هذه الفكرة التبسيطية لتقسيم العالم إلى خير وشر، وصناعة هذه الرموز والتلاعب بالجمهور ماتزال حاضرة بقوة ومؤثرة فى شعوب العالم
الصور النمطية وحروب الصور والشعارات أفكار أمريكية اكتشفها لأول مرة والتر ليبمان منذ 103 سنوات!!
كثيرًا ما نسمع ونقرأ عن الصور النمطية، وحرب الصور، وعلاقتها بالرأى العام، ويعتبر والتر ليبمان Walter Lippmann أول من تحدث عن الصور النمطية، وهو مفكر وصحفى أمريكى من أهم الكتاب والمفكرين فى القرن العشرين، وأحد الرواد المؤسسين لعلوم الصحافة والإعلام والرأى العام.
وفى عام 1922، أى قبل أكثر من 103 أعوام أصدر كتابه الشهير كتاب الرأى العام Public Opinion الذى قمت بترجمته إلى اللغة العربية لأول مرة عام 2021. وقد ابتكر ليبمان، مفهوم الصور النمطية وتأثيرها السلبى فى إدراك الجمهور وتشكيل ما يعرف بالرأى العام، والذى لم يؤمن ليبمان بوجوده بشكل مستمر وفاعل، كما لم يؤمن أبدًا بعقلانيته، وبالتالى أهليته للمشاركة فى الحكم، ويعتقد ليبمان أن الإنسان قد ألف كتبًا مصورًا ليصف العالم وهو يثق كل الثقة أن العالم الذى فى مخيلته هو الحقيقة!!.
وعلى سبيل المثال فإن أغلبية القراء لم يزوروا الهند أو الصين أو أمريكا، لكن كل منا يمتلك فى رأسه صورًا معينة عن كل بلد، وذلك بتأثير الإعلام والسينما والتنشئة الاجتماعية، وقد لا تكون هذه الصورة حقيقية، وإنما مزيفة أو مشوهة، لكنها تشكل أفكارنا ومواقفنا من شعوب وحكومات هذه الدول. ويدعى ليبمان أننا فى الحياة اليومية ندرك العالم من خلال الصور النمطية stereotype، ولا نتصور العالم كمعطيات حقيقية، دون وسيط، فالواقع يأتى إلينا «محدد بالفعل بالنسبة لنا»، ونحن ندرك ما تم «انتقاؤه فى النموذج الذى تم اختياره من قِبل ثقافتنا» ويؤكد ليبمان أن الصورة النمطية ليست شيئًا إيجابيًا أو سلبيًا، لكننا نحتفظ بها ونستعملها لتوفير الجهد، والدفاع عن النفس، أى أننا نحتاج إلى صور نمطية حتى نتمكن من التعرف على حياتنا اليومية بسرعة وكفاءة.
وكان ليبمان يستخدم كلمات ومفاهيم عديدة بمعانٍ ودلالات واحدة، ولا يميز بينها مثل الصورة مثل image، picture، portrait، portrayal، والقوالب أو الصور النمطية stereotype،، ومع ذلك بقيت ثلاث كلمات هى الصور والقوالب النمطية أو الصور النمطية تستخدم حاليًا على نطاق واسع فى الصحافة وبحوث الإعلام. ولاشك أننا نعيش عصر الصور الفائضة، حتى أنها من كثرتها فقدت معانيها ودلالاتها، ومع ذلك فإن هذه الصور التى قد ننساها من كثرتها، قد تتسرب إلى اللاوعى وتشكل دون أن ندرى تصورنا للعالم ولأنفسنا وللأهل وللأصدقاء. خذ مثلًا سيل الصور والفيديوهات عن العدوان الوحشى الذى تشنه إسرائيل ضد سكان غزة من المدنين، وسواء كانوا مع أو ضد حماس، لقد شكلت هذه الصور وماتزال إدراكنا للطبيعة العدوانية اللاإنسانية للحكومة والجيش الإسرائيلى. وكيف حول نتانياهو الحرب والتدمير والموت إلى لعبة سياسية تضمن له الاستمرار فى الحكم.
فى هذا الإطار ناقش ليبمان قبل 103 سنوات كيف يتلاعب الزعماء والسياسيون بمشاعر وإدراك الجمهور من خلال صناعة الأبطال والصور والشعارات، وربطها برموز تبسيطية تساعد الجمهور فى تفسير العالم المعقد من حوله، مما يساعد الزعماء والحكومات والأحزاب والجماعات الإرهابية على التلاعب بالجمهور، حيث يعزو الجمهور كل ما هو غامض فى العالم أو قبيح لقوى الشر، وكل ما هو إيجابى لقوى الخير، وعادة ما يكون الشر متجسدًا فى رموز وشخصيات الأعداء، أو الآخر أيًا كان شكل أو مضمون هذا الآخر العدو.
وعلى الرغم من تقدم وانتشار تكنولوجيا الاتصال وثورة الإنترنت، إلا أن هذه الفكرة التبسيطية لتقسيم العالم إلى خير وشر، وصناعة هذه الرموز والتلاعب بالجمهور ماتزال حاضرة بقوة ومؤثرة فى شعوب العالم بدرجات ومستويات مختلفة، ويمكن القول بأن الرئيسين الأمريكيين بوش الأب والابن قد استخدما الصور والرموز، وفكرة الشر والخير فى حروبهما على العراق وأفغانستان، ويوظفها حاليا الرئيس الأمريكى الشعبوى دونالد ترامب على نطاق واسع فى حروبه الكلامية ضد كل أعدائه فى داخل وخارج الولايات المتحدة، وكذلك فعلت الحركات والأحزاب الشعبوية فى العالم، كما استخدمتها الحركات الإسلاموية والتنظيمات الإرهابية حول العالم.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







