من فضل الله أن تواجه عدوا يتميز بالغباء، فهذا فقط قد يمحو كل تاريخك الأسود، وقد يحولك إلى قديس، هذا بالضبط ما حدث مع الرئيس العراقى الأسبق صدام حسين، والذى تم إعدامه علنا صباح أول أيام عيد الأضحى منذ ١٩ عاما.
حالة من الحزن الشديد عاشها حجاج ببيت الله الحرام فى ديسمبر ٢٠٠٦، كنت من الذين من الله عليهم بأداء الفريضة فى تلك السنة، وفى منى لرمى الجمرات، جاءتنا الأنباء عن قيام السلطات العراقية بالتنسيق مع الأمريكية، بعملية إعدام الرئيس العراقى الأسبق صدام جسين، قد يكون الأمر يتعلق باختيار التوقيت، فنحن فى (أول أيام النحر) لم يكن شعور الحزن قاصرا على الحجاج، ولكن فى كل الشارع العربى والإسلامي، نست الجماهير (المذنب)، وتذكرت (الضحية)، لم يهتم يومها أحد بمسئوليته التاريخية عن أحد القرارات الكارثية، التى مازالت المنطقة العربية تدفع ثمن توابعه حتى الآن، بغزو الكويت فى أغسطس ١٩٩٠، والذى استدعى تدخلا دوليا لتحريرها، بعد تشكيل تحالف شارك فيه ٣٨ دولة، وصل حجم القوات المشاركة فى عملية عاصفة الصحراء و٧٥٠ ألف جندي، أغلبيتهم من أمريكا، و٣٦٠٠ دبابة، و١٨٠٠ طائرة، و١٥٠ قطعة بحرية، ووصل حجم الخسائر الاقتصادية العربية، وفقا لتقارير موثقة ٦٢٠ مليار دولار، وفى مقدمة الخاسرين بالطبع العراق والكويت، وكشفت الهيئة العامة لتقدير التعويضات الكويتية، أن الخسائر الثابتة وصلت إلى ٩٢ مليارا، وسقط ٧٠ ألف قتيل وجرح قرابة ٣٠٠ ألف جندي، ناهيك عن تدمير مرافق البنية التحتية ومحطات توليد الكهرباء، وأعقبها حصار كامل بقرارات من الأمم المتحدة لمدة ١٣ عاما، دفع فيه الشعب العراقى ثمنها من قوت يومه، وخلال فترته وجوده فى السلطة، أسس حكما قميعا، وقتل عشرات الآلاف من الشيعة والأكراد، نسى الشارع العراقى والعربى والإسلامى كل ذلك، وتذكر (الضحية) الذى يتم عقابه، لأنه (بطل قومي) كما يقول أنصاره، تصدى للمشروع الإيراني، وأول من أطلق صورايخ باتجاه إسرائيل، وواجه وصمد أمام مخطط غربي، يستهدف النيل من العراق وتجربته التنموية.
مخالفة للقانون
لقد استفاد صدام حسين من غباء عدوه الأمريكي، وداعميهم من الحكام الجدد الذين تولوا مناصبهم بعد عام ٢٠٠٣، والذى تعددت مظاهره، وفى مقدمة ذلك اختيار تاريخ الإعدام، حيث تم التضحية بصدام حسين، كما أن العملية خالفت حتى القانون العراقى وفقا للمادة ٢٩٠، التى تنص على أنه لا يجوز إعدام شخص فى مناسبة كالعيد أو الإجازات الرسمية، وهو ما كشف عنه قاضى قضاة كردستان الذى تنحى عن محاكمة صدام رزكار محمد أمين، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، فقد تجاوزه إلى التسريب السريع والمتعمد لعملية الإعدام، التى استغرقت ٣٥ دقيقة بحضور ١٤ شخصا، من يبنهم الخمسة الموقعين على المحضر، وكانوا جميعا من حزب الدعوة، ومن مكتب نورى المالكى رئيس الوزراء الأسبق، وهم جميعا من أشد معارضى صدام، قبل سقوط نظامه، وقد كشف زلماى خليل زاده الأمريكى من أصل أفغاني، والذى تم تعيينه حاكما على العراق، عن أن بعض كبار المسئولين العراقيين قاموا بتصوير عملية الإعدام بهواتفهم النقالة، فى مخالفة واضحة وصريحة للتعليمات التى حظرت ذلك الأمر، ويجمع الكل على أنه ظهر صلبا، حتى أثناء رفعه إلى حبل المشنقة، ونطق بالشهادتين، ورفض وضع الكيس الأسود على رقبته، وقال (لا حاجة إلى ذلك) .
السجين والحراس
وفى حوار صحفى تم بعدها بسنوات، مع الجندى آدم روجسون وكان عمره ٢٢ عاما، وهو بذلك أصغرهم سنا، وكان من حراس صدام قال إنه عانق حراسه الذين سلموه إلى مجموعة التنفيذ، وعبر الجندى عن حزنه، حيث توجه صدام وقبل أن يسير إلى غرفة الإعدام إليهم، ودعهم وقال (كنتم بمثابة أصدقاء) فبكى الحراس. فمع مرور الوقت، نشأت بعض الألفة بين صدام الذى تعتبره واشنطن رمز محور الشر، وحراسه، وتحولت إلى صداقة، حيث لم يتذمر من سجنه فى زنزانة صغيرة، وكان يتبادل معهم الحوار، والاطمئنان على أحوالهم، وعلى عكس القيادات العراقية الحاضرين للعملية، فقام بعضهم بالبصق عليه وركله. رغم أنه أصبح جثة، ولم يكن هناك حاجة لذلك.
غباء سياسى
لم يكن أمر مشهد الإعدام سوى ذروة المشهد الدرامي، الذى صاحب سنوات ما قبل الإعدام، فقد كانت البداية فى (الإخراج الهوليودي) فى طريقة القبض على صدام، بعد مطاردة استمرت تسعة أشهر، وانتهت يوم الثالث عشر من ديسمبر ٢٠٠٣، أطلق عليها القوات الأمريكية اسم عملية (الفجر الأحمر)، قادتها فرقة العمليات المشتركة ١٢١ بدعم فرقة العمليات المشتركة بقيادة العقيد جميس هيكي، فى حفرة ضيقة فى بلدة الدوار، ظهر فيها بصورة رثة وبحالة سيئة، لإسقاط هيبته أمام أنصاره من العراقيين، وهو ما ثبت أنها كذبة كبيرة، وظهرت الحقيقة فيما بعد، حيث تم القبض عليه فى أحد مقرات المقاومة العراقية، التى تم إعدادها تحت الأرض، لخوض مواجهات من يقايا جيشه ضد قوات الغزو الأمريكي، يومها قال لهم (أنا صدام حسين رئيس العراق ومستعد للتفاوض) وبعدها تم تخديره ووضعه فى هذه الحفرة، وظهوره بهذا الصورة، وكان المشهد العبثي، وهو خارج العقل، ذلك الطبيب الأمريكى الذى قام بالكشف عليه صحيا، فى إبراز لإنسانية مفقودة، يؤكدها جون نيكسون فى كتابه الصادر عام ٢٠١٧ أول من قام باستجواب صدام، باعتباره أحد كبار محللى الشخصيات فى وكالة الاستخبارات الأمريكية، وعمل على شخصية صدام وتحليلها، وكتب عنها تقارير للإدارة، وكان أول من عمل فى مكتب العراق الذى أنشئ عام ١٩٩٧، الذى ضم العديد من شخصيات المعارضة العراقية فى ذلك الوقت، والذى كشف عن وسائل تعذيبه، بمنعه من النوم، عبر تعريض زنزانته لأصوات عالية، ومع ذلك كما قال جون نيكسون ظل فى كامل قواه العقلية وثباته الانفعالي، ولم يتأفف أو يشتكى من احتجازه.
وكانت محاكمة صدام حسين قمة (الغباء السياسى الأمريكي)، مع الحرص على بث الجلسات على شاشات التلفزة، وحظيت بالطبع بمشاهدة كبيرة فى أنحاء العالم، واستمرت عدة أشهر، حيث تعددت التهم الموجهة إليه منها مذبحة الدحيل، وحملة الأنفال التى استهدفت قرى كردية، تم وصفها بجريمة إبادة جماعية، والهجوم الكيماوى على حلبجة، وأدت إلى وفاة ستة آلاف كردي، ومواجهة انتفاضات الشيعة عام ١٩٩١ والتى شهدتها محافظات الجنوب بأغلبيتها الشيعية، والتى سعت إلى استثمار مرحلة هزيمة الجيش العراقى فى فبراير ١٩٩١، حيث أبرزت المحاكمات صدام متماسكا، معتدا بنفسه، حتى إنه فى الجلسة الأولى، رفض الرد على أسئلة القاضي، وقال إنه لا يعترف بالمحكمة أصلا، كما لم ينجح القاضى رووف رشيد، حيث ترأس المحكمة الجنائية العليا، فى الحفاظ على استقلاليه المحاكمة، وتم تسييسها بالكامل، وهذا يفسر موقف القاضى رزكار محمد أمين، الذى اعتذر عن المهمة، وأقر بأنها محاكمة تحيطها مخاطر التدخلات، بما يؤثر على حياد القاضي، سواء كان من خارج القضاء او من داخله، وتحدث عن تدخلات أحزاب وكتل سياسية وأشخاص، وقد كشفت وقائعها بأن صدام لم يكن مهتما بالدفاع عن نفسه، بقدر كان حريصا على توجيه كلامه لمن سيكتب التاريخ لاحقا، وصورته التى حرص عليها طوال حياته، وحفل تقرير أصدرته منظمة هيومن رايتس حول المحاكمة، بانتقادات كثيرة حولها، ومنها وجود اختلال وظيفى فى عمل المحكمة، وثغرات إجرائية، وتصرفات حكومية، أضعفت من استقلالية المحكمة وحيادها، وعيوب فى كشف الأدلة، حتى إن خليل الدليمى رئيس هيئة الدفاع، والذى قام بمهمته طوعيا، وصفها بمحكمة الانتقام.
الكذبة الكبرى
وهكذا فقد نجحت أمريكا بكل ما شهده العراق منذ سقوط بغداد، وحتى إعدام صدام، فى تحويله إلى قديس أو أسطورة، أظن أنها مازالت كذلك فى مخيلة قطاعات من الشعب العراقي، خاصة بعد أن كشف الجميع (الكذبة الكبيرة) حول قدرات العراق من أسلحة الدمار الشامل، التى استندت إليها واشنطن ولندن، وأن معظم المعلومات الكاذبة، تم تصنيعها فى مطابخ مخابرات البلدين.

السيد النجار يكتب: ومـاذا عن..؟
حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين







