كنوز| نزار قبانى يعشق الحب ويرفض العُهر والابتذال

الشاعر الكبير نزار قبانى يتحدث لعبد المنعم معوض
الشاعر الكبير نزار قبانى يتحدث لعبد المنعم معوض


 الحوار مع الشاعر الكبير نزار قبانى لابد أن يكون من أرق الحوارات الثرية عندما يكون من يدير الحوار ضابط شرطة مثقف على درجة كبيرة من الوعى والتذوق، وكل هذه الصفات تتوافر فى اللواء عبد المنعم معوض الذى كان مديراً لتحرير مجلة «الشرطة» التى تزخر بالحوارات التى أجراها بذكاء مع نخبة من الكتاب والشعراء وكبار نجوم الفن والفكر والثقافة، الحوار مع شاعرنا الكبير استغرق أكثر من ثلاث ساعات، وسمح لنا بأن نقتبس منه ما يتناسب مع المساحة المتاحة فى «كنوز». 

اقرأ أيضًا| في ذكرى رحيل «شاعر المرأة» نزار قباني: لو كان في رأسي عقل ما كتبت الشعر

يصف عبد المنعم معوض الشاعر نزار قبانى بأنه بحر فى الشعر، وبحر فى الحب، وبحر فى الفن، ذهب لمقابلته بمقر إقامته بأحد الفنادق المُطلة على النيل، ودار بينهما الحوار التالى:

قلت له: «علمت أنك تحب فصل الخريف برغم أنك من مواليد فصل الربيع».

ضحك قائلاً: «أكره الربيع لأنى أكره الأشياء الواضحة جداً مثلما أكره الأشياء الغامضة جداً، الخريف حزين ويحمل معانى عميقة جداً، الخريف شجرة تخلت عن أثوابها ورمت كل ما تلبسه على الأرض، وهذه الأشجار تحكى قصة حياتها وخيبة أملها، الخريف هو الفصل الأعمق».

بادرته قائلاً: «هل هذا يعنى أنك تميل للحزن؟».

صمت نزار للحظات ثم قال: «الفرح سطحى، يمر سريعاً، لا يحب إلا نفسه، أنانى، عندما أكون فرحان لا أحب أن يشاركنى أحد، وعندما أكون حزيناً أريد أن تعرف الدنيا ذلك، وتاريخياً الفرح لم يعطِ شيئاً للآداب والفنون، والتراجيديات كان مصدرها الحزن أو الجنون.

اقرأ أيضًا| نزار قباني: لو كان عندي عقل لما كتبت الشعر

قلت له: «قلت إن الحب يحتاج دوماً إلى حفلة اِحتراق أعصاب» فماذا تقصد؟

قال: «أنا لا أؤمن بالحب الذى يعيش دائماً فى حالة طُمَأْنينة، السكينة تقتل الحب، سيتحول الحب إلى عادة وسيفقد الإنسان أحاسيسه، لابد من حالة التوتر، لابد من وجود النار فى ثياب العاشق، لا أهمية لحب يطلب بوليصة تأمين على عشقه، فالعشق مغامرة، ولابد لمن يريد أن يعيش المغامرة».

سألته: ماذا تقصد بأن العشق مغامرة ؟ 

أجابنى: «العشق مغامرة تتقدم فيها إلى مجهول، إذا تقدمت للمعلوم فأنت لم تصنع شيئاً، لابد للإنسان أن يكون له طموحات، سواء فى حياته العاطفية أو الفكرية أو السياسية، الوقوف دائماً فى مكان واحد موت للشعر». 

اقرأ أيضًا| ننشر تفاصيل أزمة سرقة عضو باتحاد الكتاب لإحدى قصائد «نزار قباني» 

قلت له: «ما هو قصدك عندما قلت إن على المحب أن يتربص كثعلب فى حبه؟ 

قال : «الإنسان عبارة عن ثورة نائمة دائماً فى الأعماق، ومن يحقق المعجزات هو الإنسان القَلِق، والثعلب دائماً قلق ومتربص»!

بادرته قائلاً: «قلت إن الإنسان العربى يحب بأظافره وأنيابه وأسنانه فماذا تقصد؟»، فقال: «يا سيدى الحب حالة حضارية، أنظر لشباب اليوم تجدهم غير متحضرين فى الحب، لا يوجد لديهم وقت، يريدون أن يأكلوا الأشياء، والحب لا يُؤكل، الحب استيعاب للطرف الآخر، عاشق اليوم يذهب إلى «الروك اند رول» ليرقص فى الديسكو، ويأكل «سندوتش» على الماشى، نحن فى شبابنا كنا نلتقى فى مطعم صغير على الطاولة شمعة، نهمس لبعضنا، تتلامس أيدينا لتتحاور، اليوم تجد الشاب يقود «موتوسيكل» بسرعة 120 كيلو فى الساعة تحتضنه من الخلف فتاة فى رعب، فهل هذا حب ؟، الحب ليس وليمة، الإنسان العربى يرى المرأة شريحة لحم يريد أن يلتهمها بأظافره وأسنانه، أريده أن يجعلها وردة يشمها، لوحة يشاهدها، ولا يعتبرها سجادة إيرانية ينفضها ويضربها». 

سألته عن رأيه فى قصائد شعراء اليوم وشعراء الأمس؟

فقال: «شعراء الأمس لم يطلعوا على ثقافة اليوم، كانوا محكومين بثقافة التراث، وقليل منهم من اطلع على الثقافات العالمية، فظل إنتاجهم فى حدود البيئة العربية وإحساسهم بها، أما الآن فقد حدثت هزة فى الشعر، صار الشعراء مسلحين بثقافة أجنبية، سافروا للخارج، دخلوا متاحف ومعارض ومسارح، ولهذا تجد القصيدة العربية المعاصرة أكثر حداثة وعالمية». 

قلت له: «ما هو مفهوم الحب عندك»؟ 

- قال: «الحب سيمفونية جسدية وفكرية تجمع بين كائنين، تتلاقى أفكارهم وأحاسيسهم، يستحيل أن يحب أحدهما الشعر والآخر يكرهه، لابد أن يكونا نغمة مشتركة فى سيمفونية لا نشاز فيها». 

إجابته شجعتنى فسألته : «هل تسمح بأن تمارس ابنتك الحب»؟  

قال: «أنا لست شرطياً لأقول لها تفضلى حبى أو لا تحبى، لا أمارس الإرهاب على أولادى وأهل بيتى، مثلما أمارس الحرية وأقدسها فعليهم أن يمارسوا حريتهم فى حدود القناعات المُعترف بها، أنا لست ضد الحب لكنى ضد العُهر والابتذال، أنا ضد أن يركض رجل من امرأة إلى امرأة، لأن فى ذلك سلوكاً حيوانياً، وأنا ضد الحيوانية». 

قلت له: عرفت من قصائدك ما لا يعجبك فى المرأة الشرقية، فما الذى يعجبك فيها ؟ 

قال بحماس: «أؤكد لك بأن الشعور بالخجل فى المرأة الشرقية يعجبنى جداً.. وهو لا يوجد عند المرأة الغربية، العفة أهم ما يميز المرأة الشرقية والعربية، والخجل فى الغرب بضاعة نادرة».

قلت: «أريد أن أعرف الظروف التى تكتب فيها القصيدة». 

قال: «لا أفرض رأيى على الكتابة، هى التى تفرض رأيها عليّ، القصيدة دائماً تفاجئنى من حيث لا أدرى، فى الطريق، فى السينما، فى الطائرة، إنها نوع من القضاء والقدر، هاجس داخلى، سلطة تتحكم فيك، تأمرك لكى تُخرجها للناس».

