■ بقلم: د. عادل مبروك
من الضرورى إعادة النظر فى طرق استخدام التكنولوجيا داخل منظومة التعليم لضمان تنشئة جيل قادر على التفكير والإبداع والعمل بفاعلية
شهدت السنوات الأخيرة طفرة فى استخدام التكنولوجيا داخل المنظومة التعليمية، حيث أصبح التابلت أداة أساسية فى المدارس، خاصة فى ظل التحول إلى التعليم عن بُعد خلال جائحة كورونا، وكان الهدف من إدخال هذه التقنية تسهيل وصول الطلاب إلى المعلومات، وتحديث طرق التعليم، وجعله أكثر تفاعلية وجاذبية.
لكن مع مرور الوقت، ظهرت آثار سلبية غير متوقعة، لاسيما لدى الطلاب الذين انتقلوا حديثًا إلى الجامعة، فلاحظنا ضعفًا كبيرا فى مهارات التفكير العلمى، التحليل النقدى، أو حتى مجرد التعبيرعن الموضوعات كتابة بشكل مقالى، فأصبحنا نجد مطلبا أساسيا للطلاب داخل كليات الجامعة أن يكون الامتحان اختيارا من متعدد (MCQ)، وهل يمكن لهذه الأسئلة فقط قياس المهارات المعرفية والذهنية للطالب الجامعى؟ بالتأكيد لا.
وكيف يمكن أن يكون طالب خريج كلية طب أو هندسة أو صيدلة أو أو أو، ويخرج للمجتمع العملى وهو كل قدراته تنحصر فى الجزء المعرفى فقط، وليس لديه القدرة على التفكير النقدى وحل المشكلات والمهارات العملية التى ستميزه فى سوق العمل عن غيره.
أذكر فى يوم كان كله مشاكل غريبة غير معتادة، إحدى تلك المشاكل دخول طالبين متذمرين ويرغبان فى تقديم شكوى فى أحد أساتذتهم، فما كان منى إلا أن أقول اكتبا الشكوى وتأخذ طريقها الطبيعى فى التحقيق، «وياللهول» على رأى يوسف بك وهبى مما رأيت، خطاً سيئا جداً وغير مقروء، أخطاء لغوية غير عادية، وعدم قدرة كاملة عن التعبير عما يجيش بخاطرهم من أفكار، وأنا أتحدث هنا عن طالبين فى إحدى كليات الهندسة، وأكثر ما هالنى وقوفهما أمامى بشكل يدعو للتأمل والذهول من عنادهما وعدم استيعابهما لموقفهما من شكوى أستاذهما، لسبب الشكوى نفسه ورد فعلهما، فلا قدرة على الاستيعاب ولا قدرة على فهم الأمور وتقدير أبعاد العلاقة بين الأستاذ وطلابه، والأغرب أنه تم استدعاء أولياء الأمور، أحدهما أحد رجال التعليم، وكانت سعادتهما وسعادتى بالغة جدا، بأنهما يدركان مشاكل أولادهما وجيلهما، وتفهمهما لهذا والعمل على علاج هذا الموقف.. ولعل هذا يتطلب من الجميع الانتباه والعمل على حل ما أفرزته أزمة كورونا لأبنائنا، وتعويض ذلك ببرامج مخصصة ومركزة لإكسابهم وصقلهم بمهارات التواصل والاتصال والكتابة والتعبير الواضح عن الأفكار.. وذلك بتوفير برامج متخصصة فى كل مراكز التدريب والجامعات، وأدعو أن تكون تلك البرامج مجانية، ولكن مشروطة بامتحان نجاح ورسوب لتعظيم المنفعة.
وبالتأكيد لا يمكن إنكار فوائد التكنولوجيا فى التعليم، لكن يجب توظيفها بحكمة لتحقيق أفضل النتائج فهناك تجارب دولية ناجحة تستحق الدراسة.
فى فنلندا، يعتمد النظام التعليمى على مزيج متوازن بين التعليم التقليدى والرقمي، حيث تُستخدم التكنولوجيا كأداة مساعدة فقط، مع التركيز على تنمية مهارات التفكير النقدى وحل المشكلات من خلال ورش عمل ونقاشات علمية داخل المدارس.
أما فى اليابان، فتُدرّس مهارات التفكير النقدى والتحليل بشكل مبكر مع تقليل الاعتماد على الأجهزة الرقمية فى المراحل الأولى، مما يُنتج طلابًا أكثر قدرة على التعامل مع المواد المعقدة فى الجامعة.. ونجد كندا، تُعطى أهمية كبرى لتدريب المعلمين على دمج التكنولوجيا بشكل فعال، بحيث يُوجّه الطلاب لاستخدام التابلت فى البحث والتحليل، لا للبحث السريع أو الغش، ما يعزز المشاركة الفعالة ويخدم العملية التعليمية.
وهنا يمكن لمصر الاستفادة من هذه التجارب من خلال: تطوير مناهج تدمج بين التكنولوجيا وتنمية المهارات العملية، عقد ورش تدريبية للمعلمين لتوجيه استخدام التكنولوجيا بشكل فعال، بالإضافة إلى تشجيع الأنشطة العملية والورش التعليمية التى تتطلب التفكير وحل المشكلات بعيدًا عن الشاشات و تحفيز الطلاب على القراءة والكتابة اليدوية لتقوية مهاراتهم اللغوية والذهنية.
وأخيرا فإن التكنولوجيا فى التعليم سلاح ذو حدين، ويمكن أن تكون مفتاحًا للتطور والابتكار إذا ما استُخدمت بشكل متوازن وذكي، لكن الإفراط أو الاعتماد الكلى عليها قد يحول الطلاب إلى متلقين سلبيين بلا مهارات حقيقية، وهو ما يهدد مستقبلهم الأكاديمى والمهني، ويعرقل تقدم المجتمع. لذلك، من الضرورى إعادة النظر فى طرق استخدام التكنولوجيا داخل منظومة التعليم لضمان تنشئة جيل قادر على التفكير والإبداع والعمل بفاعلية.

استعادة «سلوى حجازى»
عفوًا أيها الشياطين التاريخ لا يزال مصريًا !!
الشريط الإخبارى





