يوميات الأخبار

فرقة العمال المصرية.. من الدار إلى النار!

د. ياسر ثابت
د. ياسر ثابت


نام هؤلاء العمال على الأرض فى غرف حجز مكدسة، حتى يأتيهم مفتشو الصحة البريطانيون.

 الإمبراطورية البريطانية.. والسُخرة

فى أثناء الحرب العالمية الأولى، فرض البريطانيون الأحكام العرفية فى مصر، وجنَّدوا ما يقرب من نصف مليون شاب (أى نحو 4% من السكان)، كان أغلبهم من الريف وجُنِّد كثيرٌ منهم بالقوة. حاول مسئولو الإمبراطورية البريطانية تسويغ سياساتهم فى مصر بإعلان أنهم أخذوا موافقة المعنيين فى مصر على نحوٍ ما. ولهذا كانوا يرددون مقولة إن العمال كانوا «متطوعين»، يقول الباحث آرون جيكس إن الإمبراطورية البريطانية «اصطنعت» الموافقة فى مصر من خلال خطابٍ يسميه «النزعة الاقتصادية الاستعمارية».

وبينما كان اللورد كرومر يفاخر بأن إلغاء السخرة من أهم منجزاته ومنجزات الإمبراطورية، فإنه لم يتورع فى ظل عدم وجود ما يكفى من «متطوعين» أو «متعاقدين»، عن فرض نظام السخرة، وإجبار هؤلاء المصريين على العمل فى مجال الخدمات اللوجستية العسكرية فى أوروبا والشرق الأوسط.

فى بداية 1917، انتشرتْ كالنّار فى الهشيم رواياتٌ عن عساكر بريطانيّين يُغيرون على أسواق القرى المحيطة ويسلبون الماشية والمحصول، ويأخذون الشباب إلى «حيث لا أحد يعرف». على أثر ذلك، انتشر فى الهماميّة خوفٌ من التجنيد ونقاشٌ عن أشكال المقاومة».

بدأ مجندو فرقة العمال المصرية رحلتهم من الوطن إلى الجبهة «من الدار إلى النار»، سيرًا إلى المركز أو عواصم المديريات. حملتهم قطارات سكك حديد مصر من مقرات الاحتجاز فى المراكز إلى مستودعات الإمداد والتموين ومعسكرات التوزيع فى المدن. نام هؤلاء العمال على الأرض فى غرف حجز مكدسة، حتى يأتيهم مفتشو الصحة البريطانيون. وبعد أسابيع من الانتظار، يُنقل بالقطار من اجتاز الكشف الطبى إلى أقرب مستودع للإمداد والتموين أو معسكر توزيع، وعادةً ما كان فى إحدى المدن الكبرى من قبيل القاهرة أو الإسكندرية.

تأسس أول مستودع تموين للعمال المصريين ممن يخدمون فى الحرب فى منطقة عين شمس على أطراف القاهرة فى ديسمبر من عام 1951، وكان يُزوِّد رجال فرقة النقل بالجِمال الخاصة بجبهة سيناء - فلسطين. أصبحت قاعدة الشام فى الإسكندرية مستودع الإمداد والتموين الأولى لأولى سرايا الفرقة التى ذهبت إلى غاليبولى فى عام 1915. وفى يوليو من عام 1916، بعد حل قاعدة الشام وتشكيل التجريدة المصرية، تأسس مستودع تموين خاص بمجندى «فرقة العمال المصرية» فى منطقة الحضرة شرقى الإسكندرية، وتلاه مستودعٌ آخر كبير على جزيرة الروضة جنوبى القاهرة. ومع زيادة الطلب على الفرقة، تأسست معسكرات توزيع فى جميع أنحاء البلاد، فتأسس فى شهرى مايو ويونيو من عام 1916 أربعة معسكرات فى الخارجة وسمالوط وشوشة والفيوم، وافتُتِحَ فى أكتوبر معسكرٌ كبير فى أسيوط، وبعدها بقليل تأسس سادسٌ فى سوهاج على بُعد 90 ميلًا جنوبًا على النيل.

يتحوَّل هؤلاء العمال والفلاحون العاديون إلى عمال عسكريين ويُجهَّزون فى معسكرات التوزيع على بطانيتين ومعطف، ثم يسافرون بالقطار إلى مستودعات الإمداد والتموين فى القاهرة والإسكندرية، حيث يُعقَّمون ويحصلون على كسائهم وجهازهم، ويوزعون فى سرايا مع ضباط وضباط صف ورؤساء فوقهم ويكملون الرحلة بالقطار نحو موانئ الانطلاق الرئيسية: الإسكندرية للعمال المسافرين إلى أوروبا أو الدردنيل، وبورسعيد للمتوجهين نحو العراق وسوريا، والقنطرة لمن سينطلقون أعلى الخط نحو فلسطين.

اشتغل أفراد الفرقة فى الشحن والتفريغ على أرصفة فرنسا وإيطاليا، وحفروا خنادق فى غاليبولي، وساقوا الجِمال المحمَّلة بالمؤن فى صحارى ليبيا والسودان وسيناء، وأدوا دورًا شرطيًا لفرض النظام بين سكان بغداد المحتلة ومثَّلوا أغلب قوام قوات العمال العسكرية فى أثناء التقدُّم عبر فلسطين ونحو سوريا التى كانت ثانى أكبر مسرح للحرب. 

