انشغلت الدوائر الأمريكية بالتأكيد على أن حكم الرئيس ترامب فى الـ100 يوم الأولى من حكمه قد حققت الكثير للأمة الأمريكية، وأنه نجح فى تحقيق إنجازات حقيقية للأمة الأمريكية من واقع ما تحقق، وفى ظل انخراط بالغ الأهمية للمصالح الأمريكية فى العالم، والواقع أن الرئيس ترامب لم ينظر إلى أى برنامج حقيقى للتعامل مع الحلفاء والشركاء بل والقوى المباشرة فى هذا الإطار التى تعمل لصالح الأمة الأمريكية فى ظل حالة التطاحن مع دول العالم، ومناطق النفوذ الأمريكى بل ومع الحلفاء، وعلى وجه الخصوص الاتحاد الأوروبى فوفقا للاستراتيجية الأمريكية الرسمية عام 2022، وهى آخر وثيقة أمريكية رسمية فإن العدو الرئيس للمصالح الأمريكية، ولدوائر التحرك الأمريكى هو كل من روسيا والصين وهما الدولتان اللتان ركز عليهما الرئيس الأمريكى سواء فى البحث عن حل للأزمة الأوكرانية مستخدما سياسة العصا والجزرة، ودافعا إلى حل نهائى للأزمة الأوكرانية وهو الأمر الذى ما زال فى إطار من المفاوضات التى ستطول ولن تحسم بسهولة فى الفترة الراهنة والمنتظرة، خاصة أن طرفى الصراع لم يصلا بعد إلى أى إجراء حقيقى باستثناء التوافق على استمرار التفاوض مع الخلافات الكبرى بشأن الترتيبات الأمنية المتوقع أن تثار، وفصل القوات والقبول ببقاء روسيا فى المناطق الأربع المحررة، وتسليم الجانب الروسى بضرورة إعادة بناء الجيش الأوكرانى وغيرها من القضايا فيما كانت وستظل مشكلة الإجراءات والرسوم الجمركية مع الصين إحدى أهم مشكلات العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، وما زلنا فى المرحلة الأولى من المواجهات، أو الحرب التجارية ما قد يتطلب الاستمرار فى التصعيد أمريكيا واحتمالات إقدام الصين على إجراءات موجعة ستطول أصول الاقتصاد الأمريكى فى العالم.
ومن ثم فإن شيطنة الولايات المتحدة لكل من روسيا والصين ستظل قائمة لكن الإشكالية الكبرى ماذا بعد الـ100 الأولى هل ستتغير قواعد اللعبة المطروحة الراهنة؟ وما مبرراتها وأهدافها؟ فالإدارة الأمريكية ما تزال تبنى أسسا جديدة للتعامل مع الحلفاء والشركاء فى الناتو، وما تزال قاعدة التعامل قائمة والتى تركز على النفقة، التكلفة، العائد، والانتقال إلى معادلة حسابات القوة الشاملة التى تطرح فى سياقتها السياسية والاستراتيجية بل أيضا الاقتصادية ما قد يؤدى إلى تأثيرات بالغة على مسارات واتجاهات العلاقات الأمريكية الأوروبية، وتتجاوز الناتو وترتيباته وحساباته الكبرى التى يتحرك فيها الأمر الذى سيتطلب مقاربة أمريكية مختلفة وفى ظل ما يجرى من خيارات وسيناريوهات ستكف عنها الإدارة لاحقا وفى إطار إعادة بناء أنماط جديدة لعلاقاتها السياسية والاستراتيجية.
ومن المؤكد أن العلاقات الأمريكية فى جنوب شرق آسيا ستتغير أيضا فى إطار سيناريو أمريكى بإعادة تصدير الأزمة فى تايوان ومحاولة الدخول على خط العلاقات مع الصين ودول الاسيان خاصة فى إطار استهداف الرئيس الأمريكى لتجمع البريكس ودوله، ومن المتوقع أنه سيعمل على تحييد أية تحركات من الصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا ما يؤكد على أن الولايات المتحدة ستعمل على تحجيم أى تمدد لأية اقتصاديات صاعدة بدعم الصين فى هذا التوقيت ما يؤكد على أن المقاربات الاقتصادية الامريكية ستكون مطروحة وبقوة فى إطار الحفاظ على المصالح الأمريكية فى العالم وأنها فى المقام الأول فى مواجهة أية تحركات مناوئة للصين.
لن يشغل الإدارة الأمريكية ولا الرئيس الأمريكى ترامب الانتقال إلى تهدئة الصراعات والنزاعات فى العالم فما يهم الولايات المتحدة تحقيق مكاسبها الكبرى والمهمة، والتى ستكون الأساس لأى تحرك، خاصة أن هذا الأمر يطول المجمع الصناعى العسكرى والشركات الكبرى للسلاح ما يؤكد على أن الولايات المتحدة لن تنخرط فى مواجهات أو تتدخل فى فرض الحلول، وهو ما ينطبق بالفعل على الشرق الأوسط ودوائر النفوذ، ولن يقتصر على إيجاد حل فى غزة أو العمل بإجراءات انفرادية فهذا التصور خاطئ فى ظل ما يجرى أمريكيا ويدفع بقوة إلى التأكيد على حسابات الأمة الأمريكية النافذة.
ولهذا انتقل المبعوث الأمريكى من الاهتمام بمسألة غزة وهو ما فرض المرحلة الأولى ونجح فى إقرارها على الطرفين إسرائيل وحماس قبل أن يأتى الرئيس ترامب للبيت الأبيض، وكذلك فى تحركات وتكوف الأخيرة فى المسالة الأوكرانية ما يؤكد على أن التحرك الأمريكى يتم فى سياقات محددة تجاه كل من أوكرانيا وروسيا، بل وتجاه المواقف الأوروبية الحاكمة للصراع المستمر والمرشح للاستمرار مع روسيا التى ما تزال الإدارة الأمريكية تحاول التعامل معها كطرف يمكن احتواؤه بل وإغراؤه برفع العقوبات مرحليا وجزئيا فى حال تقبله للتسوية، ووقف إطلاق النار فى أوكرانيا ومن ثم ما سيشغل الرئيس ترامب بعد الـ100 يوم الأولى من حكمه التعامل مع الداخل الأمريكي، ومحاولة استيعاب الكونجرس، ومؤسسات القوة فى الولايات المتحدة وتحركات الديمقراطيين فى الكونجرس، وخارجه إضافة لمحددات التعامل فى الخارجية الاستخبارات المركزية مركز قلق الرئيس من مؤسسات الدولة الأمريكية بل أيضا معركته المؤجلة مع المحكمة العليا الأمر الذى يؤكد على أن الرئيس الأمريكى أمامه مهام كبرى وتحديات صعبة وإشكاليات حقيقية وليس مجرد الانخراط فى أزمات مؤجلة أو حالية، أو تغيير بوصلة الأولويات الأمريكية فى العالم، والتى تمثل تحديات حقيقية أمام الإدارة الأمريكية، خاصة أن التوصل لاتفاق بشأن النووى الإيرانى سيكون مدخلا لتغييرات كبرى للدور الأمريكى فى الشرق الأوسط وربما أيضا فى قضية الصراع العربى الإسرائيلي، وقد يمهد الأجواء لتغييرات تطول مراكز النفوذ والحضور الأمريكى فى العالم.

تحت أول ضوء شمس
تصحيح أفكار خاطئة
عقبال بقية مارينا







