سميحة شتا
لم يكن أكثر المتفائلين أو المتشائمين يتوقع أن يكون سقوط نظام بشار الأسد فى الثامن من ديسمبر الماضى ، وأن يصل حجم التغيير فى سوريا بهذه الصورة وبذلك المستوى خاصة بعد الانهيار السريع للنظام على أيدى قوات المعارضة المسلحة التى سعت إلى إعادة هيكلة الدولة وسط تحديات كبيرة نظرا للتركيبة السكانية للبلاد وتعدد الأعراق والقوميات والمذاهب بالإضافة إلى حجم التدخلات الخارجية نتيجة الصراع فى البلاد بعد مارس ٢٠١١ بين فصائل المعارضة والحكومة الذى ترك آثارا مدمرة على كل مناحى الحياة فى البلاد اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، كما واجهت الحكومة العديد من الأزمات نتيجة تعدد التنظيمات المسلحة بمحاولة تشكيل جيش وطنى يضم عناصر منها وقصر السلاح على الدولة، كما واجهت حالة انفلات أمنى كبيرة فى العديد من المدن والبلدات بفعل وجود عناصر النظام السابق بالإضافة إلى أن التغيير قد يكون على الصعيد الخارجى وهو الأبرز. فقد عانت سوريا من اعتداءات إسرائيلية بدأت مع الساعات الأولى لسقوط النظام ولم تتوقف حتى الآن فى الوقت الذى تشير العديد من التقارير إلى أن البلدين وبرعاية أمريكية فى طريقهما إلى عقد اتفاق سلام بينهما رغم التصريحات الرسمية بأن الأمر سابق لأوانه، كما شهدت سوريا تحالفات جديدة مختلفة تماما عن تلك التى سادت طوال العقد الماضى كانت مع روسيا ومن قبلها إيران هما الأكثر تأثيرًا فى المشهد إلا أن لقاء الرياض بين الرئيس الأمريكى ترامب مع أحمد الشرع الرئيس السورى المؤقت برعاية سعودية فقد اكتسب النظام الجديد شرعية مكنته من التحرك على المستوى العربى والإقليمى والدولى فبرزت على الساحة علاقات استراتيجية مع سوريا الجديدة ودول الخليج مضافة إلى الدور التركى.
بعد ستة أشهر على سقوط نظام بشار الأسد، دخلت سوريا مرحلة جديدة من تاريخها السياسي، حيث بدأت ملامح النظام الجديد تتضح تدريجيًا، سواء من حيث تركيبته الداخلية أو توجهاته الخارجية.
اقرأ أيضًا | سوريا تعلن القبض على معاون مدير سجن صيدنايا في ريف طرطوس
فعلى الصعيد الداخلي، يواجه النظام الوليد تحدياتٍ مُعقدة تتعلق بإعادة هيكلة مؤسسات الدولة، وبناء شرعية جديدة تستند إلى الإرادة الشعبية، ومعالجة ملفات حساسة مثل: العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية. أما على المستوى الخارجي، فقد شرع فى إعادة صياغة علاقاته الإقليمية والدولية، فى محاولة للانتقال من مرحلة العزلة والصراع إلى مرحلة الانفتاح والحوار، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطنى وسط شبكة من الضغوط المتباينة. وبين آمال التغيير ومخاوف الانزلاق، تبدو سوريا أمام لحظة تاريخية حاسمة ستحدد ملامح مستقبلها لعقودٍ قادمة.
لقد بذلت السلطات الجديدة فى دمشق جهودًا حثيثة لترسيخ سلطتها، وتحقيق الاستقرار فى البلاد، وإطلاق عملية انتقال سياسي، وإن كانت نتائجها متباينة. ففى 29 يناير، أُعلن الشرع رئيسًا مؤقتًا فى «مؤتمر نصر» حضرته حصريًا الفصائل المُسلحة التى ساعدت هيئة تحرير الشام فى إسقاط النظام السابق. ثم حلّت الهيئة والفصائل الأخرى نفسها، إلى جانب جميع قوات الأمن فى عهد الأسد، ممهدة الطريق لتشكيل جهاز أمنى جديد. فى فبراير، عقدت الحكومة المؤقتة مؤتمرًا للحوار الوطني، كان يهدف إلى إطلاق عملية سياسية شاملة، لكنه لم يرقِ إلى مستوى التوقعات.
