رزق على أبواب السماء :عُشاق الصيد فى انتظار أسراب الطيور المُهاجرة

الطيور المُهاجرة
الطيور المُهاجرة


صالح العلاقمي - سناء عنان -  أحمد الطحاوى - خالد عز الدين -إبراهيم الشاذلى -محمود مالك - خالد حسن -محمد على سليمان

تتسع دائرة الشغف بالطبيعة لتتجاوز صيد الأسماك إلى عالم أكثر تنوعًا وإثارة... عالم صيد الطيور المائية، حيث يلتقى الشغف بالمغامرة، وتُختبر المهارات وسط صمت الحقول وغموض البرك والجنادل، ليس الأمر مجرد هواية، بل طقس موسمى يترقبه الهواة بشغف، مع كل موجة من أسراب الطيور التى تعبر سماء مصر، الدولة التى تمثل أحد أهم معابر الهجرة فى العالم، وجسرًا طبيعيًا يربط آسيا وأوروبا بإفريقيا.. فى كل موسم، تتشكل مجموعات من الصيادين الهواة، يجمعهم حب القنص ومتعة التحدي، يحملون بنادقهم ويتقنون ضبط الزوايا والتوقيت، متأهبين لاصطياد الحمام المهاجر، والبط الأوروبي، والقمرى الذى يختبئ فى أعالى الأشجار بعيدًا عن الأعين، تتعدد أساليبهم بين الخرطوش والفخاخ والشباك والنداء، لكن يجمعهم هدف واحد، اصطياد اللحظة قبل الطريدة.

رحلات صيد الطيور المهاجرة بشمال سيناء لا تُشبه غيرها، ففى كل موسم، يتوافد العاشقون إلى البرك والشطآن، يتسلحون بالشباك وبنادق الخرطوش المُرخصة، وينطلقون فى مغامرات لا تخلو من المتعة، ولا تغيب عنها الإثارة ولا حتى الطقوس التى لا يعرفها إلا المحترفون، «الأخبار» رافقت واحدة من تلك الرحلات فى قلب الطبيعة، بصحبة نُخبة من أمهر الصيادين، الذين كَرَّسوا سنوات عمرهم لهواية تحولت إلى شغف وحياة.

المهندس سامى شاهين، فى الثامنة والستين من عمره، لا يزال ينتظر على أطراف بحيرة البردويل كمَن ينتظر كنزًا، يترقّب لحظة ظهور بطّة شرشير تُحلِّق فى الأفق أو تحط بهدوء على سطح الماء، أو بين الجنادل الصخرية التى شَكَّلتها أمواج البحر بتدافعها على الشاطئ، يحمل بندقيته بثبات، عينه على الطريدة، وصدره ممتلئ بالحماسة.

وبعد ساعات من الترقب، انتهى اليوم بغنيمة وفيرة، اصطاد عددًا كبيرًا من البط، وجمعه كما لو كان يحمل كنوزًا من السماء، لم يكن وحده، فقد رافقه أصدقاؤه، وتَوَّجوا رحلتهم بحفل شواء أقاموه على ضفاف البحيرة، تقاسموا فيه الصيد، ووَزَّع سامى بعض ما اصطاده على أقاربه وزملائه من الصيادين الذين لم يحالفهم الحظ.. يأمل شاهين أن يرى يومًا، مبادرة تنطلق لتدشين مواسم لمراقبة الطيور المهاجرة كجزء من السياحة البيئية فى سيناء، ويؤكد أن السائحين لا يشاركون حتى الآن فى تلك الرحلات، لأن الطيور التى تُصطاد تحتاج إلى تنظيف وتحضير خاص، أما تلك غير المرغوبة للأكل، فيتم إطلاق سراحها من جديد، خاصة تلك التى تُعلَّق فى الشباك.

الحاج غنايم السواركة، صاحب الـ65 عامًا، لا يزال يجوب الصحراء كالصقر، ببندقيته التى رافقته منذ بداية رحلته مع هذه الهواية، تَعَلَّق بها منذ الطفولة، ومنذ عام 1985 وهو يحترفها كطقس سنوى لا يمكن التخلى عنه.

