أصبح (حلم) إقامة دولة فلسطينية كما لو كان (سرابا)، يبتعد كلما اقتربنا منه، وتحول الأمر إلى أضغاث أحلام، توقعنا أن يكون السابع عشر من هذا الشهر- موعد انعقاد المؤتمر الدولى برعاية سعودية فرنسية - يوماً فاصلاً، يختلف عما قبله، بتكريس جهد طويل فى هذا الملف، فإذا بنا نصطدم بتصريحات وزير الدفاع الإسرائيلى «يسرائيل كاتس»، حول بناء الدولة اليهودية فى الضفة الغربية، والذى اعتبر أن ماكرون واصدقاءه سيعترفون بدولة على الورق، وقال: (نحن سنبنى الدولة اليهودية هنا على الأرض، سيتم رمى هذا الورق فى سلة مهملات التاريخ، وستزدهر دولة إسرائيل)، بالطبع هذا الموقف الأكثر تطرفاً لا يمثل مفاجأة لأحد، فلم نتوقع أن أمر الدولة سيمر بسلام وهدوء، أو بقبول سهل من تل أبيب، ولكن إذا أضيفت إليه تصريحات سفير واشنطن فى إسرائيل «مايك هاكابي»، منذ أيام قليلة، فنحن أمام تعاون وتنسيق بين البلدين، لقطع الطريق أمام إقامة دولة فلسطينية، فالرجل وهو- ديبلوماسى - هاجم الرئيس الفرنسى ماكرون، وفى سخرية شديدة منه، دعاه إلى اقتطاع جزء من الريفيرا الفرنسية لإقامة الدولة الفلسطينية، صحيح أن هذا السفير يزايد فى مواقفه وتصريحاته على اليمين الإسرائيلى المتطرف، ولكنه فى كل الأحوال لا ينطق عن الهوي، ويعبر عن موقف واشنطن، التى لن تشارك فى المؤتمر كما أعلن السفير، وإذا أضيف ذلك إلى ثلاثة أحداث فرضت نفسها على المشهد، فعلينا أن نعترف أننا أمام لحظة الحقيقة، وهى أن أمر الدولة الفلسطينية يواجه صعوبات وتحديات، ونتوقف عندها بمزيد من التفاصيل.
الأول: تسارع إسرائيل الزمن لخلق واقع على الأرض، يجعل إقامة دولة فلسطينية صعباً، إن لم يكن مستحيلاً، فقد شهدت الأيام الماضية موافقة وزير الدفاع «يسرائيل كاتس»، ووزير المالية «بيتسئيل سموتريش»، على إقامة ٢٢ مستوطنة فى الضفة الغربية، وعلى طول الحدود الأردنية، ثلاثة منها فى غور الأردن، وقالها وزير الدفاع الإسرائيلى كاتس صراحة، هى خطوة استراتيجية لمنع قيام الدولة الفلسطينية، بينما سبقه وزير المالية منذ أشهر «سموتريتش» ليصرح بأن ٢٠٢٥هو عام الضم للضفة، كل ذلك وفق خطة أعلن عنها صراحة رئيس مجلس مستوطنات السامرة «يوسى داغان»، تهدف إلى توطين مليون و١٥٠ ألف مستوطن فى مناطق محددة فى شمال الضفة حتى ٢٠٣٥، وبهذا تجاوز أمر التوسع فى الاستيطان فكرة الاعتبارات الأمنية، التى تتحجج بها تل أبيب سابقاً، إلى هدف قطع الطريق أمام إقامة دولة فلسطينية.