وفى 13 مارس وقّع الرئيس المؤقت الشرع إعلانًا دستوريًا، مُرسيًا بذلك الإطار القانونى لفترة انتقالية مدتها خمس سنوات، ومُرسّخًا بذلك قبضته على السلطة. وفى صياغة الإعلان الدستوري، استجابت السلطات لمُقترحات الأمم المتحدة، لا سيما تلك المتعلقة بحقوق الإنسان.
وأشار إعلان الحكومة الجديدة فى 29 مارس إلى استعداد القادة الجدد لإشراك شريحة أوسع من السوريين فى الحكم. وتضم الحكومة الجديدة ممثلين عن الأقليات العلوية والمسيحية والإسماعيلية والكردية والدُرزية فى البلاد، إلى جانب شخصيات من المجتمع المدنى وتكنوقراط وأشخاص شغلوا مناصب وزارية فى حكومات الأسد قبل الحرب الأهلية. ومع ذلك، وبينما يبدو التشكيل الأوسع واعدًا، فقد حصل المقربون من الشرع على حقائب الداخلية والخارجية والدفاع والعدل والطاقة أى تلك التى تتمتع بأكبر قدر من السلطة التنفيذية.
وأدى العنف الذى شهدته المناطق الساحلية والوسطى فى سوريا مطلع مارس إلى تراجع مكانة الحكومة داخل البلاد وعلى الساحة الدولية. ففى السادس من مارس، شنّ المتمردون الموالون للأسد هجماتٍ مُنسقة على قوات الأمن الحكومية المُشكّلة حديثًا فى المدن الساحلية، واستهدفوا سيارات مدنية على الطريق السريع الممتد من اللاذقية، وهى مدينة ساحلية على البحر الأبيض المتوسط، إلى إدلب فى شمال غرب البلاد. دفع ارتفاع عدد الضحايا دمشق إلى إرسال تعزيزاتٍ كجزء من هجوم مضاد، شملت فصائل مسلحة اندمجت اسميًا فى الجيش الجديد ، لكنها احتفظت بقيادة وسيطرة مستقلتين. كما انضمت عصابات من لجان الأمن الأهلية إلى المعركة. وفى الأيام التى تلت ذلك، شنّت عناصر غير منضبطة من المجموعتين الأخيرتين حملة قتل فى قرى وأحياء فى محافظات: اللاذقية وطرطوس وحماة، انتقامًا، حسبما ورد، لجرائم نظام الأسد، التى يُحمّل بعض السوريين العلويين مسئوليتها جماعيًا.
لكن تحديات الحكومة أعمق بكثير من مجرد ضمان المساءلة عن الجرائم التى ارُتكبت فى مارس. فقد أبرزت الفظائع التى ارتكبتها القوات الموالية للدولة ثغراتٍ كبيرة فى سيطرة دمشق على الفصائل المُسلحة المتحالفة معها. كما سلطت الضوء على أنه بحل قوات الأمن القديمة، خلقت الحكومة الجديدة مشكلة جديدة وهى إخراج آلاف الرجال المتضررين ذوى الخبرة القتالية وسهولة الوصول إلى الأسلحة من العمل. ومع قلة فرص العمل، شكلوا مجموعة جاهزة من المجندين يمكن للموالين للنظام السابق الاستفادة منهم فى التمردات والتمردات المُحتملة. ومع ذلك، فإن دمج هذه العناصر غير المنضبطة، التى أصبحت الآن جزءًا من قوات أمن الدولة، فى قوة متماسكة تخضع للانضباط المناسب سيكون صعبًا طالما أن الدولة، المُقيدة بالعقوبات، تكافح لتغطية رواتب القطاع العام، مما يترك العديد من الرجال الذين يحملون أسلحة يعتمدون على مصادر دخل أخرى.
