هوامش

«ياما دقت على الراس طبول»

حمدى رزق
حمدى رزق


المثل الشعبى «ياما دقت على الراس طبول» يُستخدم إنسانيا للتعبير عن شخص مر بتجارب صعبة ومتكررة، واعتاد على التحديات ولم تعد تؤثر فيه كما كانت. 

ويُقال هذا المثل سياسيًا، عندما تواجه دولة مصاعب متكررة وتتعامل معها بثبات انفعالى، ورباطة جأش، وتترجم «رباطة الجأش» بقوة القلب وثباته، وعدم الخوف أو الفزع عند الشدائد. 

دقت طبول الحرب ولا تزال تدوى، فلم تصب المحروسة بالصداع والتصدع، وكلما ثقل وقع الطبل وصار مزلزلا يخلع القلوب، كانت الدماغ أصلب، والقلوب أجمد، والأعصاب حديدًا.

الدماغ المصرى ليس عاديا، منحوت من حجر الصوان فى محجره فى أسوان، لا يتشقق، ولا يتصدع، مهما كانت طبول الحرب عالية تصم الآذان.

عواصم فى الحوار أصابها الفزع، وشعوب شقيقة غشيها الهلع، وبشر خائفون مذعورون يتخفون من المسيرات فى الملاجئ، وظلت المحروسة ثابتة الجنان، تفكر بدماغ بارد، تتوقى آثار الحرب المدمرة، وتدعو للسلام، وإيقاف آلة الحرب.

 مَن يفقه فقه العمران لا يتماهى أبدا مع الدمار والخراب وترويع البشر، هكذا جُبل المصريين على العمران منذ فجر الحضارة، لا تستغرب لماذا أشرقت شمس الحضارة من الشرق، لأن فجرها بزع من أرض النيل. 

فى خضم بحر هائج مائج، وإقليم مضطرب اضطرابًا عظيمًا، انتبذت القاهرة ركنًا قصيًا فحسب، تصلى للسلام، وتدعو للسلام، وتسهم فى إيقاف عجلة الحرب ما استطاعت إليه سبيلا.

مصر غادرت منذ زمن بعيد الثارات الماضوية، والحروب الكونية، وتفرغت للبناء، والعمران، مصر القوية لا تخشى حربًا إذا فرضت عليها، ولكنها تستشرف عالمًا يعمه السلام، ومنطقة تخبو فيها صيحات الحرب، لا يصدر عن المحروسة إلا ما تعتقده، والسلام معتقد وإيمان راسخ، بحق الشعوب فى الأمن والأمان.. وحياة كريمة لبنى البشر أجمعين على اختلاف جنسياتهم وإثنياتهم وأعراقهم.. 

مصر فى قلب المنطقة، باتت جزيرة نجاة فى بحر متلاطم الأمواج، واحة ظليلة فى صحراء الهجير، رسمت حدودها بقوة شعبها وجيشها بخطوط حمراء، لا يقرّبها مغامر أو مقامر أو باحث عن دور الشجيع على المسرح العالمى.

لا تروم مغنمًا من مغانم الحرب، ولا تبغى دورًا مدفوعًا بزعامة خيالية، ولا قيادة ماضوية، القاهرة متفرغة لتعويض شعبها عن سنوات الحرمان والحرب.

مصر دفعت من دم قلبها، ومن دماء شبابها، ومن قوت يومها الكثير، دون منَّ ولا أذى، مضحية بالغالى والنفيس، صابرة على المكاره، ولم تطلب يومًا جزاءً ولا شكورًا، ولم تزايد على مقاوم، ولم تخذل صاحب حق، فى جانب الحق دومًا.

مصر تجاهد من أجل السلام، وعنوانها السلام، وتصلى من أجل السلام، وتنافح عن حياضها المقدسة، وقوتها رشيدة عاقلة، لا تروم مغنمًا، ولا تزاحم طامعًا، ولا تضع العصا فى العجلات تتحرك نحو السلام وإيقاف العجلات الحربية.

مصر تتحدث عن نفسها، تتحدث بحكمة من خلاصة حضارتها، والحكمة ضالة المؤمن بالسلام، وبصيرته المستشرفة مآلات البغى والعدوان، وكلمة قيادتها الحكيمة توزن فى ميزان الشرف، وتتعامل بشرف فى زمن عز فيه الشرف.

ما تتحمله المحروسة من غرم جراء حروب لا ناقة لها فيها ولا جمل، تحتسبه، قدرها ونصيبها، أنت تكون فى قلب أمة مأزومة يصيبك ما يؤلمك، أن تحيطك النار خاصرتك من كل جانب، عليك أن تتوقى، وتتحسب، وتستعد لأسوأ السيناريوهات، أن تتهددك الأخطار بغتة، أن تعيش على حافة الخطر دومًا، أن تخسر من قوتك وقوت شعبك بالمليارات يوميًا، وأنت فى أمس الحاجة للملايين.

يحدث هذا وتحدثك عنه الأرقام.. ومصر الأبية العفيفة المتعففة لا تتبرم، ولا تحنق، ولا تغضب، ولا تفكر يومًا فى طلب تعويضات، ولا تمد يدها لأمراء الحرب، وتقف موقفًا عادلًا رغم أن العدل لم يعد له مكان، ولا يترجم ربحًا، يكلف خسارة، وتتحمل العزم صابرة على الأذى، هذا من عزم الأمور.