الجو العام في باريس كان بارداً بما يكفي. الضوء يتسلل على استحياء على جدران المباني العتيقة، والهواء يصفع وجوه المارة صفعاتٍ رقيقة لكنها قاسية، والبرد يتسلل بين أطراف المعاطف الثقيلة كأنفاس خفية من زمنٍ قديم.
أما فيكتورين ناعوم الشامية الأربعينية الواثقة، فنزلت من منزلها مخترقة شوارع مدينة النور لتصل إلى شارع (مسيو فوبرنس)، الذي يعبره المارة مختبئن الواحد في الآخر. تراهم فيكتورين وكأنهم يحاولون الاحتماء ببعضهم من هذا الصقيع، وكأن أجسادهم تحاول أن تختصر المسافات، أن تذوب في دفء عابرٍ من كتف أو ذراع أو نظرةٍ تحت مظلات ترتجف كزوارق في مهب الريح.
وصلت فيكتورين إلى مقصدها، محل شهير للأزياء موصدة أبوابه. دست يدها في حقيبتها الكبيرة بتردد، كمن يوشك أن يفتح بابًا لحلم قديم. يدها المرتعشة بالكاد تدير المفتاح، هي لا تفتح مجرد باب محل شهير للأزياء امتلكته ونجحت في إدارته سريعاً، بل شيئًا أعمق بكثير.
الباب يُفتح، ومعه تفتح هي فصلاً جديدًا من حياة تمضي فيها أناقة أهل باريس جنبًا إلى جنب مع ذكرى صورة معلقة على جدار يواجه باب المحل.
تنفستت فيكتورين بعمق، وتقدمت بخطى بطيئة، حتى رفعت عينيها فجأة نحو الجدار المقابل، فتجمد الزمن. هناك، كانت الصورة تتصدر المكان، تفيض إجلالا وتلمع بهالة من الحنين والفكاهة والحكمة. عينا الرجل الموجود بالصورة تلمعان كأنهما تتكلمان معها وحدها، بابتسامة تعرفها جيدًا. كأنهما يقولان أشياء يعصى على الناس فهمها واستيعابها.
"ها أنتِ وصلتِ أخيرًا"، شعرت فيكتورين أن الرجل الذي في الصورة يحدثها، مثلما يحدثها كل مرة تفتح فيها المحل. وقفت، مثلما تقف كل يوم كتمثال من الدهشة والامتنان. تأملت تقاسيم وجه الرجل كما تتأمل العمر وهو يمر. وقفت تتأمل سنوات كانت تود أن تكتمل، لكن القدر كان أقوى وأقسى. تذكرت ضحكاته وسخريته من كل شيء. تذكرت نداءاته المتقطعة وجديته وسعاله الذي لا ينقطع أحياناً. تذكرت صوته عندما كان يطلب كوبا من الماء، أو قليلا من الطعام الذي يحب. تذكرت صوته وهو يبكي أو يشكو من ندوب الدهر وتقلباته. تذكرته جيداً وهو يحكي عن زوجته التي أحب، وخدعته وقلبت حياته. تذكرته وهو يقول إن الحياة لا تُعاش نصفًا. تذكرت خيباته وهزائمه، تذكرت جولاته التي فاز بها ضد الحياة.
كل هذا دار أمام عيون السيدة فيكتورين وكأن الرجل الذي في الصورة يمهد للحظة مهمة.
الصورة هي لنجيب الريحاني. والسيدة فيكتورين هي السيدة التي عاشت مع نجيب آخر أيام حياته. عاشت معه مساعدة ومحبة وأنيسة وجليسة.
كان الريحاني، بروحه الهائمة بين ضحكة ساخرة ودمعة حبيسة، قد عزم أن يطوي صفحات الترحال، ويستقر أخيرًا إلى جوار السيدة فيكتورين التي آنس إليها بصمت الناضجين، لا صخب العشاق. كانت الأيام التي عاشها إلى