لقد أنشأت فرقة العمال العسكرية مئات الأميال من خطوط السكك الحديدية وأنابيب المياه الواصلة بين مصر وفلسطين، والتى أصبحت أساس البنية التحتية للإمبراطورية البريطانية طوال جيلٍ بعد ذلك.

وعلى الرغم من أن عشرات الآلاف من العمال المصريين عملوا فى فرنسا، فإن ذلك يتوارى أمام دور مئات الآلاف ممن خدموا فى المعارك ضد الدولة العثمانية فى غاليبولى والعراق؛ ولا سيما من شاركوا فى الهجوم على فلسطين عبر سيناء وهو أقل شهرةً وأكثر أثرًا. فقد أنشأت «فرقة العمال المصرية» خطوط السكك الحديدية وأنابيب المياه التى مثلت «جسرًا يعبر الصحراء» بما أحدث تحولًا ضخمًا فى إمكانات الانتقال بين القاهرة والقدس، وأرسى بذلك دعائم إمبراطورية بريطانية جديدة فى الشرق الأوسط.

إن قرب رجال «فرقة العمال المصرية» من البنى التحتية اللوجستية الحيوية ومعرفتهم بها، وضع فى أيدى رجالها القدرة على توجيه ضربة إلى قلب آلة الحرب العسكرية البريطانية. وكانت الفرقة تحتج فى كل خطوة يخطونها فى رحلتهم الطويلة من وطنهم إلى الجبهة. فقد قاوموا مسئولى التجنيد، واستخدموا العنف أحيانًا، ومن ورائهم أهلهم يقاومون. وحين وصلوا أماكن الحجز فى المركز نظموا اعتصامات وانضم إليهم أبناء القرى المجاورة. وكان رجال «فرقة العمال المصرية»، ولا سيما فى فرنسا وإيطاليا، من أصعب العمال قيادًا فى قوات العمل العسكرية. ردت السلطات البريطانية على هذه الاحتجاجات بتغييرات فى سياستها، فأعادت السخرة وأحاطت مستودعات الإمداد والتموين بالأسلاك الشائكة ونقلت فرقة العمال من فرنسا قبل هجوم الشتاء فى 1917، ويُبيّن هذا أن عمال اللوجستيات يستطيعون تعزيز مواقفهم فى شبكات التوزيع؛ فيضعون «عوائق فيها يمتد أثرها ويتضاعف فى كل أنظمة الإنتاج والتعزيز».

يرى الأمريكى كايل جون أندرسون المختص فى التاريخ الاستعمارى فى مصر، فى كتابه «فرقة العمال المصرية: العِرق والفضاء والمكان فى الحرب العالمية الأولى» (مطبعة جامعة تكساس، عام 2021) أن السلطات البريطانية تراجعت عن وعدها بعدم جر المصريين إلى الحرب، ويعتبر أن الكثيرين فى مصر كانوا ينظرون إلى الفرقة على أنها شكلٌ من أشكال العبودية. ويقول إنه من الناحية العِرقية، فإن البريطانيين وحلفاءهم كانوا يرون «فرقة العمال المصرية» جزءًا من «فيلق العمال الملوَّنين»، حيث اشتغل عمال مصر جنبًا إلى جنب عمالٍ من أماكن بعيدة من أمثال الصين وجنوب إفريقيا والهند وفيتنام وجزر الهند الغربية وفيجى.

يُبرز مؤلف الكتاب أثر الأفكار العرقية فى أواخر عهد الإمبراطورية على تمثیلات «فرقة العمال المصرية» لدى المراقبين البريطانيين، ويتتبع أيضًا الكيفية التى أثَّرت بها هذه الأفكار على تشكل الحيز المكانى للمعسكرات؛ إذ فصل رجال «فرقة العمال المصرية» عن الضباط البيض والجماعات القريبة المحيطة، وحصلوا على حصص غذائية رديئة، ومُنعوا الأحذية، وكل ذلك على أساس سماتهم العرقية المزعومة. بل إن تصنيف فرقة العمال المصرية عرقيًا جاء على حساب فضاء الجسد؛ إذ فرض الضباط والمشرفون الانضباط بالعنف.
هذا التاريخ المنسى، يستحق مزيدًا من الاستقراء وإلقاء الضوء عليه.

 لغة الحُب

يتحدَّث أوكتافيو باث إلى امرأة خضراء: «أحدّثك بلغة الحجر، فتردّين بنبرة خضراء، أحدّثك بلغة الثلج، فتردّين بمروحة من النحل، أحدّثك بلغة الماء، فتردّين بزورق من البرق. أحدّثك بلغة الدمّ، فتردّين ببرج من الطيور». (ترجمة: حيدر الكعبى).

أما ماكس بيكارد، فيفلسف الحب على هذا النحو: «فى الحب، لا يتحرك شخص نحو آخر من نفسه ذاتها، بل من مستوى أعلى هو ذلك المستوى المُعطى سلفاً كأب، أو أمّ، أو محب، أو غافر».

الحُب لغة، أقوى بكثير من لغة الحرب والعنف.

ربما حان الوقت كى نجرِّب هذه الوصفة.