يحكى غنايم، أن موسم صيد البط بأنواعه المختلفة، له طقوسه الخاصة، تبدأ بتجهيز بنادق الخرطوش بعيارات دقيقة، تتماشى مع اشتراطات البيئة، من العريش تنطلق الرحلة، إلى أطراف بحيرة البردويل، خاصة فى المناطق التى تتناثر فيها المستنقعات المائية، حيث تُنصب الخيام ويقيم الصيادون لقرابة 48 ساعة فى العراء.

عدد الفريق لا يزيد عادة على ثلاثة أفراد فى المكان الواحد، وذلك حتى لا تلاحظهم الطيور، تُوزَّع الشراك الخداعية بعناية لجذب البط، ويبدأ الصيد بصبر لا يملكه إلا مَن عشق هذه الهواية.

نجيب سعيد، البالغ من العمر 67 عامًا، يرى أن صيد الطيور ليس مجرّد هواية، بل تراث بدوى توارثه الأبناء من آبائهم، ويقول إن أبناء البادية عرفوا هذا النوع من الصيد فى الممرات التى تعبر من خلالها أسراب الطيور القادمة من أوروبا وآسيا إلى شمال أفريقيا.
يحرص الهواة على إقامة نقاط انتظار حول محمية الزرانيق، ضمن المناطق التى تصرح بها المحافظة، حيث يقفون كالصيادين فى عرض البحر، ينتظرون الفريسة بصبر قد يطول، المتعة-كما يصفها-تكمن فى لحظة الظهور، حين تخترق أسراب الطيور السماء، وتبدأ معها معركة الترقب والاقتناص.

ويضيف نجيب أن الحصول على تصريح الصيد يتم عبر مجلس مدينة بئر العبد، والذى تقع فى نِطاق مناطق الصيد، وفق اشتراطات صارمة يحددها جهاز شئون البيئة، ويوضح أن طيور البلبول تُعد من أكثر الأنواع المستهدفة، نظرًا لحجمها الكبير ومذاقها الفريد الذى يفوق حتى البط البلدي، خاصة أنها تتغذى على الحبوب البرية، ويليها فى الأفضلية طائر البط الشرشير، وحين تتساقط الأعداد، يبدأ الاحتفال بالشواء، وتعم الفرحة الجميع.

اقرأ أيضًا | صور| السمان والقمري والدجانيش والشحيم في مرمى الصيد والعزائم بمطروح



عاطف غنايم، 43 عامًا، من هواة الرحلات الخلوية، يرى أن الصيد بالنسبة للبعض موسم، وللبعض الآخر شغف دائم، يؤكد أن أفضل الأوقات لصيد الطيور تكون فى الصباح الباكر أو الظهيرة، حيث تكون الطيور أكثر هدوءًا وأقرب للمياه، أما الغروب وما قبله، فتصعب فيه المهمة، بينما تهجر الطيور المكان ليلًا ولا تُمارَس فيه أى محاولة للصيد.

يشير عاطف إلى أن الصياد المحترف يتمتع بقدرات خاصة؛ نظرة ثاقبة، قدرة على التصويب بثبات، استخدام ماهر لبندقية الخرطوش، وتحمل طويل فى انتظار الطريدة، يفتخر بأنه تمكن ذات مرة من اصطياد طائر البشاروش، الذى يظهر فقط خلال موسم الهجرة، ويزن قرابة الأربعة كيلوجرامات، بطعم يصفه بأنه «لذيذ ومقبول للغاية».. والرحلة لا تكتمل دون طعام محفوظ، ومُعلبات، ودقيق لصناعة الخبز على نار الحطب، أحيانًا يتم الاعتماد على الأسماك التى تُصاد من بحيرة البردويل لتكون وجبة الغداء أو العشاء، أما تكلفة الرحلة، فتبلغ حوالى ألف جنيه خلال يومين، وهو ثمن يبدو زهيدًا أمام ما تمنحه الطبيعة من سكينة، وما تتركه المغامرة من أثر فى الروح.



الشرقية.. طقوس ملكية ومنافسات نارية

حين تبدأ أسراب البط الأوروبى المهاجر رحلتها جنوبًا هاربة من صقيع الشمال، تنتظر برك محافظة الشرقية بمياهها العذبة استعدادًا لاستقبال الضيوف القادمين من السماء، وتُفتح أبواب المغامرة أمام الصيادين، هواةً ومحترفين، فى موسم ينتظرونه من العام للعام، لا كتقليد متوارث فحسب، بل كطقس له نكهته الخاصة وسحره العتيق.

