أوضح تحليل نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، أن العقوبات الغربية على روسيا وإيران لم تُحقق أهدافها في كبح صادرات الطاقة، لكنها أعادت تشكيل خارطة التجارة العالمية وفق اعتبارات جيوسياسية خصوصًا في آسيا.
ولفت التقرير، إلى أن هذه العقوبات فقدت فعاليتها كأداة ضغط اقتصادي، ما يدفع واشنطن لإعادة تقييم جدواها.
اقرأ أيضًا| لماذا لم تعد أمريكا القوة الاقتصادية الأولى؟.. خريطة التجارة «تُجيب»
ارتفاع مفاجئ في الصادرات الإيرانية
في يونيو الماضي، وبينما كانت الصواريخ تتساقط على طهران، سجّلت صادرات النفط الإيرانية ارتفاعًا حادًا ومفاجئًا، وفقًا لما كشفته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، ورغم الهجوم، واصل العملاء، خصوصًا من الصين، شراء النفط الإيراني، ليُؤكد هذا المشهد أن العقوبات لم تعد فعالة كما كانت تُروَّج سابقًا.
وأوضحت المجلة الأمريكية ذاتها، أن العقوبات التي كانت تهدف لتقليص عائدات الدول وفرض تغيير في سلوكها، تحوّلت إلى أدوات يعاد توجيهها، وبدلًا من عزل الدول، أعادت تشكيل أسواق الطاقة، حيث أصبحت المصالح الجيوسياسية هي التي تُحدّد وجهات النفط، لا منطق السوق الحر.
منطق السوق «تغيّر».. والمصافي الصينية البديلة «جاهزة»
بعد أن تراجعت صادرات إيران إلى مستويات شبه صفرية عام 2020 بسبب جائحة كوفيد، عادت بقوة بفضل الطلب الصيني المتزايد.
وبلغت واردات الصين من النفط الإيراني حوالي مليوني برميل يوميًا، وهو ما يعادل نحو 14.6% من إجمالي وارداتها، وتركّزت الصفقات مع مصافٍ صغيرة تُعرف بـ"أباريق الشاي"، تعمل بعيدًا عن النظام المالي الدولي التقليدي.
وفي محاولة لحماية مصالحها، امتنعت الصين عن نشر بيانات الجمارك بشأن النفط الإيراني، لتحتفظ بموقع المناورة وتُنكر أي خرق للعقوبات علنًا، في وقت تُدير فيه العلاقات مع طهران بميزان دقيق بين الاستفادة والضغط السياسي.
روسيا تتجاوز الحصار بسيناريو مُشابه
على الجانب الآخر، كشفت العقوبات الغربية على روسيا عام 2022 ضعف أدوات الردع الاقتصادي.
فبدلًا من تقليص الصادرات الروسية، تركّزت الإجراءات على تقليص الإيرادات من خلال سقف سعري فرضته مجموعة السبع.
ومع ذلك، نجحت موسكو في تصدير نفطها إلى آسيا، خاصة للهند، بأسعار مخفضة.
الهند تربح من إعادة التكرير
استغلت المصافي الهندية هذه الفجوة بشراء النفط الروسي بأسعار مخفضة، ثم تصديره على شكل منتجات إلى أوروبا، مُحققة أرباحًا هائلة، وهو ما يعني أن السوق العالمية تجاوزت الحصار بمرونة.
وتستفيد بكين من القيود المفروضة على النفط الروسي، مما يمنحها مصدر طاقة منخفض الكلفة وأداة ضغط مُحتملة في علاقاتها مع موسكو، تمامًا كما تفعل مع إيران.
وهكذا، أصبحت العقوبات وسيلة تعزز النفوذ الصيني بدلًا من كبح خصوم واشنطن.
اقرأ أيضًا| تحليل| من يربح في معركة العقوبات.. روسيا والصين أم السوق الأمريكي؟
ردود الفعل الأمريكية
قرارات ترامب العسكرية مثل توجيه ضربات لإيران، اعتُبرت مُؤشرًا على يأس واشنطن من العقوبات الاقتصادية.
أما تهديداته الأخيرة بتصعيد الرسوم الجمركية على روسيا فتُقرأ كأداة تفاوضية لا استراتيجية واضحة.
وتخشى واشنطن من أن تُسبب أي عقوبات مُفرطة صدمة في السوق العالمية تُؤدي إلى ارتفاع الأسعار.
لذلك، من غير المرجّح فرض رسوم 100% على مشتري النفط الروسي، كما لن تتجه الإدارة الأمريكية لتدمير تدفق النفط الإيراني، طالما لا يُهدد الإمدادات العالمية.
تداعيات العقوبات
بدلًا من عزل روسيا وإيران، دفعت العقوبات البلدين إلى أحضان الصين.
كما عززت هذه السياسات الأنظمة الحاكمة، حيث باتت الإيرادات تُوزّع على دوائر ضيقة، مما زاد من قبضة النظم المتحكمة على مفاصل الدولة.
وأمام هذه النتائج، باتت الدعوات تتزايد في واشنطن لمُراجعة جدوى العقوبات النفطية.
وأشارت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، إلى أن تقديم حوافز لإيران مُقابل اتفاق نووي، أو دعم أوكرانيا كبديل عن العقوبات الروسية، قد يكون أكثر نجاعة.
اقرأ أيضًا| كيف تؤثر شركات السلاح على قرارات الكونجرس الأمريكية في وقت الأزمات؟
الصين.. العُقدة الأصعب في ملف الطاقة العالمي
توصي المجلة الأمريكية، بالتركيز على العقوبات المالية المُحددة التي تستهدف الأفراد والجهات داخل شبكات الطاقة، بدلًا من فرض حظر شامل، وهذا الأسلوب، وإن لم يُوقِف إنتاج النفط، يُقلّل من أرباح تلك الأنظمة.
أما محاولات الانفصال القسري عن الصين عبر العقوبات تنطوي على مخاطر كبيرة، إذ تعتمد شركات الطاقة الأمريكية على السوق الصينية التي تمتص جزءًا هائلًا من الإنتاج، وأي قطيعة مُفاجئة قد تؤدي إلى كساد محلي في الولايات المتحدة.
وخلصت مجلة «فورين بوليسي»، إلى أن استمرار واشنطن في استخدام العقوبات النفطية كأداة لتغيير السلوك لم يعد مجديًا، فهذه السياسة، بدلًا من ردع الخصوم، أعادت تشكيل السوق العالمي، وأنتجت تحالفات جديدة تقوم على الجغرافيا السياسية لا علىى الاقتصاد الحر.
وما بين النفط الإيراني المتسلل عبر «أباريق الشاي» والنفط الروسي المعاد تصديره من الهند، باتت العقوبات النفطية أداة جوفاء، إن لم تكن سيفًا ذا حدّين، لتتشكل خريطة الطاقة االعالمية، بعدما لم تعد واشنطن وحدها من يُحدّد من يبيع، ومن يشتري.



انفجار مسيرة بحرية واستنفار جوي في ميناء «كونستانتسا» الرومانية
«نعاني أكثر من روسيا».. نائب أوروبي يكشف ارتداد العقوبات على جدار الاتحاد
الرئيس الكوبي: مستعدون للحوار مع واشنطن وثوابتنا السياسية «خط أحمر»







