تساؤلات

جدًا جدًا

أحمد عباس
أحمد عباس


أنزلنا الرجل من زورق الحلم ثم تفرق الجمع بعدها كل إلى بلده وبقيت أنا بعدها فى القاهرة، يااه ما كل ذلك!

العيون كانت رائقة جدا برغم الشجون، والمتاح كان محدودا لكنه يكفى جدا لإطعام الأرواح الحالمة، أما أصحاب النهم فقد ارتكبوا فينا كل أنواع التُهم. الوشوش، ضحكتها مملوءة جدا لكنها شاردة جدا جدا وتضحك جدا، الخوف، كان مطروحا جدا على الطاولة لكنه مؤجل، والظن بعضه غالب وغلاب وأغلبه يغلب أصحاب الغلبة جدا، على العموم.. كُنا طيبون جدا ومغفلون جدا جدا.


القصد فى ٢٠٠٦ ربما أو ما قبلها أو بعدها بقليل رشحنى رئيس التحرير لحضور دورة تدريبية كان يعقدها اتحاد الصحفيين العرب برئاسة الأستاذ الكبير صلاح الدين حافظ وكان أستاذا بحق، لا أعرف ان كانت لاتزال تحدث أم لا، وهى فى كل الأحوال مهمة جدا جدا.


الفكرة كانت قائمة على إعداد دورات تدريبية فى مسائل عدة يشارك فيها شباب الصحفيين من الدول العربية، أغلب البلدان شاركت فى هذه النسخة عدا العراق اعتذرت لظروف العدوان الأمريكى عليها وصعوبة التنقل والانتقال، وشاركت أنا من مصر.


الحضور كان هكذا، أردنية ومغربى وتونسى وجزائرى وسودانى وليبى وفلسطينية جاءت عن طريق الأردن، وسورى وسيدة اماراتية وزوجها.
أوف.. كانت تركيبة غريبة إلى الآن لست أفهمها.


فى الصباح استيقاظ وحملقة ومحاولات يائسة لاستعادة الحياة ومحاضرات ولقاءات وورش عمل، والشباب كلهم فى حالة تألق. ثم يختفى كل منا فى مكان ما، بعدها يحل المساء وآه يا صديقى من حكايات المساء، وأشعار وأوجاع المساء.


الشباب كلهم يغنون قصائد أحمد فؤاد نجم كل واحد يتذكر مقطعا عشوائيا من قصيدة ما، لكنهم يجمعون فى لحظة وصوتهم يتوحد عند قصيدة «شرفت يا نيكسون بابا»، هل تصدق اننى لم أكن سمعتها من قبل أو أعرفها حتى؟!، بالفعل حفظتها ليلتها من هؤلاء الأصدقاء ولايزالون أصدقاء الى الآن. لعبنا لعبة عشوائية جدًا أيضًا تقضى بأن يقول كل واحد منهم أمنية مستحيلة لكن.. ربما!
صديقى السورى تمنى، والمغربى تبعه، وقال الليبى ما قاله، وضحكت الأردنية من قلبها، ثم تمنى السودانى لو أمكنه العبور إلى كل مدن الوطن العربى دون تأشيرة وكان جميلًا جدًا، ثم قالت الفلسطينية: بدى عيش!
آاه.. ثم نمنا جميعًا على ذراع المركب، وبدا لى لو اننا أهل كهف منسيين، فقد نمنا فعلًا إلى أن صاح الريس صاحب المركب: حمد لله على السلامة، انزلوا.
أنزلنا الرجل من زورق الحلم ثم تفرق الجمع بعدها كل إلى بلده وبقيت أنا بعدها فى القاهرة، يااه ما كل ذلك!، ما هذه المياه التى جرت فى كل تلك السنين!، من أى منبع تفجرت وأى مجرى أوصلنا إلى هنا؟!، لا أعرف إجابة شيء من كل ذلك ولا أدقق حتى ماذا أقول أو أكتب لو أتذكر!
صديق منهم غادر بلده بحثا عن لقمة العيش، وكان فنانًا مهمًا وأديبًا ومؤصلاً ومثقفًا، سألنى ليلة السهرة أن بالله عليك إن رأيت الفنان محمود يس أن تبلغه منى السلام، وهَج آخر من بلده بعدما تمزقت أمامه كان قد حكى لى بفخر سيرة المشير أحمد اسماعيل كاملة، وتقاعدت إحداهن عن العمل بسبب عدم تواؤمها مع الأحداث السياسية فى بلدها، وتطرف واحد منهم-كان يحفظ أغنيات حسن الأسمر كلها- وانتمى لجماعات غبية، وانقطعت أخبار واحدة تمامًا فجأة وكانت لا تحب الحديث سوى عن قصات الشعر وزيوت البشرة والمفتاح وزيت الزيتون والزعتر، وآخرهم سألنى قريبًا: هل تمنحنى مصر تأشيرة دخول؟، قُلت طبعًا، للاقامة والعمل، سألني. راوغته: مصر!، فقال حرفيًا: ومن سواها الآن يا أحمد!
آسف جدًا لحظة واحدة، ماذا؟، أمريكا تقصف مفاعلات إيرانية الآن وحالًا، العناوين الأولية تقول بأن كل شيء الآن على مساره الصحيح، وبأن كل المواقع النووية انتهت تمامًا، ولا أعتقد الرئيس الأمريكى يهذى فى هكذا شئون، فعندما يقول انتهت تمامًا يعنى أخرجت من الخدمة بالكلية.
على أية حال، أحببت ذكر الخبر فور حدوثه، لكن نعود لمرجوعنا، آاه كُنا نتحدث عن الشباب العربى الحالم المستلقى على كتف مركب شراعى هائمة فى نيل القاهرة فى لحظة ليست من زمان جدًا.