ثلاث برك رئيسية تتحول إلى مسارح لصيد البط بالمحافظة، بركة النصر، وأكياد، وعنان، هنا، تُنصب الشِباك وتُجهَّز البنادق، وتُقام «اللبدات»-وهى نقاط الصيد المُموّهة-إلى جانب 18 شاليهًا و32 لبدة تم تجهيزها لتأجيرها عبر نادى الصيد وإحدى الشركات العاملة بالاستثمار السياحي، البط القادم من أوروبا يجد هنا المأوى، من أنواعه: الشرشير الصيفى والشتوي، الغُر، الكيش، الظي، البلبول الأحمر، الخضاري، أبو فروة، الوز، البجع العراقي، والأرمي.

يروى عوبد الطحاوي، رجل أعمال ستيني، عن تفاصيل هذا الطقس السنوى بشغف خاص، قائلًا: «لهذا الموسم طقوسه، الصيادون يجهزون الخرطوش بعناية، ويحملون بنادق إيطالية الصُنع، ثم ينطلقون إلى البرك فجر كل جمعة، إشارة البدء طلقة واحدة، بعدها يبدأ الشكايري-خبير تقليد الأصوات-بمحاكاة أسراب البط، فتتجاوب الطيور فى السماء مع نداءٍ لا يُقاوم، وتهبط نحو مجسمات البط فى الحوض، وكأنها تستجيب لنداء «تعاليلى يا بطة!».

ويضيف بابتسامة يعرفها كل مَن تذوّق متعة الصيد: «تتعالى صيحات الفرح والتصفيق عندما ينجح أحدهم فى إسقاط بطّة من أول طلقة، وتستمر المنافسة حتى اقتراب موعد صلاة الجمعة، حينها يُعلن عن أكثر من اصطاد، ومن حظى بنوع نادر».. أما فواز عبد الجواد، صاحب عمل حر فى منتصف الأربعينيات، فيقول إن البط المهاجر يُحلِّق فوق برك الشرقية منذ أواخر نوفمبر حتى منتصف مارس، ووفرة المياه العذبة هنا حولت المنطقة إلى قبلة للطيور المهاجرة، ولنا نحن الصيادين، نبدأ بالتحضير للموسم من وقت مبكر، تنظيف البنادق، تجهيز الخيالات، وتنسيق اللبدة مع الشكايري، فلكل صياد مساعده الذى يعرف أسراره ومهاراته».

ويتحدث سامح راجح، أحد هواة الصيد، عن البُعد التاريخى لهوايته قائلًا: «صيد البط كان هواية الملوك والرؤساء... الملك فاروق كان له بركة خاصة بالعباسة، والرئيس السادات كان يملك لبدة باسمه فى بركة أكياد، الهواية باهظة نعم، لكنها تريح الأعصاب، وتسرق الهموم من القلب».

ويختم المهندس محمد صبري، أحد العاملين بهيئة قناة السويس، الحديث مؤكدًا أن الصيد «يتطلب ذكاءً حادًا وملاحظة دقيقة» الشكايري»-كما يقول-هو مايسترو الرحلة، «ينظم كل شيء بدقة، ويختار الصيادين المهرة، لأن نهاية الموسم لا تمر بهدوء... بل تُقاس الغنائم، وتبدأ المفاخرة بين الصيادين». هكذا تتحول برك الشرقية فى كل شتاء إلى عالم نابض بالحياة، تتداخل فيه أصوات الطيور بوقع الطلقات، وتختلط فيه روح المنافسة بنبض الطبيعة، لتكتب قصصًا لا تكررها سوى أسراب البط المهاجرة.



عاشق صيد «القمرى» فى واحات الوادى الجديد

هدوءٌ يُشبه السكون المقدس يحيط بالواحات، حيث تنبت الحكايات بين ظلال النخيل وعبق الحقول، هناك، حيث ترك محمد صبحى صخب المدينة خلفه، واختار أن يقضى بقية أيامه فى بلاط المدينة الصغيرة الواقعة فى قلب واحة الخارجة بمحافظة الوادى الجديد، لم يكن القرار صدفة، بل رغبة خالصة فى العودة إلى بساطة الحياة ودهشة الطبيعة، وطقسٌ قديم لا يفارقه منذ صباه، صيد القمري.

بعين العارف وتجربة السنين، يتحدث صبحى عن اختلاف أنواع الصيد قائلًا: «لكل فريسة صيادوها، وصيد الصقور يختلف عن صيد القمري، واصطياد العقارب والثعابين له رجاله الذين وهبهم الله القدرة على التعامل مع الطبيعة ومفاجآتها، أما أنا، فقلبى اختار القمري؛ طائر ذكي، لا يُستدرج بسهولة، يعيش قُرب البشر لكنه يتخفّى بدهاء بين الأغصان».

يميل صبحى إلى طيور القمرى لا لندرتها، بل لتوافرها الهادئ بواحات الوادى الجديد، حيث الحقول الممتدة، والأشجار التى تتعانق فروعها فى صمت، ويشرح: «القمرى يحب الأماكن القريبة من العمران والغطاء الأخضر، لكنه يختار أعلى الأشجار لبناء أعشاشه، بعيدًا عن أعين البشر، وخصومه من الصقور والغربان الذين يهاجمون عششه بلا هوادة».. ومع ساعات الفجر الأولى، تبدأ رحلات الصيد، يروى صبحى تفاصيل الطقس اليومي، قائلًا: «ما إن تبدأ أسراب القمرى فى التحرك جماعاتٍ داخل الحقول، باحثة عن رزقها، حتى يبدأ الصيادون فى تتبعها، نستخدم البنادق الرش أو الخرطوش، وقد تُسقط الطلقة الواحدة عشرات الطيور إن أُحسن التصويب». لكن القصة لا تنتهى عند الصيد فقط، بل تمتد إلى المائدة، حيث تتحول الطيور إلى وجبة مُفضلة، يبتسم صبحى وهو يتحدث عن مذاقها قائلًا: «القمرى لحمُه طيب، وتزداد نكهته عندما يُطهى بعناية، بعد التنظيف والسلق وإضافة التوابل، يتحول إلى وجبة دَسِمة تُنعش الجسد والروح، ولهذا أبحث دائمًا عن أماكن تواجده، مهما بَعُدت».

لا يكتفى صبحى برحلات الصيد الجماعية، بل يُفضِّل أحيانًا الانفراد بالطبيعة، ويقول: «أخرج وحدى أو مع رفاق المهنة، لا فرق، الهدف ليس الأكل وحده أو البيع، بل الاستمتاع بالتجربة، الصيد الحقيقى يحتاج إلى بصيرة، قلب يرى، وعقل يُحسِّن الاختيار، فهو شغف قبل أن يكون غاية، واكتشاف دائم لدهشة الحياة».



البحر الأحمر بوابة الطيور بين قارتين

تستيقظ سواحل البحر الأحمر كل ربيع وخريف على وقع أجنحة لا تعرف الحدود، تحملها الرياح من الشمال إلى الجنوب، ومن أوروبا إلى قلب القارة الأفريقية، وعلى الجزر الصغيرة غير المأهولة، وفى سماء حلايب وشلاتين، يمر النسور والصقور وطيور النورس والخطاف، فى مشهد مهيب تحفه الدقة، كأن الطبيعة قد رتبت هذا العبور بمواعيد لا تخطئها البوصلة، وتلك الجزر، التى تتناثر كالحُلى على صدر البحر، تُشكِّل محطة راحة واستجمامًا للطيور المهاجرة، تمدّها بالغذاء، وتمنحها الأمان، وتحتضن أعشاشها المؤقتة.

ووفقًا للباحث البيئى أحمد غلاب، مدير محمية الجزر الشمالية، فإن هذه المنطقة تقع على واحد من أهم المسارات العالمية لهجرة الطيور، حيث تستقبل ما يقرب من مائة نوع مختلف، تتنوع بين الطيور الجارحة والمائية، والمشهد يتكرر كل عام، وتوثّقه عدسات الراصدين فى محميات البحر الأحمر، حيث أظهرت المسوح البيئية الأخيرة عبور أكثر من 13 ألف طائر بالجزر الشمالية، وعدد مماثل بالجزر الجنوبية، ومن بين هذه الأعداد، رُصد نحو 6500 طائر من نوع النورس العجمة، وأكثر من 11 ألفًا من فصيلة الخطاف، فى مؤشر واضح على ثراء التنوع البيولوجى بتلك المناطق.

