دموع القاصر فجّرت الملف الشائك.. هل الزواج من معاق شرعي أم باطل؟   

عريس متلازمة داون
عريس متلازمة داون


◄ نجدة الطفل:قدمنا بلاغ للنيابة بالواقعة  ونُحيل الشكاوى الخاصة بانتهاك حقوق وحريات الطفل والأم للجهات المختصة

 

◄القومي للإعاقة: مراجعة الكشف الطبي أولاً ومعرفة  الحالة الصحية للشخص

 

◄ خبير قانوني: ضرورة وجود إرادة لدعم حقوق الطفل ولدينا قصور في القانون
 


ضجت مواقع التواصل الاجتماعي، عندما انتشر مقطع فيديو لحفل زفاف فتاة على شخص مصاب بمتلازمة "داون"، وظهرت فيه العروس بملامح حزينة، اعتلت وجهها وصاحبها دموع أنهمرت منها، ما يبين أنه تم إرغامها على تلك الزيجة، وهو ما أثار حالة من الاستياء والغضب، وانهالت التعليقات عن مدى الظلم التي تعرضت له تلك الفتاة.

وحظى مقطع الفيديو بتفاعل كبير، إلى أن رصدته نجدة الطفل وقامت على الفور بتحرير محضر بالواقعة.

وفتحت «بوابة أخبار اليوم»، هذا الملف الشائك، وتواصلت مع المجلس القويم لذوي الإعاقة، والخبراء المختصين، لمعرفة الإجراءات التي تم اتخاذها، وكيفية التعامل مع الواقعة وفقا للقانون والشرع.

 

◄ نجدة الطفل 

 

أكد صبري عثمان، مدير الإدارة العامة لنجدة الطفل التابعة للمجلس القومى للأمومة والطفولة، أنه تم رصد الفيديو من مواقع التواصل الاجتماعي، وبعد فحصه تبين أن العروس طفلة تبلغ من العمر 15 عاماً، وبناءً عليه بحكم مسؤوليتنا الرسمية قدمنا بلاغ  للنيابة العامة في واقعة زواج الأطفال باعتبار أن العروس طفلة قاصر. وتم تحرير محضر رقم 991 لسنة 2025 إداري قسم الصالحية الجديدة، موضحا أن نيابة الصالحية الجديدة بنيابة شمال الزقازيق الكلية، تباشر التحقيقات في الواقعة.

وتابع: "أما عن كون العريس من مصابى  متلازمة دوان، فإننا لم نتطرق لهذا الأمر، آخذين  في الاعتبار رأي دار الافتاء المصرية، أنه يجوز للمعاق ذهنيًّا أن يتزوج؛ فالزواج حق من حقوقه، فهو إنسان".
وأوضح أن الشريعة قد أجازت للمجنون جنونًا مُطبقًا أن يتزوج، فإن من كان في مرتبةٍ دون هذه المرتبة "أصحاب الإعاقة الذهنية اليسيرة" يكون زواجه جائزًا من باب أولى، طالما كان المعاق مَحُوطًا بالعناية والرعاية اللازمتين له، وذلك طبقا لما ورد في فتوى رسمية من دار الإفتاء.

وكشف "عثمان" عن أن المجلس القومي للطفولة والأمومة، يقوم وفقا لاختصاصاته بتطبيق أحكام القانون رقم 182 لسنة 2023 الصادر بإعادة التنظيم والتوعية بمخاطر أضرار زواج الأطفال، بصفته الآلية الوطنية المعنية بالطفل والأم، مشيرًا إلى أن المجلس يقوم من خلال الإدارة العامة لنجدة الطفل، بتلقي ودراسة الشكاوى الخاصة بانتهاك حقوق وحريات الطفل والأم، وإحالتها إلى جهات الاختصاص، والعمل على حلها مع الجهات المعنية، والتنسيق مع الجهات المعنية لتوفير الإغاثات العاجلة للأطفال، موضحًا أنه من خلال إجراء بحث ودراسة الحالة لبلاغات زواج الأطفال، يتم إبلاغ النيابة العامة بهذه الوقائع وتقديم التوصية اللازمة لإخراج الطفلة من حالة الخطر.

 


 

◄ تحرك المجلس القومي للإعاقة 

 

من جانبه، أكد المجلس القومي للأشخاص ذوى الإعاقة، في تصريحات إعلامية له، أن المجلس يدرس حاليا الأمر من الناحية القانونية والطبية، مؤكدًا أنه لا يمكن أن يجزم بمدى صلاحية زواج الشاب من متلازمة "داون" قبل التأكد من التقارير الطبية أولا.

وأكدت مصادر داخل المجلس، أكدت أن المجلس لم يحسم الأمر فى تلك الواقعة، وأنه سوف يتم مراجعة الكشف الطبي أولاً، للتأكد من مدى صحة الحالة الصحية للشخص، وفى حالة وجود أي تزوير فى التقرير الطبي، سوف يتم اتخاذ الإجراءات القانونية.

اقرأ ايضاً : خط نجدة الطفل يكشف تفاصيل صادمة في واقعة عريس متلازمة داون

 

◄ دار الإفتاء المصرية 

 

وصرحت دار الإفتاء، أنه يجوز للمعاق ذهنيًّا أن يتزوج؛ فالزواج حق من حقوقه، فهو إنسان مُرَكَّبٌ فيه العاطفةُ والشهوةُ، ويحتاج إلى سَكَنٍ ونَفَقَة ورعاية وعناية، ولا يجوز له أن يباشر عقد الزواج بنفسه، بل وليُّ أمره هو من يُزوِّجه.
وتابعت: "أما مسألة الإنجاب فيُرجَع في ذلك إلى أهل الاختصاص لتحديد ما يترتب على الإنجاب أو عدمه أو تأخيره أو تحديده من مصالح ومفاسد".

وأوضحت دار الإفتاء، الحكم الشرعي في زواج ذوي الهمم وأصحاب القصور الذهني وإنجابهم كما يلي:  
ـ حق ذوي الهمم في الزواج: الزواج حق من حُقوقِ المعاق ذهنيًّا؛ ثابت له بمقتضى الجِبِلَّة والبشريَّة والطَّبع؛ لأنه إنسان مُرَكَّبٌ فيه الشهوةُ والعاطفةُ، ويحتاج إلى سَكَنٍ ونَفَقَة ورعاية وعناية، شأنه شأن بقية بني جنسه، مع زيادته عليهم باحتياجه لرعاية زائدة فيما يرجع إلى حالته الخاصة.

كما أن ذلك الحق ثابت له طبعًا، فهو ثابت له شرعًا؛ فإذا كانت الشريعة قد أجازت للمجنون جنونًا مُطبقًا أن يتزوج، فإن من كان في مرتبةٍ دون هذه المرتبة -كالمعاق إعاقة ذهنية يسيرة- يكون زواجه جائزًا من باب أولى، ولا حرج في ذلك، ما دام المعاق مَحُوطًا بالعنايةِ وَالرعايةِ اللازمتين.

 

◄ متلازمة "داون" والمسؤولية الزوجية

 

أوضح محمود البدوي "محامى بالنقض وخبير حقوقي"  أن الأمر لا يتعلق بكون الشخص مصابًا بمتلازمة داون أو ما شابهها، بل يكمن جوهر المسألة في مدى قدرته على تحقيق التوفيق في الحياة الزوجية، وهل هو مؤهل للمُعاشرة وتحمل أعباء وتكاليف الزواج والقيام بالواجبات الزوجية بشكل كامل. ولا نقصد هنا بالواجبات الزوجية مجرد المعاشرة الجنسية فحسب، وإنما نعني أيضًا قدرته على تدبير شؤون الأسرة بكفاءة، ورعايتها، والدفاع عنها وحمايتها.

وأكد أنه يجب أن يكون أهل الفتاة، في مثل هذه الحالات، على علم تام ودقيق بحالة هذا الشاب، حتى لا نقع في محظور ظلم هذه الفتاة. فنحن، في مثل هذه الظروف، في حاجة ماسة إلى قناعة تامة وعقلانية ومنطقية، مع كامل تقديرنا لأحكام الله سبحانه وتعالى التي أقرت بوجود فروقات بين البشر.

وتابع: "إن كون أحدهم سويًا، أو من ذوي الهمم، أو من ذوي الإعاقات، كل هذه حالات هي جزء من سنة الله في خلقه التي تتسم بالاختلاف والتنوع. يجب أن نضع جميع الخيارات أمامنا، وأن نكون على دراية كاملة بكل تفاصيل الصفقة أو الاتفاق. لذا، حتى نتبنى فكرة المضي في هذا الطريق أو سلوكه، يجب أن نكون على نور تام، وأن تكون الأمور واضحة وجلية".

 

وطرح بعض الأسئلة: هل البنت وأهلها على علم دقيق ومفصل بجميع ظروف هذا الولد وتحدياته؟ وهل كان هناك حافز معين أو دافع محدد وراء هذه الزيجة جعلها تقبل بها؟ فمن الطبيعي أن تتوقع أي فتاة أن تتزوج شخصًا عاديًا وطبيعيًا، تستمتع معه بالحياة، وتتشارك معه الأحلام، وتخرج للتنزه والتفسح، وتمارس جميع الأنشطة الطبيعية والمنطقية؟. متابع: "نحن نبحث هنا عن تفاصيل دقيقة من أهل البنت وأهل الولد".

 

◄ مشروع قانون يجرم زواج القاصرات 

 

وأشار الخبيرالقانوني، أنه في غضون عام 2018 أو 2019، تم تقديم مقترح مشروع قانون بتعديلات خاصة بتحريم وتجريم زواج الأطفال، مؤكدًا أننا لدينا قصور في التشريعات، ولا توجد مواد كافية تحمي حقوق الطفل، على الرغم من أن فكرة الزواج المبكر، التي أصبحت ثقافة منتشرة لدى المجتمع بشكل عام، تستند إلى عدد من الموروثات الثقافية والدينية والتربوية المغلوطة التي ثبت عدم صحتها، والتي تحدث عنها جميع علماء الدين بشكل غير صحيح، إلى أن انتهى الأمر إلى تحديد السن القانونية للزواج بثمانية عشر عامًا.

-السن القانوني للزواج 

وأشار إلى أن السن القانوني الذي نص عليه الدستور المصري المعدل في يناير 2014، والذي تحدثت عنه الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل (CRC)، هو الـ 18 عاما لبداية الزواج وهو السن التي تكتمل فيها الأجهزة التناسلية والقدرة على الإنجاب. وبالتالي فإن الزواج قبل هذا السن قد يعرض صحة  الفتاة لأضرار بالغة، مؤكدا على عدم وجود مادة قانونية تُحرم أو تُجرم الزواج قبل هذا السن. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن نضع في الاعتبار نقطة مهمة تشمل أيضًا الفترة التحضيرية للزواج.

 

◄ الاتجار بالبشر 

 

واستند الخبير القانوني، إلى واقعة قديمة لأحد الأهالى الذي أقام حفل خطوبة لابنته التى لا تزال طفلة، وبسؤاله عن سبب خطبتها وهى صغيرة للغاية، أجاب ولى الأمر أنه فعل ذلك من أجل جمع الأموال "نقطة"، مشيرًا إلى أن هذه الممارسات أصبحت على تواجه بقانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم 64 لسنة 2010، حيث أصبحت تُعتبر اتجارًا بالبشر، موضحا أنه تم حبس الأب، ودفع كفالة، وحُبس مجددًا، وحصل على حكم مغلظ لأنه كان ولي أمر الطفلة، مؤكدًا أن لدينا غياب للوعي المجتمعي لدعم ومساندة حقوق الطفل، على الرغم من الطفرة التي يمكن تحقيقها، وعلى الرغم من وجود إرادة سياسية لدعم حقوق الطفل. إلا أن لدينا قصور فى التضامن الشعبي، وهذه مشكلة ايضاً. 

وأوضح أن وسائل الإعلام عملت على هذا جيدًا في العديد من الأفلام والمسلسلات وغيرها مما لا يتسع المقام لذكره. مطالبا بوضع إطار قانوني واضح، مشيرًا إلى أن النظام الحالي، أو القوانين القائمة الآن، تشترط شرطين:

 

◄ شروط الزواج في القانون الحالي

 

أن يكون المتقدم لسن الثامنة عشرة، وأن يخضع  للكشف الطبي. ولكن المتقدمون للزواج دون سن الثامنة عشرة يلتفون على هذا القانون، حيث يقومون بتحرير عقد عرفي، ثم يقومون بالمصادقة على عقد الزواج عندما يبلغ الطرفان السن القانوني. وفى الريف والصعيد يقولون: "نحن نوقع الزوج وأبوه إيصالات أمانة، وبعد ذلك نوثق العقد، لضمان حقوق الابنه، لكن الزوج قد يلقي بإيصال الأمانة أو لا يهتم به، والفتاة تظل تحمل إيصالاً لا تستطيع إثباته ولا كتابة أي شيء به، وتصبح قصتها مريرة، مع الأخذ في الاعتبار أيضًا أن القانون يقول إن كل الدعاوى الناشئة عن الزواج العرفي لا تُنظر أمام القضاء.

 

◄ الأضرار الناجمة 

 

وكشف الخبير القانوني أنه ليس لدينا قانون صريح لإبطال زيجة شخص لديه إعاقة ذهنية، لكن ظهر في الماضي، "زيجات الويك إند"، و"زواج المسيار"، و"زواج فرند"، وكل هذه الأمور، موضحًا أنه تم منع كل هذه الزيجات، وتحريمها في المذاهب الفقهية التي نتبعها، مثل المذهب الحنفي، لأن الزواج يشترط فيه الضرورة، والعقل، والرشد، والإيجاب والقبول، وأمر آخر مهم جدًا وهو الاستدامة. والاستدامة تعني أن يكون الشخص اليوم قد دخل هذه العلاقة الزوجية بنية الاستمرار.