رؤيتى

رسالة طمأنة للمستأجرين

حمدى كامل
حمدى كامل


ما بين الحق المشروع للمالك في استرداد ملكه، وحق المستأجر في الأمان السكني، طال أمد الخلاف واحتدم الجدل، لكن القانون الجديد للإيجارات القديمة، الذي أقره مجلس النواب أخيرًا، جاء ليفتح نافذة لحل منصف يراعي الواقع، ويحترم التاريخ، ويضع حدًا للتشوهات التي علقت بسوق العقارات لعقود طويلة.

ومع بداية التحرك التشريعي الجاد، انطلقت على الجانب الآخر آلة القلق الشعبي: هل سيُلقى الناس في الشوارع؟ هل فقد كبار السن والمستضعفون مظلتهم الآمنة؟ لكن الدولة، ممثلة في الحكومة، كانت واضحة في رسالتها: لا طرد لمواطن من مسكنه دون بديل كريم يليق به.

لأكثر من ستين عامًا، شكّل قانون الإيجار القديم أحد أعقد الملفات الاجتماعية والاقتصادية في مصر. تآكلت العلاقة بين المالك والمستأجر، وذبلت قيم العدالة، وتحولت آلاف الوحدات السكنية إلى جمود عقاري، لا تعود بالنفع على أحد.

لكن تحريك المياه الراكدة تطلّب شجاعة تشريعية، ورؤية سياسية، وواقعية تنفيذية. وهو ما بدا جليًا في مناقشات البرلمان، التي لم تخلُ من التوازن والحذر، وحرصت على حماية المستأجرين الأصليين، خصوصًا الفئات الأكثر هشاشة من كبار السن ومحدودي الدخل، في مقابل استرداد المالكين لحقوقهم المهملة.


لم يكن من السهل تمرير هذا القانون لولا تعهُّد واضح من الدولة: لا خروج قسري من أي وحدة سكنية، ولا إجراء دون وجود بديل حقيقي. تلك لم تكن مجرد وعود، بل تم تكليف الحكومة فورًا بإعداد برنامج إسكان متكامل خاص بالمستأجرين المتأثرين، عبر صندوق الإسكان الاجتماعي، بحيث تكون الوحدات البديلة جاهزة قبل انتهاء مهلة السنوات السبع التي يمنحها القانون الجديد.

وتجلّى حرص الدولة في أول اجتماع عاجل عُقد بمجرد إقرار القانون، ضم وزراء الإسكان والتنمية المحلية والتواصل السياسي والخبراء المعنيين، لوضع الآليات التنفيذية وتحديد المعايير والضوابط العادلة لتخصيص هذه الوحدات.

أحد أهم أدوات هذا التحرك كان الإعلان عن إطلاق منصة إلكترونية موحدة خلال شهر على الأكثر، تُسجَّل من خلالها بيانات المستأجرين، ويُفتح باب التقديم لمدة ثلاثة أشهر. الهدف؟ ليس فقط الحصر العددي، بل التقييم النوعي، والتمييز بين من يستحق الدعم فعليًا، ومن استمر في الانتفاع لعقود رغم قدرته على التملك أو امتلاك وحدة أخرى.

سيُجرى بحث اجتماعي وميداني شامل، ويُراعى في التخصيص عدم امتلاك المستفيد لأي وحدة أخرى، أو حصوله على دعم سكني من قبل. كما لن تُجرى قرعة، بل ستكون الأولوية لمن تنطبق عليه الشروط بوضوح، في رسالة تؤكد جدية الدولة في إنصاف مستحقي الدعم دون تمييز أو استثناءات.

ما يُحسب للحكومة أنها لم تطرح تصورًا جامدًا للوحدات البديلة، بل أعلنت بوضوح أنها ستكون متاحة وفق أنماط متعددة: من الإيجار إلى التمليك، مرورًا بالإيجار التمويلي، وكلها مدعومة بمشروعات الدولة المختلفة، وعلى رأسها برنامج الإسكان الاجتماعي.

حتى المواطنين الذين يرغبون في وحدة بمستوى أعلى من الإسكان الاجتماعي، سيتم إدراج طلباتهم ضمن مشروعات الإسكان القومي، وفقًا لمستوى الدخل وشروط التخصيص، دون إخلال بمبدأ العدالة أو سقف الدعم الممنوح.


القلق مشروع، لكن الإجراءات تطمئن. والشكوك مفهومة، لكن الرسالة الرسمية كانت حاسمة: الدولة لن تُخلي منزلًا دون أن تفتح بابًا آخر أكثر أمانًا وكرامة. ليست هذه أول مرة تدخل فيها الدولة معركة الإسكان. سبق أن واجهت التحدي في ملف المناطق العشوائية وغير الآمنة، ونقلت مئات الآلاف من الأسر إلى مساكن تليق بالمواطن المصري.

اليوم، يتكرر المشهد. لكن هذه المرة، ليس من قلب العشوائيات، بل من داخل وحدات صارت رمزية لمعادلة عمرها أكثر من نصف قرن. المعادلة تتغير الآن، ومن حق الجميع أن يطمئنوا: هناك قانون، وهناك دولة، وهناك بدائل قيد الإنشاء، وهناك نية صادقة لعدم ترك أحد خلف الركب.