الدراما المصرية بين التنوير والتحديات: نحو صناعة تعكس الوعى وتحترم القيم

الدراما المصرية
الدراما المصرية


شهدت الدراما المصرية فى السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا على صعيدى الشكل والمضمون، مدفوعة بدعم الدولة المتزايد لقطاعات القوى الناعمة، وعلى رأسها الفن والإعلام، وقد شدد الرئيس عبد الفتاح السيسى، فى أكثر من مناسبة، على الدور الحيوى الذى تلعبه الدراما فى تشكيل الوعى وبناء الشخصية المصرية، مؤكدًا أهمية تقديم أعمال فنية ترتقى بالذوق العام وتعزز القيم الإيجابية فى المجتمع.. ويأتى هذا التوجه فى إطار خطة شاملة لتطوير المحتوى الدرامى، سواء من خلال دعم الإنتاج أو تشجيع الكتاب والمبدعين، وهو ما انعكس بوضوح فى عدد من الأعمال التى قدمت مضامين هادفة خلال الفترة الأخيرة.. فى هذا التحقيق، نسلط الضوء على أبرز ملامح تطور الدراما المصرية، ونرصد التوجهات الجديدة فى صناعة المحتوى، كما نستعرض آراء المسئولين والفنانين، لنرسم صورة متكاملة لمستقبل الدراما كأداة للتنوير وإحداث التغيير الإيجابى فى المجتمع.

أعربت الفنانة الكبيرة سميرة أحمد عن سعادتها بتصريحات الرئيس السيسى حول أهمية الفن، مشيرة إلى أن هذا الاهتمام سيفتح الباب أمام مزيد من الأعمال المحترمة التى ترسخ القيم ولا تخدش الحياء. واستشهدت بمسلسلها «أميرة فى عابدين» كمثال على دراما قدمت نموذجا راقيا للحى الشعبى دون إسفاف أو ابتذال.

ثقافة الانتماء
أكد الفنان حمدى الوزير أن الدراما مرآة للواقع وتعكس القيم والمبادئ داخل المجتمع وتعزز ثقافة الانتماء وحب الوطن..ويضيف الوزير انه إذا أردنا تطوير الدراما بحيث تكون اكثر تعبيرا عن الشارع المصرى وتكون معبرة عن قطاعات عريضة من الجماهير يجب ان يكون هناك مشروع درامى كبير يهدف للاستثمار فى العقول وذلك يتم من خلال الاعتماد على مخرجين ومؤلفين وكتاب جادين مع توافر الإرادة الجادة لذلك..وأضاف أن أى عمل فنى حقق نجاحا وظل حاضرا فى أذهان الجمهور عبر التاريخ، كان يتناول قضية تمس الواقع وتلامس احتياجات الناس مشيرا إلى أن الدراما دائما ما تتناول قضايا مجتمعية، وعلى رأسها قضايا التنمر والمرأة، والطفولة لكنه شدد على أهمية المعالجة الدرامية، موضحا أن الحكم على الأعمال لا يكون فقط من خلال العناوين الجذابة، وإنما عبر طريقة تنفيذها وتقديمها على الشاشة.

تطوير المحتوى 
وأوضح الفنان أحمد عبد العزيز أن تطوير المحتوى يتم من خلال التعبير عن الواقع المصرى بحيث لا يركز على الصور السلبية دون الصور الإيجابية مشيرا إلى أن هذا المحتوى يجب أن يكون معبرا اكثر عن القطاع الأكبر للمصريين من حيث اللغة والحوار والشكل الأخلاقى الحاكم لهذا الحوار.. ويرى عبد العزيز أن تطوير الصناعة يتم من خلال ترك المجال لأكبر عدد من شركات الإنتاج والمنتجين وتشجيع المواهب الجديدة على كافة المستويات الدرامية خاصة فيما يتعلق بالنص والكتابة بالإضافة إلى تشجيع التصوير فى الأماكن المختلفة وخفض رسومها بما يشجع المنتجين على العمل مع استغلال الهامش السياحى فى الموضوع خاصة فى الأماكن الأثرية مثل الاهرامات والمتاحف والأقصر واسوان.

تؤكد الفنانة ميرنا وليد أن الدراما المصرية شهدت الآونة الأخيرة تطورا فى الصورة والإضاءة والإخراج ولكن المحتوى لم يصل بعد إلى مرحلة المثالية مستشهدة بذلك حجم الألفاظ البذيئة والشتائم والسباب وأعمال البلطجة فى موسم رمضان المنصرم..وتشير ميرنا إلى أن الواقعية لا تعنى خدش الحياء ولكن يجب علينا احترام الأسرة المصرية والمشاهد بصفة عامة فمسلسل «لام الشمسية» كان نموذجا فى الاحترام ومخاطبة عقل الجمهور دون الاعتماد على الإسفاف والابتذال، وتوضح ميرنا أن الرقابة عليها دور كبير فى تحجيم الأعمال التى تطل علينا بما لا يتناسب مع منظومة القيم المصرية.