قلت له: «هل كان لوالدتك تأثير عليك»؟  

قال : «لا.. أمى كانت امرأة بسيطة ومتدينة تخاف الله وتصوم وتصلى، وأبى كان ناراً مشتعلة، دائماً متوتر فى أعماقه، بينما أمى كانت هى الماء وأبى كان هو النار، وكنت أفضل نار أبى على ماء أمى، لأن أبى كان يحمل نفسية الفنان الذى يريد أن يغير الأشياء سواء كانت عاطفية أو اجتماعية أو سياسية، أما أمى فكانت مثل: الجدول الرقراق الذى ينساب فى هدوء.

قلت له: سمعت أنك كنت تكره الوظيفة ؟ 

أجاب ضاحكاً: «نعم أنا ضد الوظيفة لأننى فى الأساس ضد العبودية.. وطبيعتى تكره تلقى الأوامر، لأن الشعر جذوة الحرية، قبلت العمل كدبلوماسى لغاياتٍ شعرية، لأن عملى أتاح لى القدرة على التنقل الذى هو عنصر أساسى من عناصر الشعر، فكل مدينة تذهب إليها وتقرأها جيداً فهى تعادل مئات الكتب التى تقرأها عنها، عملت دبلوماسياً فى مصر وكنت التقى بأدباء وشعراء ورسامين وفنانين فى قهوة عبد الله بالجيزة التى عرفت فيها: محمود السعدنى وطوغان وزكريا الحجاوى وصلاح عبد الصبور وآخرين، وانتقلت منها لتركيا، وانتقلت منها إلى لندن، وبعدها عملت فى الصين، ومنها إلى إسبانيا، واستقلت من عملى عام 1966، وخلال ترحالى تعرفت على الإنسان من أقصى الشرق لأقصى الغرب، عرفت الحضارة الغربية والحضارة الآسيوية والإفريقية، وعرفت تفكير العقيلات التى تنتمى لكل هذه الحضارات التى أضُيفت لمخزونى الداخلى وأثرت فى شعرى. 

عبد المنعم معوض مجلة «الشرطة» - مارس 1987

«التابعى» لم تقهره امرأة لكنها ضحكت منه!

سألنا الكاتب الكبير الأستاذ محمد التابعى عن «المرأة» التى قهرته، فما كاد يسمع السؤال حتى رفع عينيه عن الأوراق التى كان يفحصها، فإذا هما تلمعان ببريق الاستغراب والاستنكاف، ثم أجاب وعلى فمه ابتسامة الواثق المطمئن إلى ما كان قائلاً: 

- «ليس فى حياتى امرأة تستطيع أن تقول إنها قهرتنى، وليس هذا لأننى أكبر ممن تقهرهم المرأة، ولكنى كنت أوثر دائماً أن أنسحب من المسرح فى الوقت المناسب، فلا أدع فرصة لنزول الستار على تلك المأساة».

وأضاف كاتبنا الكبير قائلاً : «على أن هناك امرأة استطاعت أن تضحك منى - لكنها لم تقهرنى - فقد سعت إلىّ دون أن أسعى إليها، وفتحت لى فى عالم الحب آفاقاً واسعة يضل فيها الخيال، وكانت لا تفتأ تؤكد لى أنها ستجن فى اليوم الذى لا ترانى فيه، وآمنت بإخلاصها، وفاتحتنى فى الزواج، فاستمعت إلى أمانيها وأحلامها، سعيداً موقناً أن ذلك هو نفس الشيء الذى أحلم به وأتمناه وأصبحنا زوجين».

واستطرد قائلًا: «وأخيراً.. وضعت الظروف حبها موضع التجربة، فإذا بها تنسى أنى أسلمتها زمامى وعشت لها، ثم تصرفنى بكلمة واحدة، وابتسامة أسف واعتذار، ومرت بعد ذلك سنوات، لم ترنى فيها طبعاً، ومع هذا لم أسمع حتى الآن أنها جنت، أو حتى فكرت فى زيارة خاطفة لمستشفى المجاذيب!!. 

