عصام أبوبكر يكتب : الشرع والدروز .. وتنفيذ أجندة إسرائيل 

عصام أبو بكر
عصام أبو بكر


 

من الواضح جدًا أنه كان  هناك دورًا أمريكيًا- إسرائيليًا فى دعم المعارضة السورية لإسقاط حكم بشار الأسد، الذى بدا هشًا إلى درجة أن سرعة انهياره فاجأت حتى أجهزة الاستخبارات والأمن فى واشنطن وتل أبيب. ورغم ذلك، لم يكن الهدف من هذا الدعم إقامة سوريا حرة ومستقلة، بل إعادة تشكيل المشهد السورى والإقليمى وفق أجندات خارجية.

وقد  حاولت إسرائيل  مرارًا استفزاز النظام السورى عبر ضربات عسكرية متكررة استهدفت قلب سوريا، وحزب الله، والفصائل الفلسطينية، وأخرها قصف القوات الحكومية في السويداء وقصف مقر وزارة الدفاع ومحيط القصر الرئاسي  والتدخل لحماية الدروز  فضلًا عن احتلالها جبل الشيخ وهو مكان استراتيجى بامتياز، فهو يطل على ٤ دول عربية هى: سوريا ولبنان والأردن وفلسطين بالإضافة إلى إسرائيل، ويحتوى على منابع المياه فى نهر الأردن، لكن النظام لم يطلق حتى رصاصة واحدة فى الرد. 

إسرائيل أزاحت نظام «بشار الأسد» الداعم الأول لحزب الله والحليف الرئيسى لإيران فى المنطقة وقضى جيش الاحتلال الإسرائيلى على مقدرات الجيش السورى بالكامل عبر قيامة بتنفيذ 350 ضربة جوية قضت على مقدرات الجيش السورى فى 48 ساعة ، ولا تقدم إسرائيل على تصعيد عسكرى دون ذرائع واضحة، وهى دائمًا تبرر هجماتها بمسألة «الأمن القومى وحماية سيادتها فى محيط معادٍ».وقالت وسائل إعلام عبرية نقلا عن مصادر عسكرية إن عملية نتنياهو فى سوريا هدفها إقامة دولة درزية فى سوريا تخضع للحماية الإسرائيلية حسب تعبيرهم

أحداث السويداء سلطت الضوء من جديد علي تفكك واضح في بنيان المجتمع السوري وغياب تام لمشروع وطني جامع. فهناك  سلطة حالية  تتبني أفكار وممارسات ترسخ الطائفية والنزعة الانتقامية وتنبذ مفهوم المواطنة. وهناك  طوائف أخري مثل " الدروز"  فقد من يمثلها من  قيادات سياسية ودينية وكيانات مسلحة فكرة الانتماء للوطن وباتت لديهم رغبات انفاصلية ومستعدين للاستقواء بالخارج، بل وبالكيان  الإسرائيلي نفسه  من أجل تحقيق الانفصال الفعلي، وذلك بدافع أطماع النخب المهيمنة علي هذه الطوائف 
وبدافع أيضا الخوف أيضا من بطش وطغيان حكام دمشق الجدد

أحمد الشرع الذى خلع عباءة «داعش» وارتدى البدلة الرسمية أصبح محط أنظار إقليمية ودولية، لكنه ليس أكثر من أداة للمرحلة الجديدة فى الشرق الأوسط الجديد. القضية لم تكن يومًا ثورة تحررية ضد نظام مستبد، بل كانت إعادة ضبط للنظام الإقليمى وفق المصالح الغربية. والدليل أنه بعد سقوط النظام وتفريغ السجون تم الزجّ بـ40 ألف سورى جديد مكانهم ومن أفرج عنهم لحظة سقوط النظام ليسوا جميعهم سياسيين، بل ضمت السجون أيضًا مجرمين وقتلة

الشرع اليوم، تحت المراقبة الدقيقة من قبل الدول الداعمة له، لكنه ليس مكلفًا ببناء دولة سورية قوية ذات سيادة، أو تحسين معيشة السوريين، أو تحقيق نهضة عمرانية واقتصادية، أو ضمان الحريات وسيادة القانون. بل المطلوب منه تنفيذ أجندة أمريكية-إسرائيلية بامتياز

تركيا أنجزت هدفها الرئيس في الاطاحة ببشار، وتولية حكم يدين لها بكل شئ، وحاكم تعلم وتدرب وتجهز وتسلح علي يد مخابراتها، وأمنت نفسها وحدودها الجنوبية من أي تهديد كردي، ولايهمها من قريب أو بعيد أن تدخل في صدام مع إسرائيل، بل إن التنسيق بينهما هو الأرجح

لذلك لن تكون هناك حرب ضد إسرائيل بل على العكس  من الواضح أن الكيان الإسرائيلي سيتمكن من تحقيق أهدافه فى سوريا دون احتلال دمشق. سيُغلق ملف الجولان، ولن يُشار إليه لاحقًا بوصفه «أرضًا محتلة»، بل ستستحوذ إسرائيل على المنطقة العازلة لصالحها ولن تنسحب منها. كما ستحصل على سلام بارد طويل الأمد، بينما يلتزم النظام السورى بالقضاء على الفصائل الفلسطينية وحزب الله والوجود الإيرانى داخل أراضيه، مقابل بقائه فى السلطة .

