فى قلب ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ كان جمال عبد الناصر زعيما وقائدا شابًا من أبناء الطبقة المتوسطة، ينتمى إلى وجدان الناس، ويختزن وجعهم ويحلم بحلمهم، وكان يتحدث بلسانهم ويعيش همومهم، وغرس فى أجيال الشباب معانى الكرامة والوطنية.
وارتفعت قامته بعد حرب السويس ١٩٥٦ بعد دحر العدوان الثلاثى، وصار رمزًا أمميًا، يقف فى وجه الإمبراطوريات العاتية، فينهزم العدوان ويرغم إنجلترا وفرنسا وإسرائيل على الانسحاب، ويعلو اسم مصر فى سماء حركات التحرر العالمى.
لم تكن الثورة مجرد الإطاحة بالنظام الملكى وإعلان قيام الجمهورية وتغيير نظام حكم، بل كانت زلزالاً هز أركان المنطقة، وصحوة كبرى استيقظت معها شعوب كانت ترزح تحت أغلال الاستعمار، وصرخة مصرية مدوية لم تبقَ فى حدود النيل، بل حملها الأمل إلى قلوب الحالمين بالحرية من الجزائر إلى فلسطين، ومن الهند إلى غانا.
كان زعيما عبرت شعبيته الحدود وفى عام ١٩٦٠وقف فى الأمم المتحدة لإلقاء كلمة مصر وبعدها انسحب من القاعة حينما جاءت كلمة وزيرة خارجية اسرائيل جولدا مائير فانسحب معظم زعماء العالم احترامًا له، فى مشهد أغضب واشنطن وفتح باب العداء على مصراعيه، وقال الرئيس الامريكى ايزنهاور « عبد الناصر يحكم نصف العالم «.
ومنذ عقد السلاح مع تشيكوسلوفاكيا فى الستينات وحتى لحظة التنحى، ظل عبدالناصر شوكة فى حلق المشروع الأمريكي- الإسرائيلى فى المنطقة، ووقف بالمرصاد للمشروعات الصهيونية التوسعية.
ومنذ اللحظة الأولى لتوليه الحكم، كانت فلسطين فى قلبه وعقله، وكل تصريحاته تؤكد أن القضية الفلسطينية من أولويات النضال العربى، وكان يدرك أن تحرير الأرض من الاحتلال الإسرائيلى مسؤولية تاريخية، وإذا كان عبد الناصر قد توفى منذ ٥٤ سنة، فإن القضية الفلسطينية ما زالت حية فى وجدان كل عرب.
لم يكن الطريق مفروشًا بالورود وجاءت نكسة ١٩٦٧ لتدمى القلب، كخيانة دولية مبيتة وكانت الضربة قاسية شارك فيها كثيرون، دولًا وأنظمة خشيت من صعود مصر كقوة كبرى تقود العرب نحو الاستقلال الحقيقى، ولم تكن أمريكا بعيدة عن هذا الصراع؛ فقد انقلبت إلى خصم معلن، خاصة بعد أن اكتشفت أن عبدالناصر لا يُشترى ولا يُحتوى.
فى كل عام تحل ذكرى الثورة وتضىء الذاكرة الوطنية بأغنية «يا جمال يا حبيب الملايين» ولم تكن مجرد لحن، بل أسطورة صنعتها الثورة وزعيمها، لتصبح رمزًا للحلم العربى، ولكن الحقيقة الأعمق أن الشعب هو البطل الحقيقى، هو الزعيم الأول، وصانع الثورة وملهمها ومفجرها.
خرج المصريون من قلب المعاناة، يحملون راية الكرامة والحرية، وقدموا أروع صور التضحية والفداء، ويخلدون بطولات الإنسان المصرى، الذى لا تهزه المحن، بل يصنع منها مجدًا.
وداخليا غيّرت الثورة وجه الحياة فى مصر، فتحت أبواب التعليم لأبناء الفلاحين والعمال، ومنحتهم حق الحلم بالمناصب العليا ،وأزالت الحواجز الطبقية، وأعادت توزيع الثروة والسلطة، وربما كانت التجربة الوحيدة التى نقلت الحكم من القصور إلى البيوت.

فى الخامس من يونيو
إدانة.. ولكن «2»
الذكاء الاصطناعى سفينة نوح