«الإثنين» - 16 فبراير 1946

«حليم» يستحم بـ «السبرتو»

أنا أؤمن بالمثل القائل: «الميه تكذب الغطاس» وبينى وبين السباحة عداء قديم متأصل لسوء الحظ، كان دورى فى أحد الأفلام يطالبنى بأن أقفز إلى الماء لأنقذ صديقتى التى ألقت بنفسها فيه لتنتحر، كان هذا الفيلم بعنوان «شارع الحب»، والصديقة المنتحرة هى صباح بالطبع. وطلب منى المخرج عز الدين ذو الفقار أن أقف على شجرة تطل على النيل وأقفز منها إلى الماء وأقوم بعملية إنقاذ صباح من الغرق، ورجوت عز الدين بأن يحضر لى بديلاً يجيد السباحة ويصوره حتى ينقذنى من هذا المأزق..

ولكن عز أصر على أن أمثل أنا المشهد حتى يكون طبيعياً، ووافقت آخر الأمر، وبعد نقاش طويل أصبح علىّ أن أقفز الى الماء وأمرى الله، وعندما شرعت فى القفز، لاحظت أن الماء قذر وشعرت بالنفور، بل لا أكون مغالياً إذا قلت إننى ارتجفت خوفاً من أن أصاب بالبلهارسيا وبينى وبينها عداء مُستحكم منذ الطفولة، وصراع لم ينتهِ بعد فما زلت أعُالج منها ومن آثارها حتى الآن. 

ولكن كل هذا لم يثنِ عز الدين عن تصميمه، ونزلت صباح إلى الماء وهى ساخطة ومهددة بألا تعمل فى هذا الفيلم، ولكن إرادة عز الدين انتصرت وتم تصوير اللقطة.

وكلما تذكرت صباح وغضبها وصراخها وهى فى الماء تذكرت قولها: «أنا غلطانة لأنى باشتغل فى فيلم من أفلامك، كان مالى ومال المصيبة دى»، استغرقت فى الضحك وكنت أطيب خاطرها شارحاً لها أن مصيبتى أنا أكبر فأنا مريض بالبلهارسيا وقد يُنشط هذا الماء بقذارته الجراثيم فى جسدى من جديد.

وانتهى تصوير المشهد وأنا وصباح يأكلنا السخط والغيظ من عز الدين ذو الفقار، وعدت إلى المنزل بسرعة، ودخلت الحمام واستحممت بكمية كبيرة من الماء الساخن لأزيل آثارالماء القذر الذى ألقيت بنفسى فيه، ولكن الاستحمام بالماء الساخن لم يذهب بخوفى وشكی، فأحضرت زجاجتين من السبرتو الأحمر وسكبتهما على جسدى اعتقاداً منى أن السبرتو يقتل الجراثيم، وبعدها أحضر لى شقيقى إسماعيل ثلات زجاجات من الكولونيا لأتم بها عملية «التطهير». 

وظللت على هذا الحال عدة أيام متتابعة، استحم بالماء الساخن والسبرتو والكولونيا مرتين فى اليوم الواحد، والشيء الذى أقسمت أن أفعله هو أن أتعلم السباحة حتى إذا طلب منى أحد المخرجين أن أقفز إلى الماء، قفزت فى حمام سباحة نظيف المياه لكى أتجنب مضاعفات البلهارسيا.

عبد الحليم حافظ  «الكواكب» - 22 يوليو 1958

 

1/2 كلمة

أمدح وطنى ويشتمونى
خير مليون مرة.. من أن
أشتم وطنى ويمدحونى!
أحمد رجب

عبير المرأة وأشواكها فى مرآة «الحكيم»

كثيرًا ما يخلط الناس أمر نظرتى وعلاقتى بالمرأة، وإنهم ليتهموننى أحيانًا بالتناقض؛ إذ يرون أنى أحمل عليها مرة، وأُشيد بذكرها أخرى، والحقيقة أنى فى كِلا الحالين أعتقد ما أقول! فالمرأة من غير شكٍّ هى الزهرة المشرقة فى بستان وجودنا الآدمى، زهرةٌ لها نضارتها وعبيرها، لكن لها أيضًا أشواكها! 

