الليلة الأولى لداليدا في باريس

محمد الشماع
محمد الشماع


الجو العام في باريس، خريف 1955، كان بارداً بما يكفي. الثلوج تنهمر والطقس بالغ الصعوبة. نزلت داليدا من الطائرة وحيدة، في يدها حقيبة صغيرة، وفي جيبها بعض الفرانكات التي لا تكفيها لأكثر من يومين أو ثلاثة.
إنها باريس، المدينة التي طالما رسمتها داليدا على جدران خيالها، قصرًا من الضوء والفن والحلم، ها هي تجدها مغمورة بالثلوج، ساكنة، صامتة إلا من أصوات أقدام المارة الذين ينظرون إلى بعضهم وفي عينهم سؤال: أين نذهب والثلوج في كل مكان؟ كأن المدينة في هذه اللحظة تقف على حافة الانتظار، مثلها تمامًا.
حملت داليدا على كتفيها حلمًا ثقيلاً، لا يعرف كيف يطير ولا إلى أين سيحط! خرجت من المطار، لا أحد في استقبالها، لا دفء، لا ترحاب، فقط ثلوج تتساقط على كتفيها كرسائل من السماء تنذرها بأن الطريق ليس مفروشًا بالورود.
كانت تعرف عنوانًا واحدًا فقط: بيت المخرج ماركو دي جاستين. الرجل الذي فتح لها باب الأمل ذات مساء في القاهرة، عندما اختارها للمشاركة في فيلمه "قناع توت عنخ آمون"، ونصحها حينها بالغناء في أوروبا، بل منحها عنوانه في باريس كمنحة لمن تريد أن تولد من جديد.
ذهبت إلى حيث العنوان، طرقت الباب. لم يجب أحد. طرقت مرة أخرى. لا صوت. لا حركة. لا ضوء من نافذة. المدينة كلها قررت أن تنكرها دفعة واحدة. وقفت هناك للحظة، ثم مشت.
مشت في شوارع باريس المثلجة، لا تعرف إلى أين تتجه، تحمل حقيبة صغيرة، وقلبًا تملأه الذكريات. وفجأة، أعادها صقيع الشوارع إلى دفء بعيد، إلى زاوية لم تغادر قلبها يومًا: شارع خمراويه، رقم 11.
تذكرت والدها، وصوته وهو يغني في البيت. تذكرت والدتها وهي تعد الطعام في المطبخ، وتغني بلغة إيطالية لا تفهمها الجارات، لكن البيت كله يفهمها. تذكرت أورلاندو وبرونو، أخويها اللذين كانا يملآن المنزل صخبًا وضحكًا، وحين كانت تضحك معهما، كانت تصدّق أن العالم بخير.
في باريس، وسط الثلوج، تذكرت القاهرة. تذكرت شبرا، وترام شبرا، أصوات البائعين، ورائحة الخبز الساخن. تذكرت كنيسة سانت تريز، والممر الذي كانت تمشيه كل أسبوع لتوقد شمعة. كانت حينها لا تطلب من الله شيئًا، فقط تشكره على يوم جديد، وعلى حلم صغير لم تره بعد.
عادت بها الذاكرة إلى مدرسة الراهبات، إلى مقعدها الخشبي، إلى دفاترها وخربشاتها، إلى تلك اللحظات التي كانت تنظر فيها من النافذة وتحلم بأن تطير. حلم لم تكن تعرف اسمه، لكنها كانت تراه دائمًا في الأفق.
سارت أكثر، تجر خطواتها كما يجر الجندي بندقيته في معركة خاسرة. تذكرت شركة الأدوية، والآلة الكاتبة، والنظارة التي كانت تخفي ملامح جمالها خلف الزجاج السميك. تذكرت صوت المدير وهو يصرخ، وتذكرت نفسها وهي تنظر إلى الساعة، تنتظر أن ينتهي اليوم لتذهب إلى السينما.
