هل يُعقل أن يكون الشغل الشاغل للناس على سوشيال ميديا هو أحضان راغب علامة وعلقة هدير عبد الرازق وهروب وسام أبو على؟
من يتصفح مواقع التواصل الاجتماعى اليوم يشعر أن شيئًا ما انكسر فينا وانفلاتًا فى كل شيء، اللغة الرديئة والقيم المتراجعة والأخلاق المنحدرة، و«التريند» هو الحاكم بأمره، حتى لو كان كاذبًا ومؤذيًا ومهينًا للناس والبلد.
أحيانًا أسأل نفسى: هل تغيّر الناس فعلًا؟ أم أن التكنولوجيا الحديثة والكاميرات المفتوحة والهواتف التى لا تنام، فضحت واقعًا كان مسكوتًا عنه؟ هل كنا هكذا من قبل؟ أم أن العصر الرقمى سلّط الضوء على أشياء كانت تحدث فانكشفت العورات كلها دفعة واحدة؟
لا أنكر أن هناك فائدة لا يمكن تجاهلها، وهى التصوير اللحظى للجرائم والمخالفات، وأصبح أداة قوية لكشف الفساد والإهمال، وساعد الأجهزة الأمنية فى ضبط كثير من الوقائع، وهذا وجه مضيء.
أما مصر التى نعرفها فهى أكثر إنسانية ولها قلب وضمير، والناس فيها كانوا يتعاملون بالمحبة ويسألون عن الغائب، يساندون المحتاج دون انتظار مقابل، والحارات والشوارع كانت آمنة والبيوت مفتوحة، والجيران أهل لا مجرد سكان، والآن أصبح الغالب هو التجاهل والجفاء والفردية، و»أنا ومن بعدى الطوفان».
والمأساة الحقيقية أن بعض المصريين تغيروا للأسوأ، مصر الحقيقية صارت مشهدًا أبيض وأسود فى أفلام الزمن الجميل، شوارعها الهادئة وأحياؤها المليئة بالمحبة والجدعنة، والناس اللى كانوا يسألون عنك لو غبت، ويساعدونك من غير مصلحة، كانت بلدًا لها قلب وفيها ضمير.
حتى الفن لم يعد فنًا، ولم نعد نرى الإبداع ولا نسمع الطرب، وصارت الشهرة بالمهرجانات وقلة الأدب، والنجومية تُمنح لمن يثير الجدل والفضائح، لا لمن يمتلك الموهبة.
والأخطر هو بعض مظاهر التدين الشكلى، وشعارات لا تنعكس على السلوك ولا يظهر منها ما أمر به الإسلام من رحمة وتسامح وأخلاق، وكأن الناس نسوا أن نبينا جاء ليتمم مكارم الأخلاق!
الأزمة وصلت للعقول، والتعليم يحاول أن ينهض بعد أن عانى من التدهور على مدى سنوات طويلة، فصار الانتماء كلمة تردد فى الطابور الصباحى بلا إحساس، وفى هذا الفراغ تسللت جماعات متطرفة عبثت بعقول الشباب، وبدلًا من أن يحملوا الكتب، صار بعضهم يحمل أفكارًا مسمومة، أخطر من المتفجرات.
أسأل نفسي: ما الذى جرى؟، لماذا يصور الناس مصابًا ينزف بدلًا من إنقاذه؟، أين الجدعنة وأين الشهامة وأين رجل الحكمة الذى كان يحل المشاكل قبل أن تصل إلى أقسام الشرطة؟، هذه ليست مصر التى نعرفها وتربينا فيها وعرفنا ناسها الطيبين. مصر لا تزال موجودة فى قلوب كثيرة، فى الرجل الشهم الذى يساعد الغريب، والمرأة الطيبة التى تربى أولادها، وفى الشاب الذى ينحت فى الصخر لوسم مستقبله.. واستعادتها ممكنة، وتبدأ من البيت، من المدرسة والقدوة والإعلام، من المسجد والكنيسة، من كل من يتعامل مع الإنسان.

فى الخامس من يونيو
إدانة.. ولكن «2»
الذكاء الاصطناعى سفينة نوح







