خواطر الأمام الشعراوى | الحى الأعلى

خواطر الشعراوى
خواطر الشعراوى


يواصل الشيخ الشعراوى خواطرة حول الآية 254 من سورة البقرة قائلا: إن أردت الحياة بالمعنى الواسع الدقيق فلابد أن تقول: الحياة هى أن يكون الشيء على الصفة التى تبقى صلاحيته لمهمته هذا هو ما يجب أن يكون عليه التعريف، ف ﴿الحي﴾: هو الذى يكون على صفة تُبقى له صلاحيته لمهمته، مثال ذلك النبات، مادمت تجده ينمو، إذن ففيه حياة تبقى له صلاحية مهمته فلو قطع لانتهت الصلاحية ومثال الإنسان عندما يموت تنتهى صلاحيته لمهمته، والعناصر الجامدة عندما تأتى مع بعضها تتفاعل، هذا التفاعل فرع وجود الحياة، لكنها حياة مناسبة لها وليست مثل حياتنا.

أنت مثلًا ترى «الزلط» الناعم الأملس، تجده على مقدار واحد؟ لا، إن أشكاله مختلفة، وهذا دليل على أن هناك مراحل للحجر الواحد منها، ولو استمرت تلك الأحجار فى بيئتها الطبيعية فلا شك أن هذه الكبيرة تتفتت يومًا وتصير صغيرة ثم تكبر مرة أخرى، لكن الإنسان حين يستخدم هذه الأحجار تكون قد خرجت من بيئتها ومن حكمة الله أنه لا يوجد شيء تنتهى جدواه أبدًا، بل هو سبحانه يهيئ لكل شيء مهمة أخرى.

اقرأ أيضًا | خواطر الشعراوى| أسماء الله الحسنى

إذن فكل كائن يكون على صفة تُبقى له صلاحيته لمهمة، وتكون له حياة مناسبة لتلك المهمة. نحن لا نأتى بهذا الكلام من عندنا، ولكننا نأتى بهذا الكلام لأننا نقرأ القرآن بإمعان وتدبر، ونقول: ماذا يقابل الحياة فى القرآن؟ إنه الهلاك بدليل أن الله قال: «لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ويحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ» «الأنفال: ٤٢».

إذن فالحياة مقابلة للهلاك و﴿الحي﴾ غير هالك. والهالك لا يكون حيًا، ويقول تعالى فى الآخرة: «كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ» «القصص: ٨٨».

ومعنى ذلك أن كل الأجناس من أعلاها إلى أدناها، سواء الإنسان، أو الملائكة، أو الحيوان أو النبات، كلها ستكون هالكة، ومادام كل شيء سيهلك يوم القيامة فكأنه لم يكن هالكًا قبل ذلك، وله حياة مناسبة له. أليست الحجارة شيئًا، وستدخل فى الهلاك يوم القيامة؟ إذن فهى قبل ذلك غير هالكة لكننا نحن البشر لا نفطن إلى ذلك ونفهم الحياة فقط على أنها الحس والحركة الظاهرة مع أن العلماء قد أثبتوا أنه حتى الذرة فيها دوران، ولها حياة وأنت عندما تنظر بالمجهر على ورقة من النبات، وترى ما بها من خضر وخلايا، وتشاهد العمليات التى تحدث بها، وتقول: هذه حياة أرقى من حياتنا، وأدق منها.

إذن فكل شيء له حياة، إياك أن تظن أنك أنت الذى تهلكها، فعندما تأتى بحجر وتدقه أو تضعه فى الفرن لتصنع الجير؛ إياك أن تقول: إنك أذهبت من الأحجار الحياة المناسبة لها، أنت فقط قد حولت مهمتها من حجر صلب، وصارت لها مهمة أخرى، فالمسائل تتسلسل إلى أن يصير لكل شيء فى الوجود حياة تناسب المهمة التى يصلح لها.

وانظر إلى مهمة الحق، ما شكلها؟ إنها الحياة العليا، وهو الحى الأعلى وحى لا تُسلب منه الحياة، لأن أحدا لم يعطه الحياة، بل حياته سبحانه ذاتية، فهذا هو الحى على إطلاقه.

إذن فالحى على إطلاقه هو الله والحق سبحانه وتعالى قال:»الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي» وأثر صفة هذه موجود فى كل الصفات الأخرى فقال: ﴿القيوم﴾ . والقيوم هو صفة مبالغة فى قائم. ومثلها قولنا: «الله غفور» لكن ألا يوجد غافر؟ يوجد غافر، لكن «غفور» هى صفة مبالغة.

وقد يقول قائل: هل صفات الله فيها صفة قوية وأخرى ضعيفة؟ . نقول: لا، فصفات الله لا يصح أن توصف بالضعف أو بالقوة، صفات الله نظام واحد. وحتى نفهم ذلك فنضرب هذا المثل ولله المثل الأعلى نحن نقول: كلنا نأكل كى نستبقى حياتنا، فكل واحد منا «آكل»، لكن عندما نقول: فلان أكول، فمعنى ذلك أنه أخذ صفة الأكل التى كلنا شركة فيها وزاد فيها فنقول عليه: «أكّال» أو «أكول» .

من أى ناحية تأتى هذه الزيادة؟ قد تأتى الزيادة من أنك تأكل فى العادة رغيفًا وهو يأكل رغيفين أو ثلاثة، إذن فالحدث له فى الأكل أثر كبير، فنقول عليه: أكول. وقد يأكل معك رغيفا فى الوجبة الواحدة، لكنه يأكل خمس وجبات بدلا من ثلاث وجبات؛ فيكون أيضا أكولا، إذن ف «أكول» إما مبالغة فى الحدث نفسه وإما بتكرار الحدث.