نعم، السينما. سينما برودواي بشبرا، ملاذها القديم، وملهمتها الأولى. هناك، في ظلام القاعة، كانت تحلم، كانت ترقص في خيالها، تغني بصوت لم تسمعه الدنيا بعد. تذكرت ليلى مراد، وصوتها الذي كان يشق قلبها كما يشق الضوء عتمة الليل. كانت تغلق عينيها حين تسمعها، وتبتسم، وتقول: "ليتني كنت مثلها". تذكرت صديقاتها وهنّ يلعبن الباتيناج في فناء السينما. كانت ضحكاتهن تملأ السماء، وكان قلبها الصغير يرفرف معهن.
تذكرت تلك الليلة، ليلة التتويج. حين صفق لها الجميع في مسابقة ملكة جمال مصر عام 1955. يومها لم تكن تعرف أن هذا التصفيق سيكون أول دفعة نحو المنحدر. في تلك الليلة قررت أن ترحل. أن تودّع النيل، وأجراس كنيسة سانت تريز، والأصدقاء، وكل شيء، لتبحث عن نفسها في مكانٍ لا يعرف اسمها بعد.
الآن، بعد شهور، ها هي في باريس. وحدها. لا تصفيق. لا ضوء. لا ابتسامة. فقط برد، وغياب، ومدينة لا تعبأ بمن يطرق أبوابها. تسير والثلوج في الطريق، والدمع في عيونها، والحسرة تملأ قلبها.
لكنها، وفي لحظة خاطفة، رفعت رأسها من جديد. نظرت إلى الأعلى كمن يتحدى السماء، وقالت في سرّها: "لن أعود. جئت لأغزو باريس. جئت لأغزو العالم. سأقف على مسارحها. سيُكتَب اسمي على جدرانها، وستُضاء باسمي لوحاتها. سأغني، وأرقص، وأصير اسماً لا يُنسى". ثم انهمرت دمعة. ثم ثانية. ثم ثالثة. الحلم شيء، والبرد شيء آخر. العزيمة لا تحمي من الوحشة.
جلست داليدا على مقعد خشبي في حديقة صغيرة خالية من المارة، اللون الأبيض فيها أكل الأخضر المعتاد. سألت نفسها بصوتٍ لا يسمعه إلا نفسها: هل ما فعلته جنونًا؟ هل كان يجب أن أبقى في مصر بين صديقاتي وصوت ليلى مراد؟ هل كان الحلم يستحق كل هذا الوجع؟ هل كنت بحاجة إلى التصفيق، أم إلى حضن وأهل؟ هل الغناء في باريس، والشهرة والمجد في أرجاء العالم تعني شيئًا دون فرحة؟ هل هذا الليل البارد، هو الثمن؟ وهل يكون الانتحار يومًا هو نهاية كل من حلم كثيرًا وحده؟
فكرة الانتحار أنهضتها فجأة من مقعدها، لتنظر إلى السماء مرة أخرى، وتقول إن هذه اللحظة ربما تكون بداية المجد أو الوجع. ولكنها هنا في باريس، ولن تعود إلا وهي داليدا.
هدأت الثلوج، لكن الجو بارد وقاس. شعرت أن دفء الذكريات قد انتصر على المدينة الموحشة. شعرت أن القاهرة فيها. نعم هي تركتها، لكن القاهرة لم تتركها. ظلت شبرا تسكن صوتها، تطل من ملامحها، تسكن في دموعها. وظلت الطفلة التي كانت تجلس في السينما في شبرا، تشاهد ليلى مراد، موجودة بداخلها، تنظر لها من الداخل وتوشوشها في هدوء: "سوف تكونين داليدا، سوف تكونين أسطورة، وسوف تكونين ملهمة، ولكن الحياة أكثر قسوة من كل هذا، أكثر قسوة حتى من ليلتك الأولى في باريس".