تختلف طرق التغذية بين طائر وآخر، لكن البحر الأحمر يُوفِّر لهم جميعًا مائدة مفتوحة من الأسماك الصغيرة، فالنوارس والخطاف يلتقطون الأسماك من السطح، بينما يتخصص العقاب النسارى فى صيد الفرائس الكبيرة بمخالبه القوية، أما صقر الغروب، فيختار طيورًا أصغر حجمًا ليصطادها بدقة وسرعة خاطفة.. ومن بين النقاط المضيئة فى هذا المشهد البيئي، تبرز محطة جبل الزيت كنموذج يُحتذى به فى التوازن بين التنمية والحفاظ على البيئة، حيث تُستخدم الرادارات والمناظير لرصد حركة الطيور، ويتم إيقاف توربينات الرياح عند اقترابها من المسارات، فى خطوة استباقية لحمايتها من الاصطدام.

يمر هذا الطريق السنوى من فوق الجبال والسواحل والبحر، فى خط ضيق يصفه العلماء بـ«عنق الزجاجة»، يجعل من البحر الأحمر نقطة عبور لابد منها، وكنزًا بيئيًا يستحق الرعاية، لتظل أجنحة الطيور ترفرف بحرية، وتحمل معها أسرار الرحيل والعودة، دون أن تعترضها أخطار الإنسان.



أسيوط .. القنص حد فاصل بين السكون والانقضاض

نسيم خفيف يتسلل بين الأغصان، ورائحة الأرض الرطبة تعبق فى الأجواء بعد أولى نسمات الخريف، بينما تمتد الحقول على مد البصر بلونها الأخضر المائل إلى الصفرة، كأنها تتهيأ لاستقبال زُوّارها من الطيور العابرة، عند تخوم البساتين وعلى حواف ضفاف النيل، تبدأ المغامرة اليومية التى لا يعرفها إلا مَن امتلأ قلبه بحب الطبيعة، وسكنت فيه متعة الصيد وترقّب الطريدة.. هناك، عند الحد الفاصل بين السكون والانقضاض، يقف الصيادون فى هدوء أشبه بخشوع، وأعينهم تُفتِّش السماء والأغصان عن طائر لم يأتِ بعد.

خُطاه تحاكى الريح بين البساتين وضفاف النيل، ويداه تحملان ما قُدّر له من رزق الطيور، وعيناه تترقبان مهاجرًا جديدًا أو سربًا عابرًا، فعبد الرحمن الكاشف - ابن أسيوط - لم يتخلَّ عن هوايته الأثيرة منذ صباه، الصيد، لا لمجرد الغنيمة، بل عشق للتحدى ومغامرة تتجدد مع كل رحلة.

الصيد عند الكاشف لا يرتبط بمكانٍ بعينه، بل بخبرة تعرف مواسم الطيور وأماكن ارتحالها، يقول بثقة العارف: «لكل طائر موسمه وموطنه، اليمام والحمام طيور دائمة الوجود على مدار العام، أما البط فموعده فصل الشتاء، حين تتجمع أسرابه فى البرك المائية، ويحتاج إلى أدوات خاصة، ثم تأتى الطيور المهاجرة كالقمرى والصفير، وهى لا تُرى إلا فى المدن الساحلية، وتحديدًا مع بداية شهر سبتمبر».. لا يخفى الكاشف شغفه بالتنقل خلف الطيور أينما كانت، مستعدًا للسفر لمسافات بعيدة من أجل تجربة صيد جديدة، متابعًا: «تكلفة الرحلة تختلف باختلاف نوع الطريدة، أبسطها صيد الحمام واليمام، حيث تكفى بندقية ضغط الهواء، أما البط فله شأن آخر؛ يحتاج إلى بندقية خرطوش، وقارب فى النيل أو ما يُعرف بالـ(لبدة)، وهى تجربة مُكلفة نوعًا ما وتتطلب تصاريح خاصة، لكنها تستحق العناء».. ويلفت إلى أن هذا النوع من الصيد تحديدًا يجذب السائحين العرب، خاصة من السعودية والكويت والإمارات، الذين يجدون فى تلك الرحلات متعة ومغامرة، سواء شاركوا فى الصيد أو تابعوا التفاصيل عن قُرب.

