نفحات

أيام البركة والطاعة في ضيافة الله

د. عادل مبروك
د. عادل مبروك


مع بداية العشر الأوائل من ذى الحجة تتعلق قلوب جميع المسلمين بالبيت المعمور، البيت الحرام ، وتهفو النفوس والأرواح والقلوب إلى مكة وجبال النور ، وتجدد الأرواح والنفوس عهدها بنور الإيمان ، والتخلص من الذنوب والآثام - أقصد الحنين إلى لقاء الله - وقد أصبحنا كما ولدنا دون ذنوب بعفو ورحمة رب العالمين والملكوت وغفار الذنوب الغفور الرحيم ، من منا لا يشعر بالحنين الدائم المستدام لهذه المشاعر ، حتى وإن كانت ليست بالحج الفعلى وذكريات هذا الحج ، أو من خلال الإستمتاع بهذه المشاعر من خلال التغطيات الإعلامية ، خاصة المتقدمة منها فى هذه الأيام والقنوات المتخصصة ، من منا لا يتذكر يوم عرفات وأيام منى ،فمع بداية ذي الحجة، يشعر كل مسلم وكأن الدنيا بتتزين بالبركة والطاعة، فهى أيام لها مكانة خاصة في الإسلام ،تحمل في طياتها فرصة فرصة ذهبية للمسلمين لتكثيف العبادات والأعمال الصالحة، فالقرآن الكريم والسنة النبوية أكدتا على عظمة هذه الأيام التي يُفضل فيها الصيام، والصدقة، وقيام الليل، والدعاء ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام – يعني أيام العشر» (رواه البخاري).

فمع اقتراب ذي الحجة، تتجدد في قلوب المسلمين مشاعر الإيمان والتقرب إلى الله، خاصة خلال التسعة الأيام الأولى من هذا الشهر العظيم، التي تحظى بفضل ومكانة كبيرة في الشريعة الإسلامية.

وبخلاف ذلك، تأتي هذه الأيام كمدخل لاستقبال يوم عرفة، أعظم الأيام عند الله، حيث يقف الحجاج على جبل عرفات في مشهد روحاني يجسد الخشوع والرجاء. كما يشهد المسلمون في كل مكان تكثيف الدعاء والاستغفار، طلبًا للرحمة والمغفرة

وكماجاء عن نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير يوم طلعت عليه الشمس يوم عرفة، وأحب الأيام إلى الله يوم الجمعة، وأيام الأضحى." رواه النسائي وابن ماجه

وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم عرفة، فقال

"يكفر السنة الماضية والباقية." رواه مسلم. 

كما يُعتبر شهر ذي الحجة من أشهر الشهور الإسلامية، فهو شهر الأحداث الكبرى في تاريخ الإسلام التي تحمل في طياتها عبق التاريخ وفضائل عظيمة، إلى جانب مناسكه التي تجمع ملايين المسلمين حول العالم ، ولكن إلى جانب الأبعاد الدينية، فقد شهد هذا الشهر مجموعة من الأحداث التاريخية الهامة التي أسهمت في تشكيل مسار الأمة الإسلامية.

ومنها صلح الحديبية ،في السادس من ذي الحجة، السنة السادسة للهجرة، وقع النبي محمد صلى الله عليه وسلم مع قريش صلح الحديبية، وهو اتفاق هدنة بين الطرفين استمر لمدة عشرة أعوام. رغم تحفظات بعض الصحابة على شروط الصلح، إلا أنه فتح الأبواب أمام انتشار الإسلام بشكل سلمي، ومهد لفتح مكة لاحقًا دون قتال.

و في الأيام التي تلت الحديبية، وتحديدًا من 7 إلى 12 من ذي الحجة، شهدت الجزيرة العربية معركة غزوة خيبر التي انتصر فيها المسلمون على يهود خيبر، ما أتاح للمسلمين تأمين طرق التجارة والتمهيد لمرحلة جديدة من التوسع السياسي والديني.

وكذك حجة الوداع والخطاب الخالد ، فقد كان للحج الذي أداه النبي صلى الله عليه وسلم في العاشر من ذي الحجة، والمعروف بحجة الوداع، مكانة خاصة في التاريخ الإسلامي، إذ ألقى فيه نبينا الحبيب عليه أفضل الصلاة والسلام خطبته الشهيرة التي وضح فيها حقوق الإنسان، المساواة، وأهمية التقوى كميزان للتفاضل بين الناس ،هذه الخطبة التى وضعت أسساً صلبة للأمة الإسلامية في قيمها وأخلاقياتها.

و بعد فتح مكة وأداء حجة الوداع، بدأ عصر جديد في تاريخ الإسلام، حيث تحولت الدعوة من مرحلة الدعوة والتصدي إلى مرحلة البناء والتأسيس، فأصبح ذي الحجة علامة على بداية تأسيس الدولة الإسلامية القائمة على العدل والتقوى، التي امتدت لاحقاً لتشمل مناطق واسعة خارج الجزيرة العربية.

فقد شهد هذا الشهر آخر مناسك الحج التي أداها النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، كما حمل بدايات تحولات كبيرة للأمة قبل أن ينتقل النبي الحبيب إلى جوار ربه في السنة الحادية عشر للهجرة، ما يجعل هذا الشهر محطة مهمة في التاريخ الإسلامي.

ختامًا فنحن نحيا أيام مباركة ، تتلاقى القلوب على المحبة والإخلاص، وتتعزز العلاقة بين العبد وربه، فاستغلوا هذه الفرصة الثمينة ولا تضيعوا هذه اللحظات المباركة، رزقنا الله وإياكم الخشوع، والتوبة، والقبول

كل عام وأنتم بخير، وأعاد الله هذه الأيام على الأمة الإسلامية بالسلام والخير واليمن والبركات وأن يتقبل منّا ومنكم صالح الأعمال، ويجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وان يردنا الله إلى دينه رداً جميلاً ، ويرفع عنا الغمة ويحقن الدماء فى كل مكان ، وينصر أهلنا فى فلسطين ، اللهم آمين.