يوميات الأخبار

فضيلة تحرير العقل

منصورة عز الدين
منصورة عز الدين


جال بخاطرى أن كل شيء فقد هيبته فى عالم اليوم بما فى ذلك الحروب والخطر النووى!

الاثنين:

فى فبراير 2024، وضمن مهرجان أدبى فى ولاية كيرالا الهندية، شاركت فى ندوة عن تصفية استعمار العقل رفقة السياسى والكاتب الهندى شاشى ثارور والكاتب الكينى كارى بركة وإدارة الأكاديمى الهندى سايان ديى المتخصص فى دراسات ما بعد الاستعمار، والمعروف أن هذه الدراسات مزدهرة فى الهند، ولا عجب فى هذا فى ظل معاناة هذا البلد الثرى متنوع الثقافة طويلًا من الاستعمار.

انصب اهتمام الندوة، كما يتضح من عنوانها، على الآثار الممتدة للاستعمار وكيف يسيطر على العقول بحيث يشوه رؤية الثقافات التى تعرضت له لنفسها فى مواجهة المستعمِر، فقد يحدث أن تتبنى هذه الثقافات رؤية المستعمِر لها، دون حتى الانتباه لذلك. على هذا النحو يقود استعمار العقل إلى نوع من الإضرار النفسى بصورتنا عن أنفسنا، ويحدث هذا بطرق متنوعة، بعضها خافت جدًا ولا يُلاحظ بسهولة. من هنا تأتى أهمية ما يُطلَق عليه «تصفية استعمار العقل»، أى تحريره من الانبهار بثقافة المستعمِر السابق والانسحاق أمامها لدرجة تؤدى إلى تبنى الصور النمطية عن الذات والنظرة الدونية لها. وعملية التحرير هذه يجب أن تكون مستمرة ومصحوبة بوعى نقدى يدرك مزايا الثقافة التى ننتمى لها دون مبالغة أو تهوين ويفكك آليات الثقافة المهيمنة للسيطرة على وعى الآخرين والتلاعب بهم لتحقيق مصالحها وفرض السردية التى تروج لها.

لقد استعدت تفاصيل هذه الندوة والنقاشات التى دارت فيها لأن أوضاع عالم اليوم تخبرنا أن الاستعمار لم ينته، هو فقط غيَّر شكله ووسائله لعقود، ثم كشف عن وجهه القبيح مرة أخرى فى صورة حروب بلا شرعية ولا غطاء دولي، وفى صورة عدم اكتراث بقرارات المنظمات الدولية رغبةً فى فرض سياسات الأمر الواقع والعمل بمبدأ البقاء للأكثر بطشًا.

حين تتحول الحرب إلى مزحة

الثلاثاء:

بينما أتابع، مثل غيري، مجريات الحرب الإسرائيلية الإيرانية الشهر الماضي، جال بخاطرى أن كل شيء فقد هيبته فى عالم اليوم بما فى ذلك الحروب والخطر النووي! لم ينبع هذا عن استهانة منى بالخطورة التى مثلها هذا الصراع على المنطقة كلها، بل على العكس من إدراكى للمخاطر المترتبة على خروج مواجهة مماثلة عن السيطرة، ومن لمسى فى الوقت نفسه استهانة كثيرين بالأمر. إذ كلما فتحت تطبيق تويتر تتالت أمامى التهديدات المتبادلة بين أطراف الصراع وأخبار القصف وصور الركام وسط طوفان من أخبار الفن والموضة وتغريدات يحكى أصحابها طرائف حياتهم اليومية أو حتى نكات مستهينة بما يحدث ومحولة كل شيء إلى مزحة بما فى هذا احتمالية حدوث تسرب نووي.

ذكرنى هذا بما كتبه الفيلسوف الدنماركى سورين كيركجارد فى كتابه «إما أو»، عن حريق شب فى كواليس أحد المسارح، فخرج المهرج إلى خشبة المسرح لتحذير الجمهور، لكنهم تخيلوا أنه يمزح، وأن ما يقوم به فقرة مسرحية، فأخذوا يهللون. وكلما كرر تحذيره تضاعف تهليلهم. وخلص كيركجارد من هذه الحكاية إلى أن العالم سينتهى بنفس الطريقة على وقع تهليل حمقى يظنون أن الكارثة المحدقة بهم مجرد مزحة.

لستُ هنا فى وارد إدانة أحد أو الحكم على ممارسات ما، كل ما فى الأمر أن هذه اللحظة العبثية التى يشهدها العالم فى حاجة إلى مزيد من الفهم والتحليل، ولا سبيل لهذا إلّا عبر إدراك أن الأدوات القديمة غير صالحة لمقاربة ملامح عالمنا الجديد الذى تسود فيه قوانين الواقع الافتراضى بكل ما تحمله من فوضى وتناقضات.

