كنوز| دفتر أحوال كبار الكتاب والأدباء فى لهيب فصل الصيف !

نجيب محفوظ ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم وإحسان عبد القدوس
نجيب محفوظ ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم وإحسان عبد القدوس


مع قدوم لهيب حرارة الصيف كان أمير الصحافة محمد التابعى يفر هارباً ليقضى شهور الصيف فى أوروبا، أو يهرب إلى عشته فى رأس البر التى كان يفر لها : أحمد الصاوى محمد وسليمان نجيب وتوفيق الحكيم الذى كان يهرب من لهيب الصيف إلى الإسكندرية عندما يكون صديقه محمد التابعى فى أوروبا، وكان الحكيم كما يقول لا يطيق الحر ويشعر بكسلٍ وخمول يجعله يتقاعس عن الكتابة المنتظمة فكانت الصحف التى يكتب لها مقالاته الفكرية تطارده ليرسل لها مقالاته التى كان يرسلها فى آخر وقت، وكان الروائى إحسان عبد القدوس لا يطيق حرارة الجو فى الصيف أو الكتابة حتى ولو كان مكتبه مكيفاً، وكان يهرب مع أسرته إلى الشاليه الذى يملكه فى الإسكندرية عندما تحرر من رئاسة تحرير مجلة «روزاليوسف» وقال: إنه كتب بعض رواياته فى المصيف السكندرى أو أثناء سفره لأوروبا. 

اقرأ أيضًا| كنوز| «الأخبار» تضىء الشمعة 111 للتوءم الذهبى على ومصطفى أمين

■ ويقول الأديب يوسف السباعى عن علاقة كتاباته بفصل الصيف : «لا أعتقد أن الصيف أو الحر يعوقان الكاتب عن الكتابة، وإن كانا يسببان له مشقة أكبر فى الجلوس لفتراتٍ طويلة للكتابة، وأنا أعتبر الكتابة واجباً وليست ترفاً يقدم عليه الكاتب عندما يريد أن يكتب، والذى يريد الكتابة لا يهمه درجة حرارة الجو، وأنا شخصياً كتبت» أرض النفاق - وأنى راحلة - وأقوى من الزمن ويوسف الصديق «فى عز الصيف».

■ أما الروائى الكبير نجيب محفوظ فيقول : «من شهر مايو إلى شهر سبتمبر يتعطل جهازى الروحى تعطلاً تاماً، بسبب أمراض الحساسية فى الجلد والعينين، والتى تظهرعندى مع قدوم الصيف، وأنا لم أكتب ولم أقرأ فى حياتى فى أشهر الصيف، وأغلب أصدقائى من الأدباء يقل نشاطهم فى الصيف بسبب ارتفاع الحرارة والعرق، والذين يستمرون فى التأليف فهـم من القادرين مادياً الذين يسافرون إلى المصايف أو الذين يملكون أجهزة تكييف الهواء.

■ ويقول الشاعر كامل الشناوى : « الصيف حـسب تجربتى الخاصة يحررنى من قيود لا أستطيع أن أتحرر منها فى فصل الشتاء مثلاً، ففى الصيف أحصل على إجازة من العمل واكتب كما يحلو لى، واقرأ كلما وجدت رغبة فى القراءة، وأسجل خواطری بالطريقة التى أظهر فيها على البلاج، فلا ترتدى المعانى والأفكار أثواباً كاملة التعبيرات.. وتبدو الجمل اللفظية أشبه بالشورت والمايوه، وأعمالى الفنية التى كتبتها فى الصيف كثيرة وأذكر منها قصيدتى «لا تكذبى - وعلى باب مصر».

