من الظلم ألا نعطى لعائلة محمد على باشا مؤسس مصر الحديثة ما تستحقه من تكريم وتقدير، فمن سلسال هذه العائلة من يستحق الإشادة لما قدموه من أعمال لصالح مصر والمصريين بما يذكره التاريخ ولا ينكره أحد، ومنهم من خاب ظن المصريين فيهم وحفظوا لهم الكراهية والعداء، ومنهم: الخديو عباس حلمى الأول ربيب الاحتلال، بينما أحب أهل المحروسة الخديو عباس حلمى الثانى الذى كان شوكة فى حلق المُحتل وتم نفيه بمؤامرة دنيئة، وظل أهل مصر على محبتهم له وكانوا يرددون «الله حى.. عباس جاى» أملاً فى عودته للحكم، ويحفظ أهل مصر بكُتّابها وعلمائها ومفكريها كل محبة وتقدير لسمو الأميرة فاطمة إسماعيل التى لولاها ما كانت جامعة فؤاد الأول التى تغير اسمها إلى جامعة القاهرة حالياً.
اقرأ أيضًا| كنوز| نزار قبانى يعشق الحب ويرفض العُهر والابتذال
تقول الأوراق المتاحة فى كافة المطبوعات القديمة: إن الأميرة فاطمة إسماعيل جاءت للدنيا فى يوم لا نعرفه من أيام شهر يونيو 1853، وهى ابنة الخديو إسماعيل، ووالدتها هى الأميرة «شهرت فزا هانم» إحدى زوجات الخديو إسماعيل، وقد تميزت عن بقية أخواتها الأميرات والأمراء بأنها محبة للثقافة والعلم والتعليم، وكان لها صالونها الثقافى الذى يحضره كبار الأدباء والعلماء والمفكرين فى زمانها واتسم صالونها بالجرأة فى طرح ومناقشة قضايا الوطن والإيمان بأفكار الحركة الوطنية التى كانت تناهض الاحتلال وتطالب برحيله عن البلاد.
تزوجت الأميرة فاطمة من الأمير طوسون بن محمد سعيد باشا والى مصر عام 1871، ووضعت على رأسها فى حفل زفافها تاجًا من ألماس ثمنه 40000 جنيه .. وكان فستانها من الحرير الأبيض الفرنسى الثمين المُرصع بأغلى أنواع اللؤلؤ والألماس ويبغ طول ذيله 15 مترًا، وأنجبت الأمير جميل والأميرة عصمت، وبعد وفاة زوجها الأول تزوجت من الأمير محمود سرى باشا عام 1876 وأنجبت منه ثلاثة أولاد وبنتًا، وذاعت شهرة امتلاك الأميرة لكثير من الحلى والمجوهرات الثمينة والرائعة التى كان يقوم بحملها عدد من الخدم، وكانت ملابسها مُرصعة بكمية كبيرة من الأحجار الكريمة، وكان حبها للعلم والثقافة والتعليم هو ما يميزها عن بقية أبناء الأسرة الإسماعيلية، وعُرف عنها حرصها الشديد على المساهمة فى أعمال الخير ورعاية «الثقافة والعلم والتعليم» وكانت ترى فى هذا المثلث السبيل الأسرع والأرقى فى نهضة الأمة والأخذ بيد أبنائها للحاق بعالم المعرفة التى تُكسب العقول حرية التفكير والنقد والإبداع بعيداً عن أسلوب التلقين والركون للقضاء والقدر.