الحبكة الدرامية 
طالبت الفنانة دينا فؤاد بضرورة تشكيل لجنة تضم خبراء ومفكرين وفنانين، تكون مهمتها وضع ضوابط ومعايير للمحتوى الدرامى، تحفظ القيم وتحترم الذوق العام، وتحفز على تقديم أعمال تشبه ما تربت عليه الأجيال فى أعمال مثل «المال والبنون» و»ذئاب الجبل».

تقول الفنانة فادية عبد الغنى ان الجمهور كان مقبلا على مشاهدة الأعمال الدرامية فى الزمن الجميل بسبب جودة الحبكة والموضوعات التى كان يتم طرحها فى اطار المسلسلات مثل مسلسل «ليالى الحلمية» و»ذئاب الجبل» و«ارابيسك» وغيرها من المسلسلات التى كان يتابعها الجمهور بكل شغف.

وتابعت عبد الغنى: نحن الآن نفتقد إلى الحبكة والموضوعات الجيدة التى يجب عرضها على الشاشة كما نفتقد أيضا إلى طرح موضوعات تعبر عن حياتنا ومشاكلنا فى تلك الحياة وطرح حلول لهذه المشكلات موضحة أنه من ضمن المسلسلات التى اهتمت بمخاطبة عقل المشاهد والجمهور مسلسل لام الشمسية الذى تم عرضه رمضان الماضى مشددة على الإكثار من مثل هذه المسلسلات التى تحترم عقل المشاهد والجمهور. 

يؤكد المخرج محمد فاضل أنه يجب تشكيل لجان نوعية لوضع حلول وضوابط لتحديات الدراما التى تشكل وعى المواطن المصرى.. فمثلا شهر رمضان الماضى كان به ١٢ مسلسلا قدموا دراما بصورة احترافية سواء من حيث النص المكتوب والإخراج والتمثيل ولكن هذا لا يعنى خلو الثوب الأبيض من أى بقع سوداء حيث كان هناك بعض المسلسلات أفسدت الذوق العام وكان عددها قليلا للغاية..ويرى فاضل أن مزيدا من الإنتاج الجيد يقضى تماما على تلك البقع السوداء فى ثوب الدراما المصرية الناصع بالبياض فنحن نحتاج إلى ابداع فى النص والمحتوى ولسنا ضد المنع والحرمان.

بداية الحل
من جانبة أوضح المفكر د. خالد منتصر أن الاهتمام بالكتابة واختيار الموضوعات هو بداية الحل، فبجب الاقتراب من تفاصيل الحياة، وعدم خلق أنماط غير موجودة إلا فى أوهام المؤلف، وأضاف يجب أن تكون هناك محاولة البحث عن أعمال أدبية صالحة للتحويل لدراما مثلما كان يحدث مع نجيب محفوظ واحسان عبد القدوس ويوسف ادريس والرجوع إلى الترتيب الصحيح للعمل الدرامى الكاتب الذى يسلم العمل لمخرج ثم يبدأ اختيار الكاست والممثلين، وليس مثلما يحدث فى الآونة الأخيرة، من أن الممثل النجم هو بداية العمل وليس نهايته ومنه تنطلق الخيوط والاختيارات..ويضيف: ينبغى أيضا ضرورة خفض تكلفة التصوير الخارجى والرسوم الباهظة التى تفرضها الأماكن السياحية والمطار والسكة الحديد والهرم..الخ، تلك الأماكن فى الدراما دعاية سياحية مجانية.

وأكد الناقد الفنى طارق الشناوى أن الدراما يجب أن تفتح أبوابها أمام المجتمع لكى تتشابك مع كل قضاياه ولا نخشى من مناقشة ما نحلم به ونعانى منه وكل تفاصيل حياتنا مثلما حدث فى مسلسل « لام الشمسية « الذى طرح موضوعا حساسا جدا وهو قضية التحرش بالأطفال، وهذا الموضوع شائك للغاية ورغم ذلك تمت مناقشة القضية وتعاطفت معها الجماهير. 

ويضيف الشناوى قائلا: على الرقابة الفنية أن تفتح الباب أمام مناقشة كافة قضايانا وطرحها من خلال المسلسلات ويجب إعادة النظر مرة أخرى لإمكانية تصوير اعمال وافلام تطرح افكارا وقضايا متداولة، فيجب ان نفكر فى كيفية طرحها مجددا..ويشير إلى أن الاهتمام بالدراما والفن ظاهرة إيجابية لأنها الخط الأول للدفاع عن الهوية المصرية والتصدى لأى أفكار ملوثة.