رؤيتى

سد النهضة.. ملف لم يُغلق

حمدى كامل
حمدى كامل


تظل مصر ثابتة على موقفها: لا تريد صراعًا، لكنها ترفض أن تُفرض عليها سياسة الأمر الواقع.

ربما لم تكن مفاجأة كاملة حين أعلنت إثيوبيا موعد «حفل افتتاح» سد النهضة، لكنها كانت كافية لتذكّرنا جميعًا أن ملف السد لم يُغلق بعد، وأن مخاطره لم تُنزع، وأن ما ظن البعض أنه «أمر واقع» يمكن التعايش معه، لا يزال يتسلل إلينا بمزيد من القلق، خاصة مع استمرار غياب الاتفاق القانونى الملزم الذى طالما طالبت به مصر فى كل المحافل.

أعترف، مثل كثيرين، أننى فى بدايات هذه الأزمة كنت أتعامل مع المسألة على أنها خلاف فنى أو تفاوض سياسى عابر، قد يُحل عبر التهدئة، أو بحوار مباشر، أو بتدخل أطراف دولية نزيهة. لكن السنوات مرت، والمفاوضات طالت، والعناوين تبدلت، فيما ظلت الحقيقة الثابتة: أن السد يتم تشييده وتشغيله بشكل أحادي، دون التزامات واضحة، أو ضمانات مكتوبة، ودون تقدير لحجم الاعتماد المصرى الكامل على نهر النيل.

صحيح أن الدولة المصرية تحركت فى المسارات كافة: دبلوماسية دولية، مفاوضات ثلاثية، مبادرات فنية، وحتى مسارات قانونية. وصحيح أن مصر اختارت من البداية طريق التعقل والصبر، لكنها فى الوقت ذاته لم تتوقف عن حماية أمنها المائى على الأرض.

 فقد أنفقت الدولة مليارات الجنيهات فى مشروعات إعادة استخدام المياه، وتبطين الترع، ومحطات التحلية والمعالجة، لتقليل الفجوة وتعظيم الموارد.

لكن تبقى الحقيقة أن الحلول الداخلية وحدها لا تكفى إذا لم تكن هناك شراكة عادلة عند منابع النهر. فمصر لا تعترض على حق إثيوبيا فى التنمية، بل طالما دعمت ذلك، وأكدت أنها ليست ضد إنشاء السد فى حد ذاته، لكنها ضد إدارته بشكل منفرد، يهدد الحقوق التاريخية لدولتى المصب مصر والسودان.

من المهم أن نقر بأن الجانب الإثيوبى لم يلتزم بما وقّع عليه فى إعلان المبادئ عام 2015، ولم يوفِ بتعهداته السابقة بتكليف مكتب استشارى دولى لدراسة آثار السد، كما أن المفاوضات التى دارت على مدى أكثر من 13 عامًا، لم تُثمر اتفاقًا نهائيًا بسبب غياب الإرادة السياسية فى أديس أبابا.

والأخطر أن ما تم بناؤه من السد، وسعته الحالية، يتجاوز كثيرًا ما كان متفقًا عليه مبدئيًا، وقد تم تضخيمه بعد 2011 فى ظروف إقليمية دقيقة، مما أثار شكوكًا فنية حول كفاءة التصميم، والجدوى الحقيقية من رفع سعة التخزين، وتأثير ذلك على مصر والسودان، خاصة فى سنوات الجفاف.

وحتى هذه اللحظة، تظل مصر ثابتة على موقفها: لا تريد صراعًا، لكنها ترفض أن تُفرض عليها سياسة الأمر الواقع. تؤمن بالتنمية، لكنها لا تقبل التهديد بالمياه. تمد يدها للحلول، لكنها لا تفرط فى حقها.

إن ما نحتاجه اليوم هو تجاوز الخطاب الانفعالي، والتعامل مع الملف بعقلانية، لكن دون تنازلات، ودون أوهام. فالمعركة ليست فقط مائية، بل ترتبط بالأمن القومي، والسيادة، والحق فى الحياة.

سد النهضة اختبار طويل للنفس، وقد أثبتت مصر - رغم كل التحديات - أنها لا تتراجع، ولا تُستدرَج، وأنها تملك من أدوات السياسة، والدبلوماسية، والوعى الشعبي، ما يجعلها قادرة على الصمود حتى النهاية.