يوميات الأخبار

نادى القصة فى مهب الريح

خليل الجيزاوى
خليل الجيزاوى


بعد خسارته مقره التاريخى بـــ 68 شارع قصر العينى بالقاهرة، نتيجة تطبيق قانون الإيجار للأماكن الاعتبارية وتسليمها لأصحابها.

نادى القصة بالقاهرة ملتقى ثقافى أسبوعى يسعى لرعاية شباب الأدباء عبر مسابقته السنوية، ويدعم كبار الأدباء بمناقشة أعمالهم على مائدة الدرس والتحليل والنقد الأدبي، ويسهم بطباعة أعمالهم الأدبية المخطوطة ونشرها بسلسة الكتاب الذهبي، والكتاب الفضي، فى مجالات السرد: القصة القصيرة والرواية والدراسات النقدية الأدبية، ويقدم نادى القصة خدمة ثقافية مجانية لا تستهدف الربح، ومنذ انطلاق فعالياته الثقافية مايو 1952، أصبح نادى القصة جزءًا من تاريخ مصر الأدبي، كيان ثقافى له قيمته التاريخية، ويكفى أن تقرأ أسماء الأدباء أعضاء مجلس إدارته الأول برئاسة الدكتور طه حسين، ويكفى نادى القصة أنه احتضن نجيب محفوظ ونشر معظم رواياته بسلسة الكتاب الذهبى حتى أصبح محفوظ عميد الرواية العربية والكاتب العربى الوحيد الذى حصل على جائزة نوبل للآداب عام 1988، وشغل محفوظ رئيس مجلس الإدارة الثالث، بعد طه حسين، وتوفيق الحكيم.

تأسيس نادى القصة

تعود فكرة إنشاء نادى القصة بالقاهرة إلى إحسان عبد القدوس الذى عرض على يوسف السباعى أمنيته أن يكون للقصة القصيرة والرواية مكان مُحدّد يلتقى فيه أجيال الأدباء لتبادل وجهات النظر حول الكتابة ومناقشة أعمالهم السردية التى صدرت حديثًا، ورحب السباعى بالفكرة، واتفق معه لمقابلة الدكتور طه حسين لعرض الفكرة، استحسن طه حسين بالفكرة، ووافق على رئاسة نادى القصة، وكان أول مقر للنادى غرفة بمجلة الفن التى كان يصدرها عبد الشافى القشاشي، وتم استئجار غرفة بشقة المخرج جمال مدكور بميدان التحرير؛ لتكون مقرًا للنادي، وأسهم بتأسيسها إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي، وعقد أول اجتماع لمجلس الإدارة فى مايو 1952 الذى ضمّ الدكتور طه حسين رئيسًا، وأحد عشر عضوًا: توفيق الحكيم، يوسف السباعي، إحسان عبد القدوس، محمود تيمور، نجيب محفوظ، أمين يوسف غراب، محمد فريد أبو حديد، عبد الحميد جوده السحار، محمد عبد الحليم عبد الله، صلاح الدين ذهني، على أحمد باكثير، وقد افتتح الاجتماع الدكتور طه حسين كلمته بأول عبارة من ميثاق تأسيس نادى القصة: (نادى القصة مؤسسة ثقافية خدمية لا تستهدف الربح، وتسعى لرفع ذائقة المجتمع المصرى والعربي، ورعاية مبدعيه فى مجال السرد، وتفيد الباحثين المتخصصين فى مجال النقد الأدبي)، ووضع مجلس الإدارة خطة ثقافية طموحة لأنشطة نادى القصة، حتى تستقطب كبار الأدباء قبل الشباب؛ ولهذا كانت محطة نادى القصة محطة مهمة جدًا فى طريق شباب الأدباء واعتبروها عتبة مفصلية فى حياتهم الأدبية، بحضور ورش القراءة ووضع تجاربهم القصصية على منصة نادى القصة للمناقشة والتحليل النقدى بندوة يوم الأربعاء، ثم تحولت الندوة إلى يوم الاثنين الأسبوعية، ويتم تنظم ندوات لمناقشة أحدث الإصدارات الأدبية فى القصة القصيرة والرواية، ويُدعى اثنان أو ثلاثة من كبار الأدباء والنقاد لقراءتها قراءة نقدية تحليلية، وتقام ندوة أسبوعية لطرح القضايا الثقافية، وتعقد المؤتمرات الأدبية باسم مؤتمر نادى القصة السنوي، الذى يخصص لمناقشة إحدى القضايا الأدبية أو النقدية، وتنظم لقاءات ثقافية مع رموز الحركة الأدبية؛ ليتحدثوا عن تجربتهم الخاصة مع الكتابة الأدبية؛ ليستفيد شباب الأدباء من هذه التجارب الرائدة.