جمال المرأة وفتنتها، هما فى نظرى أشواكها الحقيقية التى تضع فيها كل سموم سلطانها وسطوتها؛ فالمرأة إنما تُشهر علينا نحن الرجال هذا السلاح، وتقف به فى وجه أعمالنا، آمرة فينا وناهية، صائحة بنا أحيانًا بأن نقف فى طريقنا كما تقف القافلة تحت تهديد قُطاع الطريق لتأخذ منا كل ما عندنا من وقتٍ وقلب ومال وجاه وشُهرة! إنها لتُجردنا من كل شيء، وتتركنا عُراة تحت سلطان سلاحها المسلط المخيف! ولعلها تتهمنى بالمبالغة، ولكن هل تستطيع امرأة أن تقول لى: إن هنالك امرأة فى الوجود تعيش لغرضٍ آخر غير سلب الرجال؟ إنك إذا فتحت رأس امرأةٍ لما وجدت فيه غير هذه الغاية : السطو على رجل!

إن الرجل قد يعيش لعمله أو لفكرته، ولكن فكرة المرأة وعملها هما البحث عن الرجل الذى تسلبه لحظاته وكل حياته، فإذا نظرت المرأة إلى رجل مشهور فإنما تنظر إليه بفكرة واحدة؛ أن هذه الشهرة لها، وإذا كان غنيًّا فالمال لها، وإذا كان لبِقًا ظريفًا فكل ذلك لسرورها ولخدمتها !
لست أتكلم بالطبع هنا عن المرأة المُجردة من السلاح، ولكنى أتكلم عن المرأة ذات الأشواك والمرأة المُدججة «بسلاح» الفتنة والجمال! وها هو ذا تاريخ البشرية أمامنا، أين هى المرأة الجميلة التى لم تستخدم جمالها فى إخضاع الرجل؟، وكم امرأة فى التاريخ جعلت جمالها فى خدمة «غايةٍ أسمى» من إخضاع الرجل؟.

إن المرأة ليست لها الشجاعة فى أن تنكِّس سلاح جمالها فى وجه الرجل! المرأة مخلوق «غير سِلميٍّ»، متى وُجد فى يدها سلاح تحركت فيها غريزة السطو والحرب.. إن المرأة الجميلة هى عدوُّ الرجل المفكر!  

توفيق الحكيم من كتاب «تحت شمس الفكر» 

 

■ المبنى عالى وحضارة معلنة ومكتوبة
■ وبنا ماهر بيرص الطوبة جنب الطوبة
■ معجونة بمية رجب وشاربة مية طوبة
■ وأرض سمارها تجارب الأيام والسنين
■ وحدتها أصيلة وجذورها مش معطوبة
بيكار

 

اكتشاف الهند 

بقلم: سلامة موسى

يجب أن نؤلف خمسين كتابًا عن الهند، نؤلف عنها أكثر مما نؤلف عن أوروبا؛ لأنها كابدت ما نكابده، وشربت السم كما شربنا من الاستعمار الأجنبى، وعرفت الرجعية كما عرفناها، وكانت لها تقاليد توغلُ فى آلاف السنين كما لنا، وكان لهذه التقاليد رجال يقولون : لا تتطوروا، لا تجرؤوا على التفكير.

أقول هذا بعد أن قرأت كتاب نهرو «اكتشاف الهند» الذى أحدث فى رأسى طنيناً من أفكاره وآرائه، كنت أحسُّ به رجلًا مليئًا بالشرف مضيئًا بالذكاء عامرًا بالأمل، ولكن ليست هذه صفاته الأصلية؛ إذ هى ثمرة الشجرة التى يهفو قلبى إلى أن أرى مثلها فى تربتنا المصرية، الصفة الأصلية فى نهرو أنه رجل ناضج ليست فيه فجاجة أو صبيانية. 