اقرأ أيضًا| كنوز| «الأخبار» تحيى ذكرى آدم الصحافة الحديثة وأميرها المُتوج

■ ويقول الروائى أمین یوسف غراب : «كل أعمالی الفنية وخاصة السينمائية كتبتها فى الصيف، لأن السينما تبدأ تصوير أفلامها فى الصيف بعد انتهاء موسم الشتاء، ولهذا تعودت أن أكتب فى الصيف بلا قلق، والفنان لا يتأثر إلا بشيطانه، وإذا كتبت فى الصيف أو فى الشتاء فلا فرق بين الاثنين طالما الرغبة فى الكتابة ملحة، وأستطيع الكتابة فى جو صاخب أو هادئ، وأكتب فى أى مكان عندما تكون عندى رغبة فى الكتابة، وأغلب قصصى ورواياتى كتبتها وأنا جالس فى قهوة بلدى فى الصيف».

■ أما غزير الكتابة أنيس منصور فيقول : «يصعب التفكير فى الحر، وكل إنسان يكيف أفكاره حسب درجة الحرارة، فبعض الكتاب يكتبون وهم بملابسهم الكاملة مثل الكاتب الفرنسى «فلوبير» الذى كان يضيء أنوار بيته.. أنوار من الداخل والخارج لدرجة أن من يمر على بيته يعتقد أن فى هذا البيت عرساً، ويحرص بعض الكتاب على إغلاق الشبابيك والنوافذ لتكييف درجة الحرارة التى تتولد فيها أفكارهم، وتختفى مشاكل الحرارة عندما يمتلك الكاتب جهاز تكييف، وعلى الكاتب أن يتقى ضربة الحر ليتسع عقله لفكرة جديدة وإن كانت الأفكار نفسها لا تخضع لقوانين حياتنا العادية، فكثيراً ما تأتى الأفكار ونحن نسير فى الطريق، أو ونحن ننتظر الأوتوبيس أو الترام، وأحياناً تعصى علينا الأفكار ونحن فى مكاتبنا، وعندها يكاد يصاب الإنسان بالجنون، وفى العموم الصيف يرهق أجسامنا وليس ضرورياً أن يرهق أفكارنا أيضاً، والبشرية تدين فى تطورها الى أشهر الصيف، فمعظم الثورات والحروب حدثت فى الصيف، وأحياناً يتوهم الإنسان أنه سيد أفكاره، والموسيقار الروسى «برودوین» كان عنده ولع شديد بالجلوس فى محطات السكك الحديدية ليسمع ضوضاء القطارات وصيحات المسافرين فتتدفق فى رأسه رغبة التأليف، فى حين إذا ذهب للبيت وسمع قدماً ارتطمت بكرسی وأحدثت صوتاً، فهذا يزعجه ويثير أعصابه، وأنا كتبت مسرحياتى «الأحياء المجاورة - وحلمك يا شيخ علام»، وترجمت «رومولوس» و«كهف تحت كل بيت» فى فصل الصيف المُلتهب حرارة». 

اقرأ أيضًا| محمد التابعي .. محطات في حياة "دنجوان الصحافة المصرية"  

■ ويقول د. یوسف إدريس : «ليس من شك أن الجو الحار يعوق الكاتب ليس فى إنتاجه الأدبى فقط، إنما يصيبه بالكسل والخمول فى الأيام المشمسة الحارقة الخانقة شديدة الرطوبة، ومع ذلك فأنا أستمتع بليالى الصيف وأتوق للكتابة فيها بعد يوم لافح الحرارة، فالذهن يتحرر من القيود المفروضة عليه طول النهار، وكتبت مسرحية «الفرافير» فى صيف حار، وكذلك قصة «الحرام» ومعظم إنتاجى الإبداعى كتبته فى ليالى الصيف. 

■ أما الكاتب مصطفى محمود فيقول : «لا فرق عندی بين الشتاء والصيف، والإبداع ليس له مكان ولا زمان، ولكن له حالة مزاجية، والمزاج يأتى حسب طبيعة الشتاء والصيف سواء كان المبدع يعيش فى مصر أو فى ألاسكا أو على خط الاستواء أو على شواطئ البحار، وأغلب أعمالى كتبتها فى كل المواسم، وعلى سبيل المثال كتبت مجموعتى القصصية «رائحة الدم» فى لهيب شهر أغسطس. 

