يوميات الاخبار

الهلال الأحمر المصرى.. انتصار للإنسانية

د. ريم بسيونى
د. ريم بسيونى


مر على أنقاض بشر دمرتهم الحروب. وطئ بقدمه فسمع انين المجروحين وصدمات الطلقات التى لا تميز الطفل من الرجل. غرق فى بحر من الأسى .

تستوقفنى دوما حكاية ابنى آدم فى سورة المائدة فى القرآن الكريم. عزم قابيل على قتل أخيه كان عزم من يرى بداخله القوة والقدرة قال «لأقتلنك» فأجاب أخوه «إنما يتقبل الله من المتقين» ثم أكمل «لئن بسطت إلى يدك لتقتلنى ما أنا بباسط يدى إليك لأقتلك إنى أخاف الله رب العالمين». تقف قدرة وقوة قابيل امام تقوى هابيل. هذه قصة لنا جميعا فى حياتنا الدنيا. ولكن ما يجب ان نعيد قراءته وتأمله هو نهاية الحكاية. قدرة وقوة قابيل تحولت الى عجز كامل بعد قتل أخيه، وبعد ان كان يهدد ويتوعد فرحا بقدرته اصبح يقول «يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى سوءة أخى فأصبح من النادمين»، الندم والعجز صاحبا قابيل لأنه قتل أخاه يا ترى، أم لسبب أعمق وأهم؟ فى الحقيقة عندما قتل قابيل أخاه فى الإنسانية فقد قتل نفسه معه لأننا جميعا جزء من الإنسانية والله خلقنا من نفس واحدة. فبراعة هذه الآية الكريمة وعمقها فى القاعدة التى تأتى بعد القصة «من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعا». لماذا يصبح قتل نفس واحدة كقتل كل الناس؟ وهل من يقتل أخاه إذًا كمن قتل كل الناس؟ نعم. وبالطبع من قتل كل الناس فقد قتل نفسه معهم لأنه جزء من الناس جميعا. إذًا عجز قابيل متوقع، وموت قدرته طبيعي. ولكنه لم يفهم ولم يدرك ان ضعفه نتيجة جريمته. أما بقية الآية فعبرة لنا وأمل «ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك فى الأرض لمسرفون». 

فكرة أن الله خلقنا من نفس واحدة وأن من يؤذى غيره هو فى الحقيقة يضر نفسه أولا ويقتل قوته هو أولا، جاءت فى قصيدة شهيرة للشاعر الإنجليزى جون دون فى القرن السابع عشر (1624). يقول الشاعر:
«لا يوجد انسان كالجزيرة، مستقل بذاته
كل انسان هو جزء من قارة
جزء من العالم الرئيسي
موت أى انسان يقتل منى قليلا
لأننى جزء من البشرية
ولذلك لا تسأل أحدا ابدا لمن تدق الاجراس
فإنها تدق من اجلك».
أجراس الكنائس التى تنذر بموت انسان تدق من اجلك لأن موت الانسان هو موت بضعة منك أيضا.
استعمل صاحب نوبل ارنست هيمنجواى الكاتب الأمريكى الشهير هذا السطر من القصيدة عنوانا لروايته الشهيرة «لمن تدق الاجراس» التى نشرها عام 1940 اثناء الحرب العالمية الثانية، ليؤكد على نفس الفكرة الموجودة فى القصيدة والفكرة الموجودة قبل ذلك فى الآية المذكورة.

فى عام 1859 انطلق رجل اعمال سويسرى شهير يدعى هنرى فى رحلة عمل من بلده الى فرنسا، كان يحلم بمشاريع ضخمة فى تونس والجزائر المحتلة فى ذلك الوقت من فرنسا ولكن اثناء رحلته حدث ما لم يتوقعه. 