اقرأ أيضًا| كنوز| 96 شمعة يضيئها عشاق الأسطورة الموعود بالعذاب والمجد
وعلى سبيل المثال فما أن عرفت الأميرة فاطمة إسماعيل عن طريق طبيبها الخاص الدكتور محمد علوى باشا أن هناك مجموعة صعوباتٍ تعرقل مشروع قيام الجامعة الأهلية فى العاصمة المصرية، وقد شرح لها كل المعوقات بالتفصيل وما تقوم به الحركة الوطنية لتذليل بعضها فى سبيل تحقيق العلم المنشود ورعاية العلماء الأفاضل الذين درسوا بالخارج وعادوا ليقدموا ما حصلوه من علوم لأبناء الوطن فى جامعة كبيرة، تفهمت سمو الأميرة فاطمة أن العقبة الأساسية تنحصر فى التمويل المالى وإيجاد الأرض التى ستُقام عليها الجامعة بتوسعاتها فى المستقبل، فقررت وقف مساحة 6 أفدنة من أراضيها تبرعاً منها لإقامة مبنى الجامعة الأهلية - جامعة فؤاد الأول التى تحول اسمها لجامعة القاهرة حالياً - ووهبت مجوهراتها الثمينة للإنفاق على تكاليف بناء الجامعة ،عندما تم إبلاغها بتوقف البناء فى كلية الآداب، وأوقفت للجامعة 661 فداناً من أجود الأراضى الزراعية بمديرية الدقهلية، من ضمن 3357 فداناً خصصتها للإنفاق على مشاريع البر والإحسان، وجعلت للجامعة من صافى ريعها «3357 فداناً و4 قراريط و14 سهماً» 40 % بعد خصم استحقاقات ومرتبات يبلغ مجموعها 5239 جنيهاً كل سنة، وقُدر إيراد هذه الوقفية لميزانية الجامعة بمبلغ 4000 جنيه سنوياً.
سمو الأميرة التى وصفها كبار الكتاب والمفكرين والعلماء بأنها «أم العلم والتعليم» أكدت أنها سوف تتحمل من مالها الخاص سائر تكاليف بناء الجامعة وتوسعاتها التى قُدرت وقتها بمبلغ 26 ألف جنيه، وسلمت مجواهرتها وحليها الثمينة لمجلس أمناء الجامعة لكى تتولى بيعها وفقاً لما يتراءى لمصلحة الجامعة، والغريب أن مجلس الأمناء لم يُوفق فى بيع هذه المجوهرات داخل مصر، فقرروا عرضها للبيع خارج القطر المصرى، وتشتمل على «عقد من الزمرد حول كل قطعة منه أحجار من ألماس البرلنت قدمه السلطان عبد العزيز إلى والدها الخديو إسماعيل باشا - وأربع قطع موروثة من المغفور له الخديو محمد سعيد باشا عبارة عن سوار من ألماس البرلنت، تشتمل على جزء دائرى، بوسطه حجر ألماس، وزنه 20 قيراطاً، وحوله ١٠ قطع كبيرة مستديرة الشكل، والسلسلة التى تلتف حول المعصم مركب عليها 18 قطعة كبيرة و56 قطعة أصغر منها حجماً، وكلها مربعة الشكل - بالإضافة لريشة من ألماس البرلنت على شكل قلب يخترقه سهم مركب عليها حجارة مختلفة الحجم - وعقد يشتمل على سلسلة ذهبية تتدلى منها ثلاثة أحجار من ألماس البرلنت وزن الكبير منها 20 قيراطاً، والصغيران يقرب وزن كل منهما من 12 قيراطاً - وخاتم مُركب عليه فص هرمى من ألماس يميل لونه إلى الزرقة».