■ ويقول الكاتب المسرحى نعمان عاشور: «يبدو أن حر الصيف يرفع من حرارة الإحساس، وليالى الصيف فى مصر من أجمل وأمتع لحظات الحياة ومن أصلح الفترات لكتابة أعمالى الفنية التى أكتبها فى فترة الإجازات السنوية، وكل إنتاجى من المسرحيات كتبته فى الصيف!»

«الهلال» - 29 يونيو 1965

 

ماجدة تروى لحظات الرعب أثناء هروبها من مخمور !

أوشكنا على الانتهاء من التصوير فى فيلم «أین عمری» وقال المخرج أحمد ضياء الدين: «النهاردة بعد الظهر هانصور يا ماجدة مشهد المطاردة وبكرة حانبقی خلصنا الفيلم»، كنا فى شهر ديسمبر ووصلنا فى السادسة مساء إلى مصر الجديدة وكان الهواء بارداً..

 

 

وراح الفنيون يستعدون للقطة، وأشارت الساعة إلى الثامنة عندما بدأنا أول بروفة لمطاردة بسيارة يقودها أحمد رمزی، والمفروض إنه مخمور والخمر أفقده صوابه، وكان رمزى وقتها له عامان فى التمثيل، لكنه كان متمكناً كأى فنان له خبرة سنوات فى المجال، ولهذا لم يكن فى حاجة إلى خمر ليصبح مخموراً، لكنه طلب أن يشرب نبيذاً، لأنه يبعث الدفء فى أوصاله، وطلب المخرج من الإنتاج أن يحضر له طلبه، ومضى أحمد ضياء الدين يشرح لنا ما سنفعله، وثبتت الكاميرا فوق عربة جيب، وكانت الدنيا قد دخلت فى ظلام كثيف، ولهذا وضع مدير التصوير عدة كشافات قوية فوق عربة أخرى رسم لها خطاً للسير خلف سيارة أحمد رمزى التى يطاردنى بها، وبدأنا التصوير، وكان أحمد يضع يديه على عجلة القيادة، ويقود السيارة وعلى وجهه إصرار من انتوى القتل، وفجأة سمعنا صوت فرقعة هائلة، وإذا بزجاج الكشافات ينكسر ويتناثر فى الهواء ويصيب سيارة أحمد رمزى، وضربته بعض شظايا الزجاج فى وجهه، كانت فرقعة الانفجار قوية فتسمرت قدماى فى الأرض، أما أحمد رمزى فقد توقف فجأة، وأخذنا نتبادل النظرات وكأننا لا نصدق أن انفجاراً له مثل هذه القوة يحدث دون أن يقتل أحداً ! وجلس أحمد رمزى ليستريح ويسترد أعصابه التى توترت من شظايا الزجاج التى لامست وجهه، وقبل أن نعود لتصوير المشهد من جديد أفرغ كل ما تبقى من زجاجة النبيذ فى جوفه، وبدأ الخوف ينتابنى وجعل نفسى تشعر بالانقباض، وقد صدق ظني، عندما أشار المخرج ببدء التصوير فوجدت أحمد رمزى يقود السيارة بسرعة جنونية، ويلاحقنى بعنف لم أعهده، وكنت أحس أن السيارة ستقتلنى فعلاً فأجرى بضعف طاقتى لأهرب من هذا المخمور المتوتر الأعصاب الجالس إلى عجلة القيادة، صعدت إلى الرصيف فصعد أحمد رمزى خلفى بالسيارة وهذا الفعل لم يكن مكتوباً فى اللقطة التى نصورها، وكانت الكاميرا تدور دون توقف، وبرغم أننى صرخت بأعلى صوتى قبل أن أسقط على الأرض، ويبدو أن صرخة الفزع والرعب التى أطلقتها أيقظت كل حواس أحمد رمزی ونبهته إلى أنه كاد أن يقتلنى فعلاً، فتوقف بالسيارة بضغطة شديدة على الفرامل وبطريقة تدل على أنه أفاق فعلاً على خطر داهم!

ومن هول ما حدث قمت من مكانى وأنا لا أكاد أصدق أننى نجوت من الموت المُحقق، أما المخرج فقد صفق بيديه سعيداً بالمشهد الذى صوره كاملاً وقال: إننا بلغنا فيه قمة فى الإجادة. 