الكتاب الذهبى 

 وافق مجلس الإدارة بالاجتماع الأول أن يصدر النادى سلسلة الكتاب الذهبى بالتعاون مع مؤسسة روز اليوسف لنشر روايات وقصص أعضاء نادى القصة، وبالفعل صدرت رواية إبراهيم الكاتب بالعدد الأول يونيه 1952 للكاتب عبد القادر المازني، وصدرت رواية خان الخليلى للكاتب نجيب محفوظ بالعدد الثانى يوليو 1952، فى خمسة عشر ألف نسخة، وانتشرت سلسلة الكتاب الذهبى انتشارًا واسعًا، وحققت نجاحًا كبيرًا، حتى صرح يوسف السباعى وقتها بأن مبيعات سلسلة الكتاب الذهبى تراوحت بين عشرين إلى ثلاثين ألف نسخة، وَنُشِرَتْ فى سلسلة الكتاب الذهبى روايات وقصص: عبد الرحمن الشرقاوي، يحيى حقي، جاذبية صدقي، سهير القلماوي، عائشة عبد الرحمن، صالح جودت، دكتور مصطفى محمود، محمود السعدني، يوسف إدريس، يوسف الشاروني، إحسان كمال، هدى جاد، ثروت أباظة، ثم انتقل نادى القصة إلى مقره التاريخى 68 شارع قصر العينى بعمارة سيف الدين وسط القاهرة عام 1954.

مسابقة القصة القصيرة والرواية

ثم قرر مجلس الإدارة برئاسة الدكتور طه حسين إطلاق أول مسابقة للقصة القصيرة، وأعلن يوسف السباعى سكرتير عام نادى القصة تفاصيل المسابقة السنوية فى شهر مايو 1956، وبالشروط التالية كما جاءت فى صورة الإعلان: ألا يكون المتقدم للمسابقة عضوًا فى نادى القصة، أن تكون القصة مكتوبة على الآلة الكاتبة وعلى ورق فلوسكاب من ثلاث نسخ، ألا تزيد القصة على ثلاثة آلاف كلمة، وأن تكون جائزة المسابقة: ستين جنيهًا وميدالية ذهبية يُقدّمها الدكتور طه حسين للفائز الأول؛ ولقد ساهمت مسابقات نادى القصة السنوية للقصة القصيرة والرواية باكتشاف المواهب الأدبية الواعدة عبر مسابقته السنوية المتتالية، حيث قدم نادى القصة بالقاهرة مئات الأسماء من شباب الأدباء للحركة الأدبية الذين فازوا بمسابقات النادى السنوية وأصبحت هذه الأسماء ــــ بعد ذلك ــــ من رموز الأدب العربى مثل: أسامة أنور عكاشة، محمد البساطي، محمد حافظ رجب، إحسان كمال، ضياء الشرقاوي، أحمد الشيخ، عبد الوهاب الأسواني، وغيرهم، هذه الأسماء عرفتها الحركة الأدبية بعد نجاحها فى مسابقات نادى القصة السنوية التى انطلقت عام 1956.

ورؤساء نادى القصة: الدكتور طه حسين: مايو 1952 حتى تاريخ وفاته 23 أكتوبر 1973، توفيق الحكيم: نوفمبر 1973 حتى تاريخ وفاته 26 يوليو 1987، نجيب محفوظ: أكتوبر 1987 حتى تاريخ الاعتداء عليه يوم 14 أكتوبر 1994، ولم يعد قادرًا على توقيع أعمال النادى الإدارية بيده، ثروت أباظة: ديسمبر 1994 حتى تاريخ وفاته 17 مارس 2002، يوسف الشاروني: أبريل 2002 حتى مارس 2010.

أزمة النادى 

اليوم بات نادى القصة فى مهب الريح بعد خسارته مقره التاريخى بـــ 68 شارع قصر العينى بالقاهرة، نتيجة تطبيق قانون الإيجار للأماكن الاعتبارية وتسليمها لأصحابها، وكان يوسف السباعى وقع عقد الإيجار باسم نادى القصة، وقام النادى باستئجار شقة بميدان لاظوغلى لمدة عامين بإيجار شهرى قيمته عشرة آلاف جنيه، واليوم مالك الشقة يطلب زيادة قيمة الإيجار للضعف، أو طرد نادى القصة، وجهد مشكور أن يتبنى الدكتور أحمد فؤاد هنّو وزير الثقافة استضافة نادى القصة بمقر قصر التذوق الفنّى بمدينة السادس من أكتوبر؛ لكن المتابع الحصيف للمشهد الثقافى على أرض الواقع يعرف جيدًا أن انتقال نادى القصة لمدينة أكتوبر هو الحكم عليه بالموت بالسكتة القلبية؛ لأن جمهور النشاط الثقافى جمهور نخبوى عزيز ونادر ويتردّد ويشارك بالفعاليات الثقافية بالمربع الذهبى بوسط القاهرة؛ لذلك أقترح أن يصدر وزير الثقافة قرارًا وزاريًا بتخصيص مقرًا لنادى القصة بأحد المراكز الثقافية التالية: مركز سعد زغلول الثقافى بالمنيرة، السيدة زينب ـــ متحف سعد زغلول ـــ، أو مركز رامتان الثقافى بالهرم ـــ متحف طه حسين ـــ على اعتبار أن الدكتور طه حسن كان أول رئيس لنادى القصة، أو مركز كرمة ابن هانئ الثقافى بالجيزة ـــ متحف أحمد شوقى  أو قصر عائشة فهمى بالزمالك، هذا الاقتراح يسهم فى استقرار نادى القصة وسط القاهرة؛ ليستمر بالقيام بدوره التاريخى الذى تأسس من أجله.