لا أعرف هل كان قدرًا أم تدبيرًا ذلك الذى هيَّأ للهند رجلين يشعلان لها طريق المجد، أحدهما يخاطب قلوبها وهو غاندى، والثانى يخاطب عقولها وهو نهرو، ولكن ليس من شكٍ فى أن النهضة الهندية احتاجت إلى هذين الرجلين كى تصل إلى تمام فورتها وذروتها، وهذا الكتاب الذى قرأته لو تُرجم إلى اللغة العربية لزاد على ألف صفحة، وهو واحد من كتبٍ عديدة ألفها نهرو فى السجن، فقد أقام فى سجون الهند نحو ثلاث عشرة سنة؛ لأنه هندى يحب الهنود، أو لأنه إنسان ينزع إلى الإنسانية، وهو يبدو فى هذا الكتاب أديبًا فنانًا، واقتصاديًّا عصريًّا يعرف قيمة الصناعة، ومؤرخًا يشرح الحضارة الهندية قبل ثلاثة آلاف سنة، ولكنه فى كل ذلك غربى المزاج، وليس شرقيًّا؛ إذ يطلب الحضارة العصرية ويؤمن بالعلم، وحسبى أن أنقل إلى القراء بعض السطور التى تنير وتدل.

كان يقول وهو فى السجن: «القمر رفيقى فى السجن، توثقت صداقته لى لزيادة استئناسى به، وهو يُذكرنى بجمال هذه الدنيا، وبنمو الحياة وفنائها، والنور يخفف الظلام، والموت والبعث يتعاقبان فى سلسلة لا تنقطع، وهو على كثرة تغيره باقٍ على ما هو عليه، راقبته فى أطواره المختلفة، وحالاته العديدة حين تطول الظلال فى المساء، وفى الساعات الساكنة فى الليل، وحين يتنفس الفجر، ويهمس باستقبال النهار القادم، ما أنفعه هذا القمر حين أعدُّ به الأيام والشهور؛ لأن شكل القمر وحجمه حين يسفر، يعينان الأيام فى الشهر بما يقارب الدقة».

هذه إحساسات سجين قد أَلِفَ السجن، فعقد بينه وبين القمر ألفة لا يمكن للمستعمر، أو السجان، أن يحرمه إياها، وهو فى هذه الكلمات ينصح للهنود بأن يعتمدوا على العلم الذى يقول عنه: «العلم لا يُفصح لنا كثيرًا أو قليلًا عن الغاية من الحياة، ولكن آفاقه تتسع، ولعله يغزو قريبًا ما نسميه «العالم غير المنظور» وعندئذ قد نستعين به على فهم الغاية من الحياة فى معانيها، وهو يتيح لنا على الأقل أن نلمح بعض ما يلقى الضوء على مشكلة الوجود البشرى».

ويقول: «أجدنى فى صميم نفسى، مهتمًا بهذا العالم، ولستُ أعرف إذا كانت هناك روح، أو أننا سنحيا بعد الموت، هذه المسائل خطيرة ولا تُقلقنى، تحضير الأرواح، وسائر هذا الكلام، يبدو شيئًا سخيفًا باعتباره وسيلة لبحث خفايا الحياة الأخرى، واستغلالًا لعواطف الناس الذين فى حاجة إلى ما يخفف متاعبهم العقلية، الممكن أن يكون للظواهر الروحية أساس من الحقيقة، لكن طرق معالجتها تبدو مخطئة، وكنت أحب أن أنقل ما قاله نهرو عن الصناعة، ولن أنقل ما يقوله عن المرأة، إنه رجل أوروبى الذهن مائة فى المائة، يعارض الرجعيين فى بلاده ويأنف من أن يغش الجماهير التى يقودها لأنه يقود ولا ينقاد. 

من كتاب «مقالات ممنوعة»

لا تتوقف الحياة أبداً بسبب بعض خيبات الأمل.. لأن الوقت لا يتوقف عندما تتعطل الساعة.

جبران خليل جبران