كشفت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، عن أن الولايات المتحدة لم تعد القوة الاقتصادية الأولى في العالم، بعد أن أزاحتها الصين من مكانتها لصالح خريطة تجارية جديدة، تُظهر بكين كأكبر شريك اقتصادي لغالبية دول العالم.
ورصد التقرير التحليلي للمجلة الأمريكية ذاتها، كيف ساهمت السياسات المتقلبة لإدارة ترامب في تسريع هذا التراجع، وهددت موقع واشنطن العالمي.
اقرأ أيضًا| سلاح بكين الصامت.. كيف قلبت الصين الطاولة في معركة ترامب التجارية؟
خريطة التجارة العالمية ترسم نهاية التفوق الأمريكي
أوضح التقرير أن خرائط الشركاء التجاريين حول العالم، والتي أصبحت أداة تحليلية أساسية خلال العقدين الماضيين، تكشف عن تحوّل تدريجي ثم مفاجئ في ميزان التجارة الدولي، حيث أصبح اللون الأحمر – المُمثّل للصين – يهيمن على الخريطة، بعدما أصبحت بكين الشريك التجاري الأكبر لمعظم دول العالم.
ورغم أن الولايات المتحدة لم تكن قوة استعمارية تقليدية مثل القوى الأوروبية، إلا أنها سيطرت لعقود على النظام الاقتصادي العالمي، بل وساهمت في صياغة قواعده عبر ما تمتعت به من نفوذ مؤسساتي وقيمي، لكن هذا الدور بدأ يتآكل، ليس فقط بفعل صعود الصين، بل بسبب السياسات الانعزالية والمربكة التي انتهجتها واشنطن مؤخرًا.
هل تفوق الصين يعني تفكك فوري للنفوذ الأمريكي؟
أفادت المجلة الأمريكية، بأن الصين برعت في السيطرة على التجارة العالمية بفضل قدراتها التصنيعية الهائلة، لكنها لم تنجح بنفس السرعة في تحويل قوتها الاقتصادية إلى مكاسب جيوسياسية واسعة، وذلك لأن الأنماط التي رسّختها عقود من النفوذ الغربي والمؤسسات الدولية لم تختفِ بسهولة.
وكشف التقرير، أن إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب تخلّت عن أدوات القوة الناعمة الأمريكية التي بنت نفوذ واشنطن لعقود، واختارت طريق الصدام وفرض الشروط، حتى على الحلفاء، ففي حين كانت الولايات المتحدة في السابق تدعو إلى نظام عالمي قائم على القيم والعدالة، بات خطابها الرسمي يُركّز على "فرض الإرادة بالقوة".
وأشار التقرير، إلى أن ترامب طبّق هذه السياسة أولًا على خصومه كإيران، حيث شاركت واشنطن في هجوم مشترك مع إسرائيل بعد أيام فقط من التلميح إلى خيار الدبلوماسية، لكن الأكثر إثارة للدهشة ـــ بحسب المجلة الأمريكية ذاتها ـــ هو تعميم هذا النهج المتشدد على الدول الحليفة، وخاصة في مجال التجارة.
90 صفقة في 90 يومًا.. واقع مُضلل
أفادت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، بأن ترامب تفاخر بإبرام "90 صفقة تجارية في 90 يومًا" في بداية ولايته الثانية، لكن النتائج جاءت مخيّبة، فقط أربع اتفاقيات – مع بريطانيا، والصين، وإندونيسيا، وفيتنام – وُقّعت فعليًا، وكانت إما اتفاقيات إطار فضفاضة أو صفقات بلا مضمون حقيقي.
وبحسب التقرير، وجّه ترامب الأسبوع الماضي رسائل إلى قادة أكثر من 20 دولة، يفرض فيها شروطًا جديدة للتبادل التجاري، مُستخدمًا لهجة موحدة، سلطت الضوء على أن "الولايات المتحدة تُستغل منذ سنوات"، ومُهددًا بفرض رسوم باهظة، كما ورد في رسالته للرئيس الكوري الجنوبي: "أي زيادة جمركية ستُضاف تلقائيًا إلى الـ25% المفروضة مسبقًا".
اقرأ أيضًا| أوروبا تدخل «لعبة الدجاجة» مع ترامب.. والرد قد يكلف أمريكا 72 مليار يورو
واشنطن تفتح الطريق أمام بكين
أكدت «فورين بوليسي»، على أن ما كان صادمًا في رسائل ترامب ليس فقط الأسلوب الاستعلائي، بل انفصال مضمونها عن الواقع؛ فكوريا الجنوبية مثلًا ترتبط مع واشنطن باتفاقية تجارة حرة ولا تفرض رسومًا تُذكر على السلع الأمريكية، وهذا النهج ـــ بحسب التقرير ـــ يقوّض الثقة في الشراكات التاريخية للولايات المتحدة.
كما حذّر التقرير من أن التنمّر الأمريكي على الحلفاء قد يدفعهم لإعادة تقييم علاقاتهم التجارية والأمنية، وبناء تحالفات بديلة، وهذا ما بدأ يحدث بالفعل في أوروبا، حيث أعلنت بريطانيا وفرنسا التنسيق النووي، وعززت ألمانيا تعاونها الدفاعي مع لندن، ورغم غياب التصريحات المباشرة، فإن هذه التحركات تعكس قلقًا من النهج الأمريكي المتقلّب.
أكدت المجلة الأمريكية، أن إدارة ترامب كانت تدرك خطر هذا التحول، وهددت مبكرًا بأن تقارب كندا والاتحاد الأوروبي سيُعامل كتصرف "عدائي"، ومع ذلك، استمرت واشنطن في اتخاذ إجراءات تنفّر حلفاءها، كرفع الرسوم الجمركية بشكل أحادي إلى مستويات لم تُشهد منذ أوائل القرن العشرين.
واشنطن تتخلى عن موقعها بيدها
أفاد التقرير، أن اليابان وكوريا الجنوبية لا تزالان أبطأ من أوروبا في التحوط ضد الانعزالية الأمريكية، لكن استمرار النهج المتعسف قد يدفعهما قريبًا لتعديل تحالفاتهما، وعند هذه النقطة، تكون الولايات المتحدة قد قدّمت للصين ما لم تستطع بكين تحقيقه وحدها حول "تفكيك شبكة التحالفات التي دعمت واشنطن لعقود".
واختتمت مجلة «فورين بوليسي» تحليلها بتأكيد أن تراجع أمريكا عن دورها كزعيمة اقتصادية لم يكن نتيجة صعود الصين فحسب، لكنه بسبب التخلي الطوعي عن أدوات القوة المؤسسية والشرعية الدولية، ومع استمرار السياسات الانعزالية، قد تصبح واشنطن خطرًا على استقرار النظام العالمي الذي ساهمت هي نفسها في تأسيسه.
اقرأ أيضًا| كيف تمد الصين نفوذها في مياه آسيا دون طلقة واحدة؟




وزير الخارجية يلتقي مجلس الأعمال المصري الياباني
«اتفاق إيران» حائر بين تأكيدات ترامب ونفي طهران
بعد اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق النار.. تطورات الوضع «الأمريكي - الإيراني»