وعن أخلاقيات المهنة، يوضح الكاشف: «لا نصطاد أى طائر نادر أو مهدد، ولا نُقبِّل على صيد الطيور غير الصالحة للأكل، الطبيعة فى أسيوط سخية، تمنحنا اليمام والحمام وبط النيل، وحتى فراخ المياه، دون الحاجة إلى المساس بالتوازن البيئي».. ورغم احترافيته، يعترف الكاشف بأن الصياد قد يواجه مفاجآت غير متوقعة، قائلًا بابتسامة: «أصعب اللحظات أن تصيب طريدة، ثم لا تعرف مكان سقوطها، أحيانًا تختفى الطيور بين الأعشاب أو تسقط فى أماكن يصعب الوصول إليها، فتبدأ مغامرة أخرى للعثور عليها».. ليس الصيد عند عبد الرحمن الكاشف مجرد هواية عابرة، بل نمط حياة ارتبط بالطبيعة، وتَعَلَّم منه الصبر، والقدرة على الترقب، والفرح حين يتحقق الهدف بعد عناء... تمامًا كما تُهدى الحياة جوائزها للمنتظرين.



الحمام لا يعرف الحدود سباقات الزاجل من سوهاج إلى الساحل الشمالى

على أسطح البيوت فى سوهاج، لا تُربى الطيور لمجرد الزينة أو التسلية، بل تُصقل أجنحتها لسباقات حقيقية تعبر فيها المحافظات، وتختبر قدرتها الخارقة على العودة رغم المسافات والأجواء المتقلبة، هناك، بات الحمام الزاجل عشقًا واحترافًا، يجذب المئات من الهواة الذين وجدوا فيه متعة لا تضاهى، وبعضهم حَوَّله إلى مهنة تُدر دخلًا وفيرًا.. من بين هؤلاء، يبرز اسم عمرو زكريا، أحد أقدم هواة تربية الحمام الزاجل فى المحافظة، يعمل عمرو فى مديرية الشباب والرياضة، لكن قلبه مُعلَّق بعشه الخشبى فوق سطح منزله، حيث بدأ رحلته مع الطيور منذ أن كان تلميذًا بالمرحلة الإعدادية، جذبته فى البداية أشكال الحمام وألوانه، قبل أن يكتشف عالم الزاجل وسحره، وقدرته المذهلة على الطيران لأكثر من ألف كيلومتر، والعودة بسرعة ودقة دون طعام أو دليل سوى غريزته.

يقول عمرو: «أدهشنى هذا الطائر، كيف يمكن لحمامة صغيرة أن تعبر السماء وتعود إلى بيتها فى ساعات؟! لم أملك إلا أن أغوص أكثر فى أسراره، حتى أصبحت واحدًا من منظمى سباقات الحمام على مستوى الجمهورية، وشاركت فى بطولات عديدة».

ويحكى عن آخر سباق شارك فى تنظيمه، حيث نُقل الحمام بشاحنة من نجع حمادى إلى نقطة الانطلاق، وأُطلق ليقطع طريقه حتى مدينة العلمين بالساحل الشمالي، رحلة تقترب من ٩٠٠ كيلومتر، تعبرها الحمامة فى ساعات معدودة، وبسرعة قد تصل إلى 1560 مترًا بالدقيقة.. يوضح عمرو أن تلك السباقات لا تقتصر على طريق واحد، بل تنطلق من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن الإسكندرية إلى أسوان، وأحيانًا من السلوم إلى أسوان، وما بين نقطة الانطلاق والوصول، تختبر الطيور قدرتها على الطيران وسط تحديات الطبيعة والبيئة، وبعضها قد لا يعود بسبب اصطدامه بأسلاك الضغط العالى أو الوقوع فريسة للصقور.