وقال الجولانى فى مقابلة مع «تايمز أوف إسرائيل»: «نحن منفتحون على الصداقة مع الجميع فى المنطقة - بما فى ذلك إسرائيل- ليس لدينا أعداء غير نظام الأسد، وحزب الله، وإيران. ما فعلته إسرائيل ضد حزب الله فى لبنان ساعدنا کثیرًا. والآن نحن نعتنى بالباقى».

ورغم أن إسرائيل تقدم نفسها كطرف محايد، لكنها «تشن هجمات مستمرة على مواقع القوات السورية تحت ذريعة استهداف القوات الإيرانية وحماية الدروز ما يعنى وجود «نوايا أمريكية وإسرائيلية لإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالحهم».

ويبدو أن أمريكا تريد أن تستخدم نظام الشرع كوسيلة ضغط على حماس وحركات المقاومة فى «غزة» لتنفيذ مخطط التهجير للفلسطينيين، والذى فشل حتى الآن رغم أنه الهدف الرئيسى لحرب التدمير فى غزة، والذى اتخذت 7 أكتوبر ذريعة لتنفيذه، لذا فمن المُرجح جدًا أن تكون سوريا بعد حكم الإسلاميين بديلًا استراتيجيًا لتحقيق «الوطن البديل» للفلسطينيين بجانب الأردن، حيث يذهب فلسطينين غزة إلى سوريا بعد فشل خطة تهجيرهم إلى سيناء فى حين يذهب فلسطينين  الضفة إلى الأردن.

كما أن سقوط النظام السورى هو امتداد لموجة ما يسمى بـ«الربيع العربى» الذى اندفعت موجته الأولى بإسقاط النظام العراقى، ثم الثانية بسقوط الأنظمة فى تونس ومصر واليمن وليبيا، والرابعة بسقوط النظام السودانى، وهو المخطط الاستراتيجى الذى تم إعلانه رسميًا من جانب الإدارة الأمريكية عقب أحداث ١١ سبتمبر، وهو مخطط كونداليزا رايس «الفوضى الخلاقة» لتفكيك الشرق الأوسط والذى هو امتداد لمخطط «برنارد لويس» عبر تغيير الأنظمة العربية الحاكمة عبر ثورات داخلية والهدف خدمة المصالح الأمريكية الإسرائيلية.

على أن تخلق الثورات الداخلية أنظمة حكم «مختلفة» ذات مذاهب طائفية منها النظام الإسلامى «السنى» فى سوريا والذى سيقوم باحتضان ميليشيات متطرفة لتكوين حرس ثورى سورى «سنى» بجانب الجيش النظامى الذى ستصبح مهمته الأولى حماية الثورة ومجابهة الحرس الثورى الإيرانى «شيعى» ولا مانع أن يبدأ من تنفيذ عملياته القتالية ضد ميليشيات الحشد الشعبى فى العراق لمطاردة فلول إيران الإرهابية، ولا مانع أيضًا من إرسال قوات «الحرس الثورى السورى» إلى اليمن لقتال الحوثيين الشيعة وإنهاء الوجود الإيرانى بالكامل فى المنطقة، وهو هدف رئيسى بتقليم أظافر إيران فى المنطقة لتحجيمها فى محيطها المحلى والقضاء على المشروع الفارسى.

ما يحدث فى سوريا هو تنفيذ مشروع برنارد لويس الصهيونى الأمريكى الذى يتضمن تقسيم الشرق الأوسط إلى أكثر من ثلاثين دويلة إثنية ومذهبية وطائفيه تقتتل بين بعضها البعض لحماية المصالح الأمريكية وإسرائيل. 

ويرى برنارد لويس أن كل الكيانات ستشلّها الخلافات الطائفية والمذهبية، ومن هنا جاءت فكرة القتال بين السنة والشيعة "والدروز فرع من الشيعة"
 بتغذية الخلاف بينهما وتأجيج الفتنة بينهما ويبقى الهدف الاستراتيجى من السماح لـلجماعات الإسلامية من حكم دولة بحجم سوريا هو تكوين «دولة سنية متطرفة» (سوريا) لمواجهة «دولة شيعية متطرفة» (إيران ) وبالتالى تغرق المنطقة فى أمواج صراعات وحروب لا تنتهى،  لتبقى إسرائيل ومعها الغرب فى مأمن من أخطار الشرق «المنكوب».

والمستفيد الأول هو إسرائيل لأنها بهذا ستصرف الأنظار عما يحدث فى غزة ويبعد الضوء عنها رغم أنها هى أصل الصراع وبصمت، وبعيدًا عن الإعلام سيبدأ تهجير الفلسطينيين من غزة فيما يطلق عليها «الحرب الصامتة»، كما سيكون هناك صراع على النفط والمياه والحدود والحكم بين كل هذه الكيانات، وهذا ما سيضمن تفوّق إسرائيل فى الخمسين عامًا القادمة.