خارج النص

أسامة السعيد يكتب: قناة السويس .. ملحمة شعب

د. أسامة السعيد
د. أسامة السعيد


لا أعتقد أن شعبا ارتبط بأرضه وبكل مكوناتها مثل الشعب المصرى. ولا أظن أن مشروعا ارتبط بتاريخ أمة مثلما هو الحال مع قناة السويس.

فمنذ فجر التاريخ كان ربط البحرين الأبيض والأحمر، حلما راود المصريين والغزاة على حد سواء، لكن عندما انطلقت أول ضربة فأس لفلاح مصرى لتشق أهم شريان ملاحى على كوكب الأرض، كان التاريخ على موعد مع كتابة صفحة جديدة، لا تزال صالحة للمطالعة، فكل أجيال المصريين قرأت ودونت فى تلك الصفحة الكثير من معانى البطولة والصمود والمجد والكرامة الوطنية، التى كانت وستبقى عالية الهمة والهامة مادام فى القلب المصرى نبض.
■■■

لا تبدأ سطور حكاية ملحمة المصريين مع القناة من تاريخ بدء حفرها فى صباح يوم الاثنين 25 أبريل عام 1859، بل هى أقدم كثيرا، لكن حفر القناة أحال المشروعات القديمة إلى واقع، وفتح فى الوقت ذاته شهية الأطماع الاستعمارية (النهمة أصلا) نحو التهام المزيد من مقدرات شعوب المنطقة، وفى القلب منها الشعب المصرى.

تمتلئ سطور الحكاية بتفاصيل لا حصر لها عن أطماع خارجية، وخيانات داخلية، ارتبطت بقرار حفر القناة وبيع أسهمها لصالح سماسرة أقوات الشعوب، لكن يأتى قرار تأميم قناة السويس فى مساء 26 يوليو 1956 ليمثل صيحة أمة تسعى إلى استعادة سيطرتها على مقدراتها، وصناعة أقدارها. لم يكن قرار التأميم قرارا مصرى الصدى فحسب، لكنه كان قرارا عالمى الأصداء والتداعيات.

ويكفى أن كثيرا من مراجع التاريخ، حتى الغربية منها، تذكر أن معركة السويس (العدوان الثلاثى على مصر) الذى كان محاولة يائسة لثنى مصر عن قرارها، هو الحدث الذى أسقط الإمبراطورية البريطانية، التى كانت «لا تغرب عنها الشمس»، فأراد الله أن تغرب شمس تلك الإمبراطورية الاستعمارية فى مياه قناة السويس.

■■■

وفى 5 يونيو من عام 1967 كانت القناة وضفتها الشرقية على موعد مع هجمة استعمارية خبيثة، على يد كيان وظيفى جرت صناعته وزراعته فى المنطقة ليكون خنجرا فى الخاصرة العربية، وسكينا على رقاب شعوب المنطقة، وطيلة ثمانى سنوات كاملة، توقفت الملاحة فى أهم شرايين التجارة العالمية، بل وتحولت القناة التى ظلت جسرا لتواصل تجارة وثقافة الشرق والغرب، إلى ساحة قتال، وقد أراد العدو تحويلها إلى عائق يحول دون عودة المصريين لتحرير أراضيهم، لكن أحفاد أحمس وقاهرى الصليبيين والتتار كان لهم رأى آخر.

نجح المصريون ليس فقط فى عبور القناة، بل فى ترسيخ فكرة أنه لا يمكن لعائق أن يحول بينهم وبين استعادة أرضهم والانتصار لكرامتهم، مهما بلغت صعوبة تلك العوائق، أو ارتفعت فى وجوههم الموانع. وكانت ذكرى العبور وستبقى واحدة من أيامنا المجيدة التى نفاخر ونباهى بها الأمم.

ولم يكن إصرار الرئيس أنور السادات على إعادة فتح قناة السويس فى 5 يونيو 1975، إلا تجسيدا جديدا لقدرة المصريين على كتابة التاريخ، فقد أراد «بطل الحرب والسلام» أن يكون اليوم الذى حمل أصعب ذكريات الألم الوطنى فى 1967، هو نفسه اليوم الذى يحتفل فيه المصريون بقدرتهم على محو سطور الألم، وكتابة صفحات الأمل.

تطهرت مياه القناة من الألغام وبقايا المعارك الشرسة التى دارت على ضفتيها، وانطلقت سفن الشرق والغرب عبر القناة تروى لمرافئ العالم قصة ذلك الشعب المصرى العريق، الذين لم يستسلم يوما لهزيمة، ولم يسكت أبدا على غاصب.

■■■

واليوم ونحن نحتفى باليوبيل الذهبى لإعادة فتح قناة السويس عام 1975، نتذكر فتحا آخر ونصرا عزيزا سطره المصريون لا بقسوة السلاح، إنما بقوة الإرادة، وصلابة الالتفاف الشعبى حول قيادتهم، ألا وهو حفر قناة السويس الجديدة قبل عقد كامل.

لم يكن ذلك المشروع مجرد شق لقناة أو ازدواج للمجرى الملاحى، لكنه كان إعلانا مدويا على أن الشعب الذى ذاق مراراة الخوف على مستقبل الوطن الذى هو عنده أغلى من النفس وأثمن ما فى الحياة، استعاد زمام أمره، وأراد أن يعلن عن ميلاد جمهوريته الجديدة من فوق مياه قناة السويس، فصفحة التاريخ هناك لا تزال قادرة على تدوين مزيد من آيات البطولة والإنجاز.

الاحتفال باليوبيل الذهبى لإعادة فتح القناة رسالة لكل من يريد أن يقرأ ويفهم، أن تلك القناة ملك أبدى خالص للمصريين، وأن أية محاولات النيل منها أو المساس بها مآلها المحتوم الفشل، وكما استطاع المصريون على مدى عقود طويلة حماية القناة وإدارتها وتطويرها لتظل مفتوحة أمام حركة الملاحة العالمية، فهم قادرون كذلك على تجاوز الأجواء الملبدة بغيوم صنعتها أعمدة دخان الصراعات والحروب، التى تحاصر المنطقة، وتستهدف تغيير خطوط خرائط المنطقة.

ستبقى قناة السويس بلا بديل، لأن حاجة العالم للقناة لا تقل أهمية عن حاجة المصريين وتمسكهم بقناتهم التى حفروها بأيديهم وافتدوها بدمائهم، وقد أثبت التاريخ أن كل محاولات النيل من القناة أو إيجاد بدائل لها ليس سوى قفزات عبثية فى الهواء مصيرها الزوال والنسيان، لتبقى قناة السويس دائما وأبدا عنوانا لقدرة المصريين على صون وحماية وطنهم ومقدراته، والإسهام فى تحقيق السلم والأمن بالإقليم والعالم.