مر على أنقاض بشر دمرتهم الحروب. وطئ بقدمه فسمع انين المجروحين وصدمات الطلقات التى لا تميز الطفل من الرجل. غرق فى بحر من الأسى ، فى شمال إيطاليا، هنا كانت حرب. لا يهم بين من ومن ولا من انتصر، ما جعل قلبه يرتعد هو موت النفس بلا رحمة. موت انسان يستغيث دون ان يتوقف اخ له ويغيثه. ما جعله يقف ليفكر، كان من يبدأ الحرب لا يفكر فى العواقب ومن يهين النفس التى خلقها الله لا يدرك انه يذل نفسه فى النهاية ويقتل كل قدرة بداخله. ما توقف امامه التاجر هنرى هو العجز. العجز عن الإغاثة والعون، واللامبالاة التى نعانى كلنا منها وقت الحروب فننسى ان الروح مقدسة فى كل الأديان وأننا من نفس واحدة. هاله محو الكرامة وتناثر الاعضاء، الانين لا يزعج الاذنين فقط، ولكنه يفقدنا حاسة السمع لو استمر دون ان ندركه ونوقفه. هنرى إنسان أراد ان ينتصر للإنسانية دون ان يفضل عرقا على عرق او دينا على دين او لونا على لون، أراد ان تسود الرحمة التى أرادها الله على ارضه.
لم يكمل صفقته التجارية، ولكنه كتب كتابا عن الانسان وعن المعاناة، كتب عن حلم ربما استوحاه من قصيدة جون دون وربما أدركه ببصيرته، منذ البدء حلم بأن يتعامل البشر معا بكرامة واحترام ورحمة. حلم بأن تنتصر الإنسانية على كل قسوة. كلما اقترب من تحقيق حلمه أدرك ان القوة تنمو بداخله والرسالة ستصل، حتما ستصل. حلم بمؤسسة مستقلة للإنسان تتواجد وقت الحروب لتلملم شظايا ما تبقى من كرامة البشرية وما تبعثر من أطراف الكون. مؤسسة واجبها هو الحفاظ على الانسان وإغاثته، وقت الحرب ووقت السلم. إذا احتاج الطعام وإذا احتاج التوعية وإذا احتاج الإغاثة وإذا احتاج ان نعيد اليه الرغبة فى العيش ونذكره ان وسط كل هذه القسوة هناك قلوب خلقها الله للرحمة والعطاء. 
ليست مصادفة ان يتم انشاء الهلال الأحمر المصرى فى بداية القرن العشرين، مبادرة إنسانية من مثقف وشيخ مصري، الشيخ على يوسف. فمصر دوما تدرك أهمية الانسان، لديها تاريخ طويل مع الإنسانية، تعرف ان القسوة لا تولد الحضارات وأن القتل لم يكن ابدا طريقا للقوة ولا البناء. أدرك المصرى القديم هذا منذ زمن فبادر بمساعدة الانسانية، وفهم وتأثر وتعلم. 
> > >
احكى كل هذا لأن الشهر الماضى كان مهما فى مسيرتي. تعلمت فيه الكثير. 
فى الغالب لا تتساقط دموعى بسهولة حتى وسط المواقف المؤثرة، ولكننى كنت اشاهد فيلما تسجيليا عن الهلال الأحمر المصري، وتوقفت امام قصة معينة عن أم فى غزة ولم أستطع ان امنع الدموع حتى وسط الجموع. لحظات الحزن دوما لحظات وحدة، فالحزن يستغرق كل المساحات والأزمنة حولك. رافقتنى دموعى مع القصة دقائق. ام تبحث عن جثة ابنها الصغير، لديها بارقة امل ربما تبدو غير منطقية انه لم يزل حيا. ولكن الامل دوما كالمعجزة او ربما يكاد يكون بلسما للقلب او واقيا من قسوة نشهد عليها هذه الأيام وحرب ترتجف امامها الإنسانية. تتساءل الام فى هستيرية وهى تهز ابنها ما إذا كان لم يزل حيا، فيمسك رجل بيده ويقول فى تأكيد انه مات. ولكنها تتساءل من جديد فيجيب آخر بأنه مات، ولكنها تتساءل من جديد فيقترب أحد أطباء الهلال الأحمر المصرى يكشف على الطفل بعناية ويخبرها أنه لم يزل حيا. يحمل الطفل بين ذراعيه باحثا عن وسيلة للنجاة. هنا يموت الكثير من الأطفال كل يوم، ولكن هنا أيضا كلما انقذنا طفلا اعطينا لأنفسنا القوة على الاستمرار والقدرة على الحياة. ففى كل حياة، حياة لنا جميعا. تم انقاذ الطفل من قبل الهلال الأحمر المصري. ولكن قلبى مكث منفطرا عليه حتى انتهى الفيلم التسجيلي، حتى وجدت امامى الام والطفل شحما ولحما اشم رائحتهما وأستطيع لمسهما. ولم يكن هذا تخيلا، بل حقيقة، أكمل الطفل علاجه فى مصر، لم يزل يستعمل عكازا ليمشى فى عالم غامض، لم يزل يتحسس طريقه فى خجل، لم يزل يبحث عن ثقته فى الإنسانية بعد ان غدرت به القنابل. ولكنه حي، تمسك به امه بقوة هنا فى مصر.
الهلال الأحمر المصرى لا يقدم فقط الإغاثات الإنسانية خارج مصر بل بداخلها. أدرك ان الانسان لا يحيا وحده فى جزيرة وأن الاجراس تدق لنا جميعا وأن من احيا نفسا فكأنما احيا الناس جميعا. 
أدعوكم جميعا للتطوع فى الهلال الأحمر وليس فقط للتبرع. شجعوا اولادكم على ان ينتصروا دوما للإنسانية حتى لا يكبر أحدهم دون ان يدرك قداسة النفس ورحمة الله بها .