حكاية شعـب قناة السويس50 عام عطاء

قناة السويس50 عام عطاء
قناة السويس50 عام عطاء


من السادات إلى السيسى.. مصر قبطان العالم لبر الأمان

فى اللحظة التى عبرت فيها أول سفينة مياه قناة السويس مجددًا عام 1975، لم تكن أمواج البحر وحدها تتحرك، بل كان وطن بأكمله يُعيد كتابة تاريخه معلنًا الانتصار والسيادة، كانت القناة قد سكنت لسنوات بعد نكسة أنهكت القلب والحدود، لكن صوت السفن العائد كان يشبه دقات الطبول احتفالات النصر، لم تكن «القناة» ممرًا فقط، بل ذاكرة محفورة فى وجدان شعب لم ينسَ، وعودة الملاحة كانت إعلانًا رمزيًا بأن مصر لا تموت، وأن من يعبر الألم قادر على أن يعبر المانع المائى ويشعل النور فى آخر النفق ..
فى ذكرى إعادة تشغيل قناة السويس 5 يونيو 1975 بعد توقف لثمانى سنوات، تفتح «الأخبار» ملفًا خاصًا يرصد ملامح التحول من الهزيمة إلى النصر، ومن الركود إلى النهوض، ويستعرض شهادات من عاشوا القصة، ورأوا كيف تحوّل هذا الشريان من هدف فى مرمى العدو إلى رمز للسيادة وركيزة للاقتصاد والأمل.

لم تكن قناة السويس منذ افتتاحها الأول عام 1869 مجرد اختصارٍ للمسافات البحرية، بل كانت تعبيرًا عن التحولات الكبرى فى العالم، فهى الفاصل الرفيع بين قارّتين، والواصل الخفى بين قوى السياسة والتجارة، وجاءت نكسة يونيو 1967، فاختلطت المياه بالدم، أُغلقت القناة، وامتدت فيها خطوط النار بدلًا من مسارات السفن، ثم كان نصر أكتوبر، حين عبر أبطال الجيش المصرى خط بارليف، حاملين فوق رؤوسهم قوارب المجد، ومع ذلك، ظلّت القناة جريحة، لا تنقل شيئًا سوى الصمت.
عودة الحياة
فى ذلك اليوم الرمزى، وبعد ثمانية أعوام من التوقف القسرى، فتح الرئيس الراحل محمد أنور السادات قناة السويس مرة أخرى أمام الملاحة الدولية، كانت الطبول تدق، والسفن تلوّح بأعلام العالم، لكن القصة كان أعمق من تلك الصور الاحتفالية، حيث كانت القناة تعود للحياة، ومصر تعلن للعالم أن مرحلة الحرب قد انتهت، وأنها الآن مستعدة لاستئناف دورها كجسرٍ بين الشرق والغرب، وقال الرئيس السادات، فى خطابه التاريخى أثناء إعلان افتتاح قناة السويس: «إن ابن هذه الأرض الطيبة الذى شق القناة بعرقه ودموعه، همزة للوصل بين القارات والحضارات، وعبرها بأرواح شهدائه الأبرار لينشر السلام والأمان على ضفافها، يُعيد فتحها اليوم للملاحة من جديد، رافدًا للسلام وشريانا للازدهار والتعاون بين البشر».
بعد إعادة التشغيل، انطلقت مصر فى جهود طويلة لإعادة تأهيل القناة، وتعزيز بنيتها التحتية، وقد شهدت القناة خلال العقود الماضية تحديثات متواصلة، وتعميق للمجرى الملاحى.
قناة جديدة
فى 5 أغسطس عام 2014، أُعلن الرئيس عبدالفتاح السيسى عن بدء إنشاء قناة السويس الجديدة، وسط تشكيك عالمى، وتساؤلات عن كيف يمكن لدولة فى خضم أزمة اقتصادية أن تحفر قناة جديدة خلال عام؟ من أين التمويل؟، لكنّ الرهان هذه المرة لم يكن عمليًا فقط، بل كان شعبيًا، حيث أقبل ملايين المصريين على شراء شهادات استثمار القناة، وبلغت حصيلة التمويل أكثر من 60 مليار جنيه خلال أيام، لم تكن مجرد مساهمة مالية، بل كانت تصويتًا وطنيًا على مشروع الأمل.. وفى مشهد تاريخى، حشدت الدولة فرق المهندسين، وأطلقت عشرات الحفارات، واستدعت كل حيلة تكنولوجية ممكنة لإنجاز المهمة، وفى السادس من أغسطس 2015، انطلقت قناة السويس الجديدة، بواقع 35 كيلومترًا من الحفر الجاف، وممر مزدوج يزيد من الطاقة الاستيعابية للقناة، المشروع لم يكن مجرد توسعة مائية، بل تحوّل رمزى لنهج جديد، وهو نهج التنفيذ السريع على أسس استراتيجية.


لم تقف الخطة عند حفر المجرى الجديد، فقد أُطلق مشروع المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، الممتدة على ست موانئ كبرى ومراكز صناعية ولوجستية عملاقة، تمتد من شرق بورسعيد إلى الأدبية والسخنة، الهدف كان واضحًا، وهو ألا تكون القناة مجرد طريق عبور، بل محور إنتاج وجذب استثمارات، تلك المنطقة الاقتصادية، التى تقدر مساحتها بأكثر من 460 كيلومترًا مربعًا، صُممت لتكون بوابة مصر إلى التجارة العالمية. 
وعن القناة الجديدة أكد د. السيد خضر، الخبير الاقتصادى، أن مشروع قناة السويس الجديدة أسهم بشكل ملموس فى تنشيط حركة التجارة البحرية، وعزّز من مكانة مصر كممر عالمى محورى يربط بين الشرق والغرب، هذا الدور المتنامى انعكس إيجابًا على الإيرادات الناتجة عن عبور السفن، ما ساعد فى تقوية الاقتصاد الوطنى وتحسين مؤشرات الموازنة العامة، خاصة فى ظل قيام الدولة بتطوير البنية التحتية الداعمة للمشروع، بما يشمل إنشاء موانئ حديثة ومناطق اقتصادية متكاملة، وهو ما ساعد فى تسهيل حركة السلع وزيادة حجم التجارة العابرة للحدود.
وأضاف أن المنطقة الاقتصادية المحيطة بالقناة لعبت دورًا بارزًا فى جذب الاستثمارات الأجنبية، وتوسيع نطاق أنشطة النقل والتصنيع والخدمات اللوجستية، مما جعل من هذه المنطقة مركزًا حيويًا للتجارة الإقليمية والدولية، مستفيدة من الموقع الجغرافى المتميز لمصر.
من جانبه أكد د. ياسر شحاتة، خبير التنمية المستدامة، أن مشروع قناة السويس الجديدة يُعد من أبرز المشروعات الاستراتيجية التى أحدثت تحولًا جذريًا فى المشهد الجغرافى لمحافظات القناة، وأسهمت فى إعادة تشكيل خارطة الملاحة البحرية العالمية، مشيرًا إلى أن هذا المشروع العملاق تم إنجازه خلال فترة حرجة، وفى زمن قياسى لم يتجاوز عامًا واحدًا، ما يعكس الإرادة السياسية والقدرة التنفيذية العالية للدولة المصرية.
تحديات متعددة 
حين تحدث المؤرخ الأمريكى البروفيسور هالفورد هوسكينز، عن قناة السويس قال إنه لم يجد عملا إنسانيا ماديا يؤثر على علاقات الأمم بالقدر الذى فعله شق قناة السويس، إذ إنه من الصعب أن نتصوَّر إنجازًا آخر فى حدود القدرة البشرية يمكن أن يغيّر أوضاع الطبيعة أكثر منها. 
واليوم، وبعد نحو نصف قرن من إعادة التشغيل، تخوض القناة تحديات متعددة، التحدى الأول هو تحدى اضطراب حركة الملاحة فى البحر الأحمر خلال الفترة الماضية، والثانى هو تحدى التكيف مع تحولات التكنولوجيا، والانتقال إلى الملاحة الذكية، وخفض الانبعاثات، ومجاراة السفن العملاقة من الجيل الخامس، فالقيادة المصرية تدرك أن القناة ليست ممرًا ثابتًا، بل كائن حى، يجب أن يتطور باستمرار، ولذا، بدأت مشروعات رقمية، ونُفذت حملات لتحويل القناة إلى ممر أخضر، وتكثف الجهود فى جذب التحالفات البحرية الكبرى.