أوكل مجلس أمناء الجامعة الدكتور محمد علوى طبيب الأميرة فاطمة فى عملية بيع المجوهرات التى باعها بسعر 70000 جنيه عادت على تأسيس الجامعة بالنفع، وقد تم الاتفاق مع راغب الشراء والذى أناب عنه بنك «الأنجلو إجيبشيان»، ليتسلم الجواهر ويدفع الثمن، لكن البنك أراد أن يتسلم المجوهرات بغير تعيين نوعى لها أو تقدير ثمنها، فرفضت الجامعة التسليم بهذه الكيفية، إلى أن كتب للجامعة بما فيه رفع المسئولية عنها بمجرد التسليم للبنك، فيتم تسليم الجواهر وتُسلم الثمن، ومن فيض كرم الأميرة فاطمة أنها تحملت نفقات حفل وضع حجر الأساس الذى تشرف بحضور الخديو عباس حلمى الثانى مع الأمير أحمد فؤاد والأمير حسين كامل، ونشرت إدارة الجامعة بياناً فى جميع الصحف اليومية بياناً بعنوان «نفقات الاحتفال بوضع حجر الأساس لدار الجامعة» تقول فيه: «أبت مكارم ربة الإحسان، صاحبة العصمة، ودولة الأميرة الجليلة فاطمة هانم أفندم، كريمة المغفور له إسماعيل باشا الخديوى الأسبق، إلا أن تضيف أية جديدة من آيات فضلها، فأمرت بأن تكون جميع نفقات الحفلة، التى ستُقام لوضع حجر الأساس لدار الجامعة، فى إرسال تذاكر الدعوة، ونظراً لتنازل الجناب العالى بوعد سموه بتشريف هذه الحفلة قد أوصت دولتها بمزيد العناية بترتيب الزينة، مما يليق بمقام سمو الأمير عزيز مصر، ومجلس إدارة الجامعة لا يسعه تلقاء هذه المآثر العديدة إلا بتقديم عبارات الشكر الجزيل، بلسان الأمة، على النعم الكثيرة، التى أغدقتها صاحبة هذه الأيادى البيض فى سبيل العلم، ويسأل الله أن يطيل حياتها، ويتولى مكافآتها عليها بالإحسان».
شاركت الأميرة فاطمة فى وضع حجر الأساس فى الأرض التى تبرعت بها وكان يوماً مشهوداً وضع فيه الخديو عباس حلمى الثانى حجر الأساس فى حضور الأمراء والنظار، وقاضى مصر وشيخ الجامع الأزهر وأكابر العلماء وقناصل الدول ورئيس وأعضاء الجمعية التشريعية وذوى المقامات وأصحاب الصحف والأدباء، وكتب على حجر الأساس «الجامعة المصرية - الأميرة فاطمة بنت إسماعيل - سنة 1332 هجرية» وأودع الحجر ومعه قطع من العملة المصرية المُتداولة وقتها، ومجموعة من الجرائد التى صدرت يوم الاحتفال ونسخة من محضر وضع حجر الأساس، الذى تُوج بتوقيع الخديوى والأميرة فاطمة وتلاهما فى التوقيع الأمير أحمد فؤاد باشا رئيس شرف الجامعة، وتلاهم توقيع رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجامعة ، كان عملاً جليلاً من الأميرة فاطمة إسماعيل نتذكرها به كلما تطرق الحديث عن جامعة القاهرة العريقة التى خرجت أجيالاً تلو أجيال، وقاماتٍ كبيرة لها تأثير فى تاريخ مصر الحديث، ورحلت الأميرة فاطمة عن الدنيا فى 18 نوفمبر 1920 عن عمر يناهز 67 عاماً وهى تحمل لقب «أم التعليم والتعلم».. رحمها الله.
الشعب يقاطع جريدة «السياسة» حبًا فى سعد باشا !
كانت جريدة «السياسة» التى صدرت فى مصر فى العشرينيات من أهم صحف مصر على الرغم من قلة توزيعها، كان رئيس تحريرها الدكتور محمد حسين هيكل.. وكان مدير سياستها الدكتور حافظ عفيفى، ومع أنه كان طبيب أطفال، إلا أنه كان يهوى الصحافة وقرأ مئات الكتب عن الصحافة فى العالم وأصبح خبيراً فى الصحافة.

وكان يكتب فيها أهم كتاب مصر.. الدكتور طه حسين الذى كان يكتب المقال السياسى يهاجم فيه الزعيم سعد زغلول، وكان توفيق دياب يكتب مقالاً فى الصفحة الأولى نقداً للمسرح، وكان الدكتور محمود عزمی مندوبها البرلمانى، وكان الدكتور سيد كامل محررها الاقتصادى، وكان الشيخ مصطفى عبد الرازق يكتب فى الأدب العربي، وكتب يوماً مقالاً يصف حفلة من حفلات أم كلثوم .. وكان من أحسن من كتبوا عن أم كلثوم، وكان من كُتّابها: الشيخ على عبد الرازق الذى ألف كتاب «الإسلام وأصول الحكم» وأسقط هذا الكتاب الحكومة فى تلك الأيام، وكان من سوء حظ جريدة «السياسة» أنها كانت تهاجم الزعيم سعد زغلول ولهذا قاطعها الشعب، وكان باعة الصحف لا يعلنون عنها ويخفونها بين الصحف.. وإذا طلبها أحد القراء أخذه البائع إلى ركن فى الشارع وباع له الجريدة كأنها مخدرات.