تطبيع التوحش

الأربعاء:

يمر العالم حاليًا بلحظة مشابهة للحظة انهيار عصبة الأمم بسبب عدم فاعليتها فى حفظ السلام العالمى وتجاهل القوى الكبرى لقراراتها ودورها وقتذاك، وهو أمر قريب إلى حد بعيد من عجز الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها عن فض النزاعات أو منع جرائم الحرب فى وقتنا الراهن. وقد اتضح هذا العجز بجلاء فى حالة الإبادة الجماعية التى ترتكبها إسرائيل فى غزة، فمعاناة القطاع تتواصل، وكلما تضاعفت هذه المعاناة تتقوض بنود القانون الدولي، ومعها القواعد الحاكمة للمجتمع الدولى على مدار عقود.

منذ اليوم الأول لهذا العدوان البربري، فتحت غزة عيوننا على أكاذيب كثيرة وأظهرت النزعات العنصرية المتأصلة فى دوائر صنع القرار فى الغرب، لكنها بينت لنا بالمثل أنه رغم السعى لتطبيع التوحش والرغبة فى تعويدنا عليه، من جانب من يرتكبون هذه الإبادة ومن يؤيدونها، فإن الغالبية العظمى من الشعوب فى عالمنا لم تتوحش بعد وترفض التخلى عن إنسانيتها، حيث هناك نبلاء من كل بقاع الأرض ومن مختلف الأعراق والأديان مستعدون لدفع ثمن تضامنهم اللامحدود مع غزة وأهلها؛ لأنهم يدركون أننا حين نفعل هذا، فنحن نتضامن بالقدر نفسه مع أنفسنا، مع إنسانيتنا، بخلاف أننا عبر هذا نقاوم فكرة تحويل عالمنا إلى غابة أكثر توحشًا من موطن الضوارى والضباع. يبقى فقط أن ينعكس هذا التضامن على أوضاع الفلسطينيين فتنتهى معاناتهم ويدفع المجرمون ثمن جرائمهم.

تخريب النفوس

الخميس:

لا تتوقف بشاعة الحرب على تدميرها للبشر والحجر، بل تمتد إلى تخريب النفوس أيضًا وكشفها عن الخراب المستشرى فى مجتمع ما. أتذكر أنه فى بدايات الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، كتبت لى صديقة أوكرانية أن بلدها فى لحظته تلك يشبه تيتانيك؛ من حيث وجود من لا يترددون فى الدوس على الآخرين للنجاة بأنفسهم. ما دفعها لقول هذا أن أقرب أصدقائها فروا من المدينة دون إخبارها رغم وجود مقعد شاغر فى سيارتهم! لم تكن ترغب فى الهرب، لكنها صُدِمَت من سلوكهم ولم تصدق أنهم فعلوا هذا. قالت إنها لم تنم منذ أيام وتعانى من انهيار عصبى انعكس على جسدها فى صورة آلام لم تختبرها من قبل، وإنها وكل من بقوا فى المدينة يشبهون حمامة مدماة تُركت، قبل الحرب بأيام، للموت عالقة فى المسافة بين بلكونتها وبلكونة الجيران.

التقوقع فى الماضي

الجمعة:

عندما اختيرت الثقافة العربية ضيف شرف معرض فرانكفورت الدولى للكتاب عام 2004، ومع غلبة الأجيال الأكبر على المشاركة الرسمية، حرصت المؤسسات الثقافية الألمانية على دعوة عدد من الكتاب العرب الشباب للمشاركة فى جولات أدبية توزعت على أكثر من مدينة ألمانية وانتهت فى معرض فرانكفورت للكتاب. حدث هذا فى محاولة لإحداث درجة من التوازن بين الأجيال المختلفة وبسبب الوعى بأن الشباب هم المستقبل، ولا يمكن التعرف بعمق على ثقافة ما دون الاقتراب من ممثلى مستقبلها.

وخلال جولة أدبية شاركت فيها فى عدة مدن بريطانية فى 2006، لاحظت أن كل المسئولين الثقافيين الذين التقيت بهم هناك من الشباب؛ بعضهم كان فى نهاية عشرينياته ويدير أهم الجهات الثقافية البريطانية باقتدار يكفى الاطلاع على نوعية الأنشطة الأدبية التى ينظمها والأسماء المشاركة فيها للتأكد منه. الانطباع الذى خرجت به وقتها أننى أمام ثقافة حيوية ومتجددة تحتفى بالكفاءة والابتكار بمعزل عن أى شيء آخر، ولا تتقوقع فى الماضى بحجة تقدير الخبرة.

مؤكد أن الخبرة مطلوبة، لكن من المهم الموازنة بينها وبين تجديد الدماء ومنح الفرصة للأجيال الجديدة بما تمتاز به من قدرة أكبر على فهم عصرها والتفاعل مع مفرداته وأدواته، وإلا سنظل عالقين فى الأمس.