الثاني: قرار إسرائيل بمنع زيارة وفد أعضاء اللجنة الوزارية العربية الإسلامية إلى رام الله، التى تم تشكيلها فى نوفمبر من العام قبل الماضي، مصر والسعودية والبحرين والأردن وقطر وتركيا وإندونيسيا ونيجيريا، فى رسالة دعم للسلطة الفلسطينية، وهى صاحبة دور مهم فى إدارة شئون قطاع غزة فى مرحلة ما بعد وقف العدوان الإسرائيلي، والتوافق معها على بعض الإجراءات المطلوبة، فى ظل مطالب عديدة من جهات مختلفة، بمزيد من إصلاحات السلطة، وكان الحل فى تقليص عدد المشاركين من الوزراء، من مصر والسعودية والبحرين والأمين العام للجامعة العربية، والذين زاروا الأردن، والتقوا الملك عبدالله، وأجروا لقاء عبر «الفيديو كونفرانس» مع الرئيس أبو مازن، تل أبيب اعتبرت - على لسان مسئول إسرائيلى - أن مثل هذه التحركات تضر بها وبأمنها، رغم قيام عدد كبير من كبار المسئولين من دول العالم بلقاء الرئيس محمود عباس فى مقره فى رام الله، ومنهم خمسة رؤساء أمريكيين سابقين منذ اتفاق أوسلو١٩٩٤وحتى الآن. قرار المنع يمثل خرقاً فاضحاً لالتزامات إسرائيل، باعتبارها قوة احتلال، ومخالفاً لاتفاقيات أوسلو، كما يمثل رسالة سلبية، فالذى يمنع مثل هذه الزيارة، وهى فى نهاية الأمر رمزية، لن يقبل مثلاً بالتعاون مع فكرة وجود دولة فلسطينية، لها رئيس يمارس سلطاته فى دولته، ويستقبل فيها من يشاء.
الثالث: علينا أن نشيد بالجهد الكبير الذى تبذله السعودية بالتعاون مع فرنسا، لإنجاح مؤتمر الـ ١٧ من الشهر الحالى فى نيويورك، والمخصص للبحث فى تعزيز جهد دولى كبير باتجاه تبنى حل الدولتين، فى ظل توجه أعلن عنه الرئيس الفرنسى إيمانول ماكرون، باعتبار أن الاعتراف النهائى بالدولة الفلسطينية ليس واجباً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة سياسية أيضاً، حيث تستضيف باريس لقاء يجمع نخبا فلسطينية وإسرائيلية بالمئات، فى الفترة ما بين١١و١٣ يونيو، قبل مؤتمر نيويورك الرسمي، ولكن تحفظى هنا على حزمة فرنسا من الحوافز لتمرير حل الدولتين، وتتضمن اعترافاً بدولة فلسطينية، مقابل تطبيع عربى وإسلامى مع إسرائيل، ففكرة التطبيع الإسلامى به بعض التزيد، فوزير الخارجية الفرنسى تحدث عن الاعتراف، والتطبيع والاندماج الإقليمي، ونزع سلاح حركة حماس، وتجديد السلطة الفلسطينية، وتوفير ضمانات أمنية لإسرائيل، ويجب ألا ننسى أن تل أبيب تعودت تاريخياً، على أن تأخذ ولا تعطي، كما لا ننسى أنها رفضت مبادرة السلام العربية التى تم تبنيها فى قمة بيروت عام ٢٠٠٢، والتى تضمنت السلام الكامل بما فيه التطبيع العربى مقابل الاعتراف بدولة فلسطينية، وتحفظت على ما أسمته قضايا الخط الأحمر، كما رفضها نتنياهو منذ عام ٢٠٠٧، وطوال السنوات الماضية، وقال فى يونيو ٢٠١٦، لا أوافق أبداً على مبادرة السلام العربية كأساس للتفاوض مع الفلسطينيين، وتحدث عن عناصر سلبية تتمثل فى الانسحاب من المناطق التى احتلتها عام ١٩٦٧، أو الجولان، وقضية اللاجئين.
وأخيراً، أخشى أن يتحول مؤتمر نيويورك إلى منبر خطابي، دون تأثير على الأرض، يضاف إلى مؤتمرات سابقة توصلت إلى قرارات لم تنفذ، فالزمن عامل ضاغط بين خلق إسرائيل واقع على الأرض من الصعب تغييره، وغياب قدرة دولية فى تحويل الدولة الفلسطينية إلى حقيقة.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