وكان الصحفى المصرى أيامها معروفاً بالبهدلة، فقد كانت ملابسه رثة، وكنت عندما تذهب إلى حفلة تبحث عن الرجل رث الثياب تكتشف على الفور أنه صحفى، وجاء الدكتور حافظ عفيفى فصرف لكل صحفى بذلة ردنجوت وبذلة بونجور وبذلة فراك وبذلة سموكن وأصبح محررو جريدة «السياسة» أكثر الموجودين أناقة ووجاهة !
وحدث أن أصدر حزب «الأحرار الدستوريين» قراراً برفض الاشتراك فى الوزارة الجديدة.. وأراد محمد محمود باشا وكيل الحزب نشر القرار فى جريدة الحزب، ورفض الدكتور هيكل رئيس التحرير نشر القرار، واضطر محمد محمود إلى أن يذهب بالبيان إلى جريدة الأهرام ونشر القرار، وأسقطت جريدة السياسة وزارة عبد الفتاح يحيى باشا، فقد هاجمت وزيرين فى هذه الوزارة واتهمتهما بالفساد، ورفع الوزيران قضية ضد جريدة «السياسة» وحكمت محكمة الجنايات ببراءة حفنى محمود كاتب هذا المقال.. واضطر رئيس الوزراء إلى تقديم استقالته.
وحدث فى سنة ١٩٢٦ أن ألف الدكتور طه حسين كتابه «فى الشعر الجاهلي» وهاجمه شيوخ الأزهر واتهموه بالكفر والإلحاد وطالبوا برفته من الجامعة، وانبرت جريدة السياسة ودافعت عن الدكتور طه حسين وطالبت باحترام حرية الرأى، وانضم على الشمسى وزير المعارف الوفدى إلى المدافعين عن الدكتور طه حسين.. وهدد بالاستقالة من منصبه إذا مست الحكومة طه حسين.
وكانت جريدة السياسة تدافع عن حرية الرأى على الرغم من أن «حزب الأحرار» اشترك فى وزارات عطلت الدستور !
مصطفى أمين «الأخبار» - ١٨ يونيو ١٩٩٦
وحش الشاشة يفتح «المندل» ويوشوش الودع !
من منا بلا ذكريات، كل يوم نعيشه يرفع حصيلتنا من الذكريات الحلوة التى يحلو لنا أن نستعيدها، وهذه الأحداث الطريفة استخرجتها من ذاكرتي، فعندما كنت صبياً فى السادسة عشرة، كان يقطن بجوارنا شيخ تقى يشتغل بالفلك وكشف الحجب ومعرفة الطالع، وكانت الناس تبالغ فى احترامه ويروون عنه قصصاً تصل الى مرتبة الأساطير، وكان للشيخ ولد فى مثل سني، كنا أصدقاء وكثيراً ما كنت أراه يمسك بكتب والده ليتعلم منها أسرار علم الفلك، فقد كان يأمل فى أن يصبح خليفة والده، استعرت منه مرة أحد الكتب التى تتناول أسرار فتح «المندل».

