كل أسبوع

محمد ياسين يكتب: هل جاوز الظالمون المدى؟

محمد ياسين
محمد ياسين


كلما قرأت هذه الكلمات الثلاث «جاوز الظالمون المدى» تساءلت من هم الظالمون.. هل هم الإسرائيليون أم من يعاونونهم من الأمريكان أو الإنجليز؟ أم الأمم المتحدة ومجلس الأمن الذي يصمت صمت الحملان ويدفن رأسه في الرمال كالنعامة؟ أم الظالمون هم بريطانيا دولة الانتداب للصهاينة منذ بداية القصة، أم هو اللورد بلفور صاحب الوعد الشهير الذي عانى بسببه ملايين العرب!

وهل تجاوزوا المدى في ظلمهم للعرب والفلسطينيين؟ ومادام هناك ظالمون لابد أن يكون في الحكاية مظلوم، فمن المظلوم؟ ولعل كلهم ظلموا فلسطين وشعبها وأرضها وقدسها، حتى بعض العرب ظلموها حينما قالوا إن الشعب الفلسطيني فرط في حقه وباع أرضه.

جاوز الظالمون المدى لم تكن مجرد أغنية لحنها وغناها موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، كلمات الشاعر على محمود طه، وللأسف الشديد غابت مثل هذه الأغنيات عن أهل غزة في هذه الأيام، وهم في أمس الحاجة لهذا الدعم..

لا أدرى لماذا غابت مثل هذه الأغنيات فى هذه الظروف الصعبة؟ وكان ينبغي أن تحلّق فى سماء غزة.

جاوز الظالمون المدى.. عندما نجحت أمريكا وإسرائيل فى تفكيك وحدة الشعوب العربية حتى تنفرد بها بلدا بلدا، وكانت البداية احتلال العراق، ثم الحرب الأهلية فى سوريا، وانقسام القوى الوطنية فى ليبيا، ثم الحرب الأهلية فى السودان واليمن ولبنان، وكان تدمير غزة آخر محاولات تصفية القضية الفلسطينية، أعيدوا أغنيات فلسطين لشعبها لكى تبقى فى ذاكرة أجيالها جيلا بعد جيل، وحتى يشعر كل شهيد أنه يموت على أرضه من أجل غدٍ يعيد للوطن حقوقه ويعيد للأمة كرامتها، إن أغنيات فلسطين عاشت فى وجدان كل مواطن عربي حيث يبقى الأمل دائما فى العودة وتحرير الأرض.

جاوز الظالمون المدى حينما أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة تعريف الأعمال الإرهابية في يناير 2006 (القرار 60/43)، بأنها «أعمال إجرامية يُقصد بها أو يُراد بها إثارة حالة من الرعب بين عامة الناس أو مجموعة من الأشخاص أو أشخاص معينين لأغراض سياسية»، وهل ما تقوم به آلة الحرب الإسرائيلية من هجمات وحشية بكافة الأسلحة سواء جوية وبحرية ومدفعية وجنود مشاة ودبابات لم يدرج تحت مسمى أعمال إرهابية.

جاوز الظالمون المدى، وأكثر، فلم تترك إسرائيل شكلا من أشكال العنف والظلم وجرائم الحرب والمجاعات، والإبادة، والمخالفات القانونية والإنسانية، إلا واقترفتها خلال حربها الوحشية على أهالي غزة، غير مكترثة بنداءات وصرخات  العالم، وصرخات الإنسانية فقد حققت إسرائيل رقما قياسيا في المضي بحربها على غزة والضفة الغربية من حيث عدد الشهداء والجرحى وعدد من قتلوا من الموظفين الأمميين.

جاوز الظالمون المدى، بمجازر يومية، بيد الآلة الوحشية الإسرائيلية تطال الأطفال والمدنيين ومراكز الإيواء، والعاملين في المؤسسات والمنظمات الإنسانية من خلال استهداف موظفي وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» برصاص قناصي إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة، وفي ذلك بطبيعة الحال جريمة أخرى تضاف لجرائم الاحتلال الإسرائيلي المستمر في جرائمه، بسبب غياب المحاسبة والعقاب، ما يجعل إسرائيل ماضية في حربها وإجرامها بدون محاسبة المسئولين عن جرائمها وإفلاتهم من العقاب.

لم يعد في مفردات الكلمات ما يحكي خسة ما تقوم به إسرائيل على الأراضي الفلسطينية، الدهر بل وعمر البشرية كاملة لن يستطيع احتساب بشاعة وإجرام ما حدث في غزة من حرب لم تتوقف يوما عن المجازر والإبادة، هو عُمر البشرية عاشته غزة آلاف المرات، بآلاف الأوجاع.

جاوز الظالمون المدى حين أطلت علينا وكالات الأنباء بنبأ استشهاد 9 أبناء لطبيبة من غزة، ودعتهم في يومٍ واحد، قبل أن تودع زوجها أيضًا.. كيف يُمكن لقلب أم أن يتحمل دفن 9 أبناء مرة واحدة؟ و9 انكسارات دفعةً واحدة؟ أي جسد يستطيع أن يتحمل هذا الوجع، هل سمعت الأمم المتحدة ومجلس الأمن بهذا الخبر؟ والبيت الأبيض هل وصلت له أنباء أن امرأة فقدت أبناءها التسعة؟ وهل وجدوا مكانا في الأرض يستوعب كل هؤلاء الإخوة مرة واحدة دون أن تصرخ الأرض ويثور بركانها وتتزلزل على الظالمين الذين تجاوزوا المدى؟ امرأة لم تبكِ ابنا واحدا لها بل رضيعا يحتاج حضنها، وشابا كان يملأ البيت ضحكا، وطفلا يحلم ببدلة جديدة، ومراهقاً كتب فى كشكوله ذات يوم: «أنا نفسي أكون بطل».

جاوز الظالمون المدى.. أيها العالم بعد كل هذه المآسي، كيف تستطيع أن تقف أمام المرآة، في اليوم تهندم زيك وتضبط ربطة عنقك، أيها العالم كيف تجتمع كل يوم في العمل وتمارس حياتك اليومية وفي جزء صغير من الخريطة يقتل ويحرق أطفال وأمهات وشباب من فلسطين؟

هل جاوز الظالمون المدى أم أن الظلم لم يبلغ مداه بعد؟.. ولم يحِن الوقت لوقف كل الظلم الواقع على الفلسطينيين؟