يمضى عمرو يومه مع الحمام فى نظام صارم يبدأ مع الفجر، بتنظيف العشة، وتجهيز الطعام، ثم إطلاق الطيور فى تدريب صباحى تُحلِّق خلاله لمسافة تصل إلى ١٠ كيلومترات، تعود بعدها إلى غيتها لتستريح قبل تدريب آخر عند الغروب.. ومن خلال هذه التدريبات والسباقات، اكتشف الهواة أن الحمام الزاجل طائر غير عادي، يقطع المسافة بين القاهرة ومرسى مطروح فى سبع ساعات فقط، بينما تحتاج السيارة إلى اثنتى عشرة ساعة لعبورها.. شهدت هذه الهواية تطورًا كبيرًا منذ عام 2019، مع دخول التكنولوجيا الحديثة، حيث أصبح لكل حمامة دبلة معدنية فى قدمها تحمل بياناتها كاملة، ويتم استخدام نظام GPS وساعات إلكترونية لتسجيل وقت وصولها بالثانية، ما أضفى دقة وعدالة على السباقات، وساعد فى تتبع الطيور حتى فى أقصى المسافات.. لم تعد قيمة الحمام تقاس بحجمه أو لونه فحسب، بل بتاريخ بطولاته وأصله، ويؤكد عمرو أن هناك مزادات تُعقد عبر الإنترنت، شهد بعضها بيع حمامة مصرية لهواة من الخليج بسعر بلغ 150 ألف جنيه، بينما يبدأ سعر الزغلول من 500 جنيه، وقد يصل بعد التدريب إلى 10 آلاف، لكن عمرو لا يُفضِّل البيع، مفضلًا الاكتفاء بإشباع هوايته، أو أحيانًا مشاركته مائدته مع أسرته.



«تُمير النيل» يُحوِّل المترجم إلى عصفور يُحلِّق بين السحاب

على ضفاف الذكريات بمدينة كوم أمبو، نشأ إسماعيل خليفة، مراقب ومصور الطيور البرية والمائية، وسط أجنحة تُحلِّق فى الأفق وأصوات تغرد فى فضاء القرية، حيث كان «الزرزور»-كما كانوا يُسمُّون العصفور الدوري-الضيف الدائم فى البيوت، وكانت اليمامة الضاحكة تُعشِّش بين جدران الطين، وتتغذى على بقايا «العيش الشمسي»، لتصبح الطيور جزءًا من تفاصيل طفولته الأولى.

درس إسماعيل بكلية الألسن، قسم اللغة الألمانية، لكن شغفه الأول لم يكن فى القواميس والمعاجم، بل فى ضوء عدسة كاميرا صغيرة، كان يصطحبها دائمًا خلال عمله كمترجم سياحى فى دهب وشرم الشيخ، يلتقط بها لحظات الجمال فى أجنحة الفراشات وظلال الطيور وألوان السماء.

وفى إحدى الرحلات، وبينما كان عائدًا من قريته إلى دهب بعد انتهاء إجازته، أثقلته الهموم وضاق صدره بمشاغل الحياة، أسند رأسه على زجاج نافذة الأتوبيس يبحث عن عزاء بصمت، فإذا بطائر ملون يقف أمام عينيه، ينقر الزجاج برقة غريبة، لم يكن يعرفه من قبل، لكنه بدا له وكأنه رسالة من السماء، لحظة واحدة قلبت روحه، وشعر أن الله قد طبطب عليه، كان هذا الطائر هو «تُمير وادى النيل».

قال عنه إسماعيل، إنه طائر ذو منقار رفيع طويل وألوان زاهية تأسر الناظرين، يعيش غالبًا فى مصر والسودان وإثيوبيا، ويُفضِّل الأماكن التى تكثر فيها النباتات المزهرة، حيث يتغذى على رحيق الأزهار، ورغم أنه طائر مقيم فى هذه البلاد، إلا أنه يتنقل بين المناطق بحثًا عن غذائه العذب.

منذ تلك اللحظة، تَغَيَّر كل شيء، بدأ إسماعيل رحلة جديدة عام 2019، تَعَلَّم فيها المزيد عن الطيور، وأنشأ حسابًا على إحدى المنصات الشهيرية لتوثيق مشاهداته، حتى بات أرشيفه الخاص ممتلئًا بصور لطيور لم يكن يعرف أسماءها، كان يشاركها فى مجموعة لمهتمين بالطيور فى مصر، ليتلقى من خلالها الدعم والمعرفة من محترفى المراقبة.

وجاء عام 2021 ليحمل له بوابة عبور أوسع، إذ حصل على فرصة تدريب رسمى لتطوير مهاراته فى رصد وتحديد أنواع الطيور، فغاص أكثر فى عالم الطيور، باحثًا ومتأملًا ومشاركًا فى جهود علمية بحتة.