ماجدة الصباحى «الكواكب»

 

«بدلة» أبو السعود الإبيارى ب 100 أغنية !

كنت أسكن مع عائلتى فى حى الضاهر، وكنت أهب مع أقرانى إلى المدرسة، فإذا ما عدنا إلى منازلنا نتفرغ لممارسة لعبة «التمثيل»، وكان يسكن فوقنا فنان إيطالى يدعى «فرنشيسكو» وكان له صيت ومقام ونحن فى سنة 1920، لأنه كان قائد الفرقة الموسيقية فى مسرح «الاجيسيانا» الذى تعمل به فرقة الأستاذ نجيب الريحاني، وكانت بين أسرتى وأسرته صداقة وحب ومودة، ولهذا كان الرجل يهدى إلينا بونا لدخول مسرح الريحانى مجاناً مرة فى كل شهر، وفى اليوم التالى كنت أقلد ما شاهدته فى مسرحية الريحانى لزملائي، وكان أولاد فرنشيسكو يلعبون معنا، ويترددون على المسرح، ولا أجد مشقة كبيرة فى تلقينهم أدوارهم مثل باقى أولاد الحتة، وكنا نمثل فى فناء البيت..

ودائماً كنت البطل والمخرج أما المتفرجون فهم أولاد الحتة الذين كانوا يدعوننا لمشاهدة مباريات الكرة الشراب عندهم، وكان المسيو فرنشيسكو ينسى فى بعض الأشهر أن يحضر لنا «البون» فأظل ألمح له إذا جاء لزيارتنا وإذا لم يجئ أنتظر عودته فى الظهيرة إلى البيت وأتظاهر بأننى فى طريقى إلى الخروج ثم أصافحه وأقول له «أكيد المسرحية الجديدة كويسة» فيقول: «كويسة خالص، انت شفتها؟»، فأقول له: «لا والله ما شفتها لأن حضرتك نسيت تعطينى البون»، فيعدنى بأنه سوف يحضر البون غداً، والحقيقة أن مسرح الريحانى فكاهاته، وأبطاله، ومدرسته فى التمثيل أطلق خيالى نحو المسرح حتى أصبحت أحلامى كلها تنحصر فى أن أكون أحد هؤلاء الممثلين، أو أحد المؤلفين، أو أى شيء يمت للمسرح بصلة!

وبمرور الأيام اتضح لى أن أكثر ما يستهوينى من فنون المسرح هو التأليف، وأحسست ميلاً لكتابة الأزجال وكان الأستاذ مكاريوس يصدر مجلة للأولاد فكنت أرسل إليه أزجالى ولكنه كان يلقى بها دائماً فى سلة المهملات، ولم يداخلنى اليأس وأصررت على أن أواصل الكتابة حتى نشر لى أول أزجالی وشجعنى ذلك على تأليف الأغانى وكنت إذا انتهيت من أغنية طفت بها على شركات الاسطوانات فيقرأونها وهم يضحكون، ولم يدركنى اليأس فقد عرفت من فرنشيسكو أن سوق التأليف محتكرة من عدد من المؤلفين المعروفين، لكنى صممت على أن أمضى فى التأليف واحتفظ عندى بكل أغنياتى حتى يحين لها وقت للظهور.
كل هذا وأنا تلميذ لا أتخلف عن المدرسة، ولا أتخلف عن موكب الناجحين، وذات صباح أحصيت ما عندى من أغانٍ فوجدتها 100، فاشتريت كشكولاً كبيراً وملأته بها وذهبت إلى شركة للأسطوانات وقابلنى هناك رجل أخذ يقلب الكشكول فى يده وهو يقول فى دهشة «كل دی أغانی؟»، فقلت: «أيوه وعددهم 100»، فقال وهو يزن الكشكول فى يده «طيب هتاخد خمسة جنيه مافيش أكثر من كده، انا ها اخد الأغانى وأنا وبختى»، فقلت: «طيب هات» وأخذت الخمسة جنيهات وطرت بها إلى الترزى وأعطيته ثمن بدلة أعدها فى يومين، ولبستها فى البيت فى زهو وخيلاء، وعندما رآها أبى بدأ معى تحقيقاً طويلاً وقلت له الحقيقة بحذافيرها لكنه لم يصدقها، ولما وجدنى مصراً على أقوالى انهال علىّ ضرباً وركلاً، وكان المنولوجست سید سلیمان ذائع الصيت فى ذلك الحين فوضعت له منولوجاً مطلعه «بريه من الستات دولا يا بيه» وغناه فى صالة بديعة فحقق نجاحاً كبيراً، وطلبت من الموسيقار عزت الجاهلى الذى لحن المنولوج أن يقدمنى لبديعة مصابنى لأكتب لها منولوجاً مضاداً «بورية من الرجالة» وسرت الست بديعة بالفكرة، وحاز المنولوج الثانى نجاحاً منقطع النظير، مما جعلها تلقبنى بالمؤلف الرسمى لفرقتها ! وهكذا استطعت أن أعول نفسى لكى أستمر فى الطريق.

أبو السعود الإبيارى «الفن» - 17 يوليو 1956

 

النظام والشدة فى مرآة رمزى باشا

كنت مديراً فوزيراً.. فتعلمت حب النظام، والشدة فى تنفيذ الإجراءات، وسرت هذه الروح النظامية فى دولاب العمل بوزارة الأوقاف فأصبح جميع الموظفين يحضرون إلى مكاتبهم مثلى فى الساعة الثامة صباحاً، وينتظرون مرورى المفاجئ للتفتيش عليهم فى أى وقت أشاء.

وقد علمتنى دراستى القانونية الحرص على العدالة شبه المُطلقة، وعلمتنى ألا أكُيف الحق بحسب الظروف، وإنما أكيف الظروف بحسب الحق، واستفدت من رياستى الطويلة للجنة المالية بمجلس النواب بالإلمام بالقوانين المالية وأنظمة الموظفين، ويسر لى ذلك دراسة ميزانية الوزارة بالدقة اللازمة، وعلاج مسائل الموظفين بما يتفق وروح العدالة والصالح العام دون اعتبارات أخرى، وأحمد الله على أن أعباء الزمن الذى ارتسمت فى تجاعيد وجهى ومشيب رأسى، لم تنل من صلابة عودى ولا سلامة قصدى. 

إسماعيل رمزى 

نقلاً عن «المصور» 

■ كنوز: إسماعيل رمزى باشا كان عضوًا بمجلس النواب وترأس اللجنة المالية به، وافق على فصل مكرم عبيد باشا بعد مناقشة ما جاء فى «الكتاب الأسود»، عُين وزيراً للأوقاف فى الفترة من 11

نوفمبر 1950 إلى 24 سبتمبر 1951 فى وزارة النحاس باشا وغادرها عندما مرض وأنُيب مكانه عثمان محرم باشا وزير الأشغال العمومية.

 

الحبُ للحبيبِ الأوَّلِ

بقلم: حمدى رزق

 مجلة «المصور» ليست مطبوعة باردة إنها دفتر حياة متدفقة، وفى صفحاتها خطونا، وعلى آرائكها جلسنا، وفى ربوعها حلمنا وفى مرابعها غنينا للحياة وللحب والوطن، «المصور» حياة كاملة، أفراح وأتراح، قصص وحكايات معارك وتحديات، أسماء وأفكار، شيوخ وشباب، وأجيال تسلم أجيالاً.. وأجيال وراء أجيال، وحدها معمرة، أما نحن فتفنى أعمارنا تحت فروعها الظليلة، «المصور» شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء، هل حلم المؤسسون أنها ستعمر طويلاً، يقترب عمرها من المائة ولا تزال شابة قوية عفية مثمرة.

 تاريخها من تاريخ الوطن، ورسالتها من رسالة الوطن، وصفحاتها دفتر أحوال الوطن، صورة الوطن مرسومة ومُصورة فى صفحاتها، إذا تاقت روحك اشتياقاً لصورة الوطن «المصور» ترويك من نبعها، سجل مصر فى «المصور» يكفينى الكلام عند التحدى، كل عام يمر من عمرها يزداد حضورها التنويرى وهى تقترب من عيدها الذهبى، إنها أقدم المجلات المُصورة، و«الهلال» أقدم المجلات الثقافية، لا ينافسهما سوى الأهرام تاريخاً.
«المصور» إن حكت تحكى تاريخ مصر بالكلمة الرشيقة والصورة المُعبرة، تاريخ يستاهل التاريخ؛ وليقيض الله من أبنائها من يؤرخ لسجلها فيضعه فى مكانه المُستحق، مشروع توفر عليه المؤرخ الكبير جمال بدوى رحمه الله بتكليف من عميد الهلالية الكاتب الكبير مكرم محمد أحمد، ولا يزال السجل مفتوحاً لم يكتمل وهى فرصة للتذكير بالمشروع الطموح. 

محظوظ أنا عندما توليت رئاسة تحرير «المصور» من مارس ٢٠٠٩ إلى يونيو ٢٠١٢، جلست على مقعد العظماء وأنا صحفى مغمور، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر: جورجى زيدان وفكرى أباظة وأحمد بهاء الدين ومكرم محمد أحمد، وبينهم حمل الأمانة مقدرون ممن لا تتسع لذكر فضائلهم السطور، علامات حفروا اسمها فى الوجدان المصرى والعربى، أخطأت وأصبت، حاولت، نجحت وأخفقت، لكنى أحببت وأخلصت فى حبى، ولم يغادر حبها قلبى، أفرح لفرحها وأحزن لو مسها الضر، وأقف مدافعاً عن بقائها، ففى بقائها حياة، وأجيال على درجها الرخامى طالعين لوش النشيد لله در الشباب، تجربتى القصيرة فى عمرها الطويل للتاريخ، وسطر من هذا كتبته عندما اصطفيت صدیقی أحمد أيوب لمنصب مدير تحريرها مع رفاق الدرب: سليمان عبد العظيم وعزت بدوى وغالى محمد وحلمى النمنم، كنت أزاوج بين خبرة الشيوخ وطموح الشباب، ولم أكن أدرى أنهم سيخلفوننى تباعاً، خير خلفٍ، كل منهم وضع لبنة فى البناء العظيم، تولى رفاق الدرب المهمة توالياً مشرفاً مخلصاً لاسمها العريق، كل منهم ترك بصمة وحافظوا على التراث العريق لدار تحدت الزمان، وبلغت من العمر قرناً وربع القرن شامخة وجادة فى التنوير، ومن سنن دار «الهلال»: التسليم والتسلم، سابق ولاحق من جيل لجيل، لا يزال بيننا الروائى الكبير يوسف القعيد والكاتب الكبير عبد القادر شهيب، متعهما الله بالصحة ولا حرمنا من إسهاماتهما وهما على الواجب عاكفان، و«المصور» فى طورها الشاب برئاسة أحمد أيوب تخطو بروح شابة وتحلق من حولها الشيوخ والشباب تحلقاً خليقاً بالبقاء، وتحدٍ لموج عاتٍ يضرب أعطاف السفينة العتيقة، تقاوم الأعاصير والتقلبات، وتمخر عباب البحر الهائج، وبوصلتها مضبوطة على شاطئ الأمان، لأنها أكبر عمراً وتاريخاً ورسوخاً من دول ودويلات وأقوى من الزمان، منقوش فى اسمها سر البقاء، أسُست لتبقى وعندما تكالب على قصعتها الأكلة قيض الله لها من شبابها من يقول: «أنا لها»، وتحلق المخلصون من رجالها وسيداتها ليشكلوا كتيبة إنقاذ، فطوبى للمُخلصين. 

«المصور» - 1 نوفمبر 2017

 

إذا كنت لا ترى غير ما يكشف عنه الضوء، ولا تسمع غير ما يعلن عنه الصوت، فأنت لا تبصر ولا تسمع!

جبران خليل جبران