إنها مصر

١٥ مايو ورجال عبد الناصر والسادات !

كرم جبر
كرم جبر


لن أدخل فى جدل حول هل هى «ثورة» أم «انقلاب»، ولكن ١٥ مايو ١٩٧١ لم تكن فصلًا من فصول التغيير السياسى فى مصر، بل حدث ضخم استغله الرئيس أنور السادات للإطاحة برجال الرئيس عبد الناصر ممن أسماهم «مراكز القوى».

حدث تاريخ مهم يطويه النسيان، رغم أنها نقلت مصر من الانحياز للمعسكر الشرقى والاتحاد السوفيتى إلى التحالف مع المعسكر الغربى والولايات المتحدة، وكان السادات يؤمن بأن ٩٩٪ من أوراق الحرب والسلام فى الشرق الأوسط فى يد أمريكا، وأن الرهان على غيرها خاسر.

١٥ مايو جاءت بنظام سياسى جديد ورسخت جلوس السادات على مقعد الحكم، وكان يؤمن بأنه لن يوطد دعائمه فى ظل هيمنة رجال عبد الناصر على مفصلات الدولة ومراكزها المهمة، وبعد التخلص منهم كان يقول بملء الفم «رئيس الجمهورية اللى هو أنا»، وأصبح زعيمًا قويًا وليس مجرد ظل لرئيس سابق.

لم يكن الصراع خفيًا منذ الأيام الأولى لحكمه، وملخص رؤية السادات أنه واجه ازدواجية موازية داخل مؤسسات الدولة، من رجال نافذين يتحكمون فى الأجهزة، ويقررون ويرفضون ويعينون ويقصون، ويملكون من الجرأة ما جعلهم يعرقلون الرئيس نفسه، ولم ينتظر طويلًا، واستخدم صلاحياته الدستورية والدعم الشعبى ونفّذ ما وصفه بـ «ثورة التصحيح» وبدأ عهد جديد.

لم تكن المعركة داخلية فقط، بل كانت تعبيرًا عن تحول استراتيجى حاد فى توجه مصر الخارجى، ومنذ اللحظة الأولى أدرك السادات أن استمرار الارتماء فى أحضان الاتحاد السوفيتى لن يعيد الأرض ولن يحقق السلام، ولم يكن ذلك مجرد رأى، بل نهج سياسى يقود مصر لاحقًا إلى إعادة فتح قنوات الاتصال مع واشنطن، تمهيدًا لحرب أكتوبر والمفاوضات ومعاهدة سلام.

كانت رؤية السادات أنه لا يمكن أن يدخل حربًا مصيرية وجبهته الداخلية مقسّمة، وكان لابد من أن ينفرد بالقرار، ويتحكم فى الدولة دون أن يطارده رجال الماضى، وتحقق له ذلك وبدأت مرحلة جديدة لاستكمال بناء الجيش، وترميم الروح الوطنية، والاستعداد لمفاجأة الحرب.

ورغم ضخامة الحدث فقد ظلم التاريخ ١٥ مايو ولم ينل ما يستحقه من تحليل ودراسة، وحصره فى مجرد خلافات سياسية للصراع على السلطة بين رجال عهدين، مما جعل الكثيرين يتجنبون الخوض فيه، خشية إعادة استدعاء الخلافات القديمة بين الناصريين والساداتيين، وأملًا فى بناء مساحات أوسع من التقارب السياسى.

وكلها وجهات نظر جديرة بالاحترام والتقدير، تحبذ تناول الأحداث المهمة فى تاريخ الوطن، بروح التجرد والموضوعية، والبعد عن التعصب والانحياز السياسى، وتجسيد هيبة الدولة ورسوخ شرعيتها، وتأكيد قدرتها على تجاوز الأزمات وتحويلها إلى مصادر قوة وإلهام.

مصارحة نزيهة مع الماضى، تعيد الاعتبار للحقيقة، وتعظّم وعى الناس بالتاريخ وتجنبهم السقوط فى دوائر الثأر من الزعماء الملهمين، وفى صدارتهم ناصر والسادات.