يرى إسماعيل أن مراقبى الطيور ليسوا مجرد هواة يتأملون الطبيعة، بل هم مساهمون حقيقيون فى خدمة العلم، يمدّون الباحثين والعلماء ببيانات حيوية حول تحركات الطيور وهجراتها، وتغير سلوكياتها، وتوزيعها الجغرافي، وحتى تأثرها بالتغيرات المناخية، ويؤكد أن هذه الجهود تندرج تحت ما يعرف بـ»علوم المواطنين»، وهى منهجية علمية معترف بها عالميًا، تُمكِّن الهواة من دعم البحوث البيئية بدقة وشغف.

رحلة إسماعيل خليفة بدأت بطائر واحد.. لكنه كان كافيًا ليفتح له نافذة حياة جديدة، تُحلِّق فيها الأحلام بأجنحة طيور لا تعرف القيود.



المنيا.. «ساعة العصارى» تُنادى عُشَّاق اليمام

قبل أن تميل الشمس نحو المغيب وتبدأ الظلال فى التمدد على الحقول، يستعد عُشاق صيد اليمام بالمنيا لموعدهم المقدس، ليست هواية مألوفة للجميع، بل طقس خاص يُمارَس بحب ودقة وصبر، لا يبدأ مع الفجر كباقى رحلات الصيد، بل يجد ذروته فى ساعة العصارى، حين تعود أسراب اليمام لتستقر على الأغصان، وتكون فرصة القنص فى أوجها.

داخل قرية الدوادية التابعة لمركز المنيا، نشأت عائلة بأكملها على عشق هذه الهواية، خمسة أشقاء تناقلوا فن التصويب من الأخ الأكبر للأصغر، حتى صارت البندقية الرش رفيقة رحلاتهم اليومية، وسلاحهم السرى فى مطاردة اليمام.

عبده منصور معروف، 23 عامًا، خريج كلية الحقوق، أحد هؤلاء الأشقاء الذين تَعَلَّقوا باليمام منذ الطفولة، يقول بابتسامة يعرفها كل صياد: «تعلمت الصيد من شقيقى الأكبر، كنت أرافقه وأنا صغير، أراقبه يصيب الطائر من أول طلقة، وكنت أتعجب من دقته، ومع الوقت والممارسة، صرت أنا أيضًا أملك هذه القدرة، وسعادتى الحقيقية أصبحت فى لحظة إصابة الهدف».

لا يُشبه صيد اليمام باقى رحلات الصيد، كما يشرح عبده، فالمواعيد مفتوحة، لكن أغلب الهواة يُفضِّلون وقت العصر، لأن الطيور تتجمع على الأشجار بكثافة، ما يمنح الصياد فرصًا ذهبية، ويضيف: «الصيد يحتاج إلى صبر طويل، تبدأ الرحلة بالبحث داخل الأشجار عن فريستك، ثم تحمل البندقية بثبات، وتوجهها بدقة نحو الطائر، تركِّز، تنتظر اللحظة المناسبة، ثم تطلق الرش، لكن ما إن تتخذ قرارك، قد يهرب الطائر فجأة، فتبدأ من جديد».

ويؤكد عبده أن كثيرين تخلوا عن هذه الهواية، إما لضيق الوقت أو نقص المُعدات، لكنها مازالت متجذرة داخل أسرته، يتحمسون لها، ويتبادلون الخروج فى رحلات جماعية، يستمتعون بالصيد كما يستمتعون بالرفقة، وغالبًا ما ينضم إليهم شباب من القرية، لا يملكون بنادق، لكنهم يحبون أجواء الرحلة التى قد تمتد لعدة ساعات بين الحقول والنسيم.. يتذكر عبده أولى تجاربه قائلًا: «فى أول مرة خرجت فيها وحدي، لم أكن واثقًا من قدرتى على إصابة أى طائر، كنت أختار الأهداف المرتفعة وأفشل، لكن حين ركزت، سقط أكثر من طائر أمامي، وشعرت حينها أننى أنتمى لهذا العالم، وأن الصيد ليس مجرد متعة، بل درب من دروب التحدي».. ويختتم حديثه بابتسامة تأمل: «ساعة العصارى الموعد المُفَضَّل لي، فيها متعة الصيد وهدوء الطبيعة، لا أخرج كثيرًا الآن بسبب العمل، لكن كلما سنحت لى الفرصة، أحمل بندقيتى وأذهب، لأن تلك اللحظات تُعيد إليَّ شيئًا من نفسي».