية، ويُعيد تعريف مفهوم الدعم الإنسانى الحقيقي، ويجعل من كل شاحنة، وكل طبيب، وكل وجبة، دليلًا حيًا على أن مصر لا تنتظر شكرًا ولا تصفيقًا، بل تؤدى ما تمليه عليها مسؤوليتها القومية والتاريخية والأخلاقية.
ومن يهاجم مصر اليوم، يتجاهل هذه الوقائع عمداً، إما بدافع الجهل أو بنية التزييف، فى إطار حملة منظمة تستهدف ضرب المواقف الثابتة وإضعاف الجبهة العربية الرافضة للتهجير والابتزاز تحت غطاء إنسانى زائف. والحقيقة أن مصر كانت وستظل سندًا للشعب الفلسطينى، وجدار صد فى مواجهة مشروعات تصفية القضية أو العبث بحقوق أصحابها.

حكاية الأربعاء
هل يفعلها المنتخب؟
من نجريج إلى أنفيلد.. لماذا أحب العالم محمد صلاح؟