كنت ازداد شغفاً بالمعرفة كلما تعمقت فى صفحات الكتاب، ولمست فى نفسى شغفاً كبيراً بأن أطبق المعلومات التى حصلتها من قراءتى عملياً، وفى هذه الأثناء تعرض حى الحلمية لسرقاتٍ متكررة للغسيل من فوق أسطح المنازل، وحار رجال البوليس فى عشرات البلاغات التى تصلهم عن هذه السرقات، وجدت الفرصة سانحة لأن أطبق ما درسته فى الكتاب، فذهبت إلى آخر جار لنا تعرض للسرقة، واستدعيت ابنه الصغير وأجلسته أمامى ووضعت على راحة يده فنجان القهوة.. ومضیت أتلو بصوت مسموع كلاماً حفظته من الكتاب عن ظهر قلب، ولم أكن أفهم منه شيئاً.. وفجأة صاح الولد الصغير قائلاً: «بابا... أنا عارف اللى سرقوا الغسيل» وذكر اسم اللص، فذهب الرجل لقسم البوليس واتهم الشخص الذى ذكره ابنه، وهاجم رجال البوليس السارق الذى كانت سمعته سيئة، وعثر البوليس على كل مسروقات الحى فى حوزته، وتبين أنه يرأس عصابة لسرقات الغسيل التى روعت الحى !
كان الناس يشيرون إلىّ فى الطريق على أساس أننى الشاب الذى وهبه الله بصيرة ثاقبة تكشف أستار الغيب، وبدأ الناس يقصدوننى لأكشف لهم عن حجب الغيب، لكننى خفت من معاودة التجربة ورفضت الطلبات التى تنهال علىّ من الجيران وأصدقاء والدى، الى أن جاءتنى سيدة وقالت لى: إن ابنتها الوحيدة تقدم لخطبتها شاب من الأثرياء سمعته وتصرفاته تصل إلى حد الشذوذ بما لا يشجع ابنتها على قبوله، وطلبت منى أن أخبرها إذا كانت ابنتها ستسعد معه أم لا، أعدت تردید الأدعية والأذكار التى حفظتها من الكتاب ثم قلت لها إن ابنتها ستجد السعادة إذا تزوجت هذا الشاب الثرى، وتحققت النبوءة، وجاءنى ذات مرة والد صديق لى كان الحظ يتخلى عنه فى الامتحانات دائماً، رغم أنه كان يتميز بالذكاء والمثابرة فى تحصيل الدروس، وطلب منى أن أعرف لماذا يرسب فى الامتحانات؟ قلت له إن ابنه مصاب بحالة من الاضطراب تنسيه المعلومات التى قضى العام فى تحصيلها، أخذ الأب ابنه إلى أحد الأطباء النفسانيين وأفلح العلاج وصادف الابن التوفيق فى امتحاناته حتى أتم دراسة الحقوق وأصبح من المحامين البارزين، وكل ما كنت أقوم به فى هذا المجال مجرد هواية، ولم أكن أصدق أبداً رغم أن كثيراً من نبوءاتى كانت تتحقق، أن أى إنسان يمكن أن يصل إلى الكشف عن الغيب أو يقرأ المستقبل كما يقرأ صفحات كتاب مفتوح، وأيقنت أن الصدفة تلعب دورها فى توفيقي، وانصرفت عن هذه الهواية عندما استغرقتنى هواية التمثيل.
فريد شوقى «الكواكب» - 28 مارس 1958
صباح الخير
بقلم: د. يوسف إدريس
من أغرب الأشياء التى تجعلك تعتقد أن التركيبة النفسية للجنس البشرى متشابهة إلى أبعد الحدود، كل ما فى الأمر أن العوامل التاريخية والجغرافية والطبيعية هى التى تصنع الفروق بين الأجناس، من أغرب تلك الأشياء تحية الصباح إذا أشرقت الشمس، وتحية المساء حين يحل الظلام، فهى بالعربية مثلًا «صباح الخير»، وبالإنجليزية «جود مورننج»، وبالألمانية «جوتن مورجن» وبالروسية «دوبرى أوترا»، وبالإيطالية «بونجورنو»، وبالفرنسية «بونجور»، وكذلك فى الفنلندية والهولندية والسواحيلية، وكل ما يخطر على بالك من لغاتٍ، وأيضًا تحية المساء، «مساء الخير» بالعربية، و«بونسوار» بالفرنسية، و«جود إيفننج» بالإنجليزية، و«جوتناخت» بالألمانية، و«بوناسيرا» بالإيطالية، وكذلك بالروسية والهندوكية والتايلاندية والكى سواحيلية.

