إنها مصر

النار لا تختار !

كرم جبر
كرم جبر


أتذكر أننى سألت رئيس مجلس الشورى الأسبق المرحوم صفوت الشريف، لماذا دمرت النيران تماماً جزءاً كبيراً من مبنى مجلس الشورى، ولم تقترب من مبنى مجلس النواب الملاصق، فرد بعبارة بليغة «النار لا تختار».
ووقتها١٩أغسطس ٢٠٠٨، سرت الشائعات أسرع من ألسنة اللهب تروج لفكرة المؤامرة، ودمرت النيران دورين بالكامل، والأسقف الخشبية من العصر الملكى، وبعض الوثائق والمضابط، واستمرت ١٥ ساعة، وشارك فى الإطفاء عدد كبير من طائرات الهليكوبتر وسيارات المطافئ.
ولم تتوصل التحقيقات التى استمرت فترة طويلة إلى مؤامرة أو أصابع خفية، وإنما ماس كهربائى كبير، بسبب تهالك التوصيلات وشدة حرارة الجو فى أغسطس، والمهم هو الإسراع بتأهيل المبنى وإعادته أفضل من صورته الأولى، وإعادة افتتاحه فى احتفال كبير.
وتذكرت الحريق الهائل الذى دمر دار الأوبرا الخديوية بالكامل فى ١٨ أكتوبر١٩٧١ بميدان العتبة، والشائعات التى ربطت بين الحريق وسرقة وثائق ومستندات ومقتنيات مهمة، وهو على بعد خطوات من مطافئ العتبة الشهيرة.
وطالت النيران المبنى الخشبى بالكامل وخشبة المسرح والحوائط والمخازن، والمناظر والأزياء والنوتات الأصلية مثل مخطوطة أوبرا «عايدة» بخط فردي، والآلات الموسيقية والديكورات.
واختفى المبنى من الوجود، وحل محله جراج سيارات أضاف قبحاً إلى المنطقة الرائعة التى كانت تشهد أروع الأعمال الفنية، وفى نهاية التحقيقات الطويلة تم تعليق الاتهامات فى رقبة الماس الكهربائى، وغابت مصر عن المشهد الأوبرالى حتى افتتاح المبنى الجديد فى أكتوبر ١٩٨٨.
وأتذكر أيضاً «فأر السبتية»، وهو تعبير تهكمى ساخر لتفسير بعض الحرائق الغامضة فى الثمانينيات، التى شبت فى العديد من المخازن والورش فى منطقة السبتية، وكانت الصحافة تستخدم هذا التعبير كنوع من الاحتجاج على عدم ظهور فاعل حقيقى، واتضح بعد ذلك أن الأسباب ترجع إلى الصيانة وتآكل الوصلات الكهربائية.
وأتابع كغيرى أخبار الحرائق مؤخراً على وسائل التواصل الاجتماعى، خصوصاً حادث سنترال رمسيس، ولى بعض الملاحظات:
لا أميل إلى تصديق نظرية المؤامرة، وأن وراءها أصابع خفية، ما لم يصدر بيان من جهات التحقيق، وفى مصر أجهزة أمنية قوية ونافذة، وفى استطاعتها أن تصل لذلك إذا حدث.
مخطئ من يتصور الأجهزة الأمنية لا ترصد كل شيء وتتابع أدق التفاصيل، وإذا كان هناك أى اتهامات أو تقصير، تتولى النيابة العامة تحقيقها وإعلان نتائجها على الرأى العام، دون الوقوع تحت ضغوط سوشيال ميديا والاتهامات المرسلة.
والملاحظ أن وسائل التواصل الاجتماعى تضخم كثيراً من بعض الحوادث أكثر من حقيقتها، وبعضها ينشر صوراً قديمة على أنها طرائق جديدة، وبعضها بحسن نية لمتابعة الموقف، وبعضها بسوء نية للإيحاء بأن الأوضاع متدهورة، وأن الحرائق وراءها فاعل مجهول، لضرب أجواء الاستقرار .