إن غياب القيادة والسيطرة الحاسمة لدى العناصر المُسلحة التابعة للحكومة قد يُؤدى بسهولة إلى موجات عنف جديدة. فى أواخر أبريل، تصاعدت هجمات الجماعات المُسلحة الموالية للحكومة على ضواحى دمشق ذات الأغلبية الدرزية والتى اندلعت شرارتها بعد تسجيل صوتى يُسيء للنبى محمد صلى الله عليه وسلم، زُعم أن شخصية قيادية درزية نشرته بسرعة إلى قتال عنيف. وصلت الاشتباكات إلى محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية فى الجنوب، مُسفرةً عن مقتل أكثر من 100 شخص على مدار ثلاثة أيام. وبينما هدأت الاضطرابات فى نهاية المطاف، أبرز تطور الأحداث مدى سرعة تحول التوترات المحلية إلى عنف واسع النطاق.
ويُشكّل الوضع الأمنى تحدياتٍ خاصة للنساء، اللاتى غالبًا ما تُقيّد حركتهن، ويتعرّضن لحوادث اعتقال تعسفى ومضايقاتٍ متزايدة.
فى ظلّ غياب استجابة حكومية فعّالة، غالبًا ما تلجأ العائلات إلى وسائل التواصل الاجتماعى للمطالبة بعودة بناتهن المفقودات.
ومع ذلك، قد تُعرّض هذه المناشدات العامة النساء وأقاربهنّ لمزيد من المضايقات. كما تحرّك بعض المسئولين المحليين بشكلٍ مستقلّ لتطبيق تدابير تُقيّد تواجد النساء فى بعض الأماكن العامة وأماكن العمل، أو تُفصل الرجال عن النساء فى الحافلات والمستشفيات والمحاكم. وفى معظم الحالات، تراجعت السلطات عن هذه التدابير فى أعقاب احتجاجاتٍ شعبية.
وعلى صعيد العلاقات الخارجية، فبعد سقوط نظام بشار الأسد، شهدت سوريا تحولًا جذريًا فى علاقاتها الدولية، حيث بدأت مرحلة جديدة من الانفتاح الدبلوماسى والاقتصادي، مدفوعة بتغيرات إقليمية ودولية. وقد أدى انهيار النظام السابق إلى تسريع وتيرة إعادة العلاقات الدبلوماسية مع عدد من الدول، ومع تسارع مجموعة من الدول لإعادة فتح سفاراتها فى دمشق، وإعلان دعمها للحكومة الانتقالية بقيادة الشرع.
وتقف سوريا اليوم على مفترق طرق حاسم بين فرصة بناء دولة جديدة ومخاطر الانزلاق إلى فوضى جديدة. فعلى الرغم من بعض الخطوات الرمزية نحو الانتقال السياسى والانفتاح الخارجي، لا تزال البلاد تواجه تحدياتٍ داخلية عميقة، أبرزها : ضعف السيطرة الأمنية، وانعدام الثقة بين مكونات المجتمع، وصعوبة بناء مؤسسات شرعية وفاعلة. كما أن استمرار النفوذ الموروث من الجماعات المُسلحة، والتوازنات الهشة داخل الحكومة الانتقالية، وتفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، تضع مستقبل البلاد فى مهب الريح.
اختبار صعب للهدنة| ضربات أمريكية - إيرانية متبادلة.. وأضرار بمطار الكويت
تصعيد بلا توقف| مايو الأكثر دموية فى غزة منذ بداية العام
ثلاثية حرب لبنان| مفاوضات.. مخطط إسرائيلى للجنوب.. وانزعاج أمريكى من تل أبيب