لى عشرات السنين وأنا أتأمل هذه الحقيقة البسيطة، وأظن أننى كتبت عنها مرة وقلت: إن نفسية أى إنسان فى أى مكان تستقبل مشرق الشمس بنفس الإحساس، وتستقبل مقدم الليل بنفس الإحساس، وهذا فى رأيى لا يكفي، إذ لابدَّ أن إحساس الإنسان بالخير ومعنى الخير، وقدوم الخير، والفرق بينه وبين الشر، وتفرقته بين الخير والشر، معنى ذلك أنها أشياء قديمة جدًّا فى النفس البشرية، وشموليتها فى العالم كله تدل على أن الإنسان البدائى كان يفرق بالسليقة ودون أن يعى معنى الخير والشر وكان يفرق بينهما، أينما وُجد، سواء كان فى جوف الأحراش أم فى قمم الجبال وأعماق السهول، فى الشمال والجنوب والشرق والغرب.
والمعنى الأخطر لهذا أنه مع بداية نمو المعانى المُجردة وإدراك الإنسان البدائى لهذه المعاني، بعد أن كان لا يدرك إلا بحواسه المباشرة وبأحاسيسه، تلك التى ظلت تتشابك وتتعقد حتى بدأ عقل الإنسان يوجد، بل حتى حين بدأ يوجد عقل للحيوان، حين حدث هذا بالنمو التلقائى؛ ومعناه أن التطور الذى حدث لخلايا عقله والروابط والعلاقات الكيميائية والإنزيمات وأدق مراكز الأعصاب، كانت هى الأخرى فى حالتها قبل وجود العقل، تحس بالخير وبالشر، دون وعي، لأنه من هذا الإحساس اللاواعي، نفسه تخلق الإحساس الواعى بالخير وبالشر.
هى مسألة علمية عويصة ولكنى من هؤلاء الناس الذين يعتقدون أن الحياة خيِّرة بطبيعتها، حتى فى تركيباتها العضوية واللاعضوية؛ فالنبات خيِّر بطبعه وكذلك الحيوان، ولابدَّ حينذاك أن يكون الإنسان خيِّرًا بطبعه.
أما الشر فهو القاعدة الشاذة التى تنتجها الظروف الشريرة حين تتكاتف، مثل: تواجد الطمع والأنانية مع البيئة المناسبة لخلق إنسان أنانى شرير، أو حين يقع الشر فى مصادفة شريرة تجعل إنسانًا معينًا يخرج من بيته فى لحظة معينة إلى مكان معين «ليتصادف» أن تمر عربة مجنونة السرعة تدهمه وتأخذ عمره.
نعم .. إن إدراك الخير المختبئ فى النهار إذا جاء النهار، وفى الليل إذا حان الليل، إدراك قديم جدًّا، قِدم الحياة البشرية، بل أقدم من الحياة البشرية نفسها، فالأميبا، تلك المُركَّبة من خلية واحدة تُدرك الخير فى النور حين تنجذب إلى النور وإلى الطعام البدائى يغذيها، وابتعادها عن الشر ممثلًا فى عدو مجهولٍ مُقترب أو ظلام مُحدق.
أتمنى لكم صباحًا خيِّرًا يا سكان العالم كله، وعلى الأخص سكان عالمنا العربي، ذلك الذى يكاد يحدق به الشر وينتصر عليه.
من كتاب «الإيدز العربى»
عندما يخونونك.. فكأنما قطعوا ذراعيك.. ربما تستطيع أن تسامحهم.. لكنك لن تستطيع معانقتهم!

ليو تولستوى

كنوز| حكايات سيدة الشاشة مع عملاق الصحافة فى ذكرى ميلادها الـ 95
كنوز| مستقبل مصر فى عقلها
كنوز| قصة «ثومة» مع الشريف فى «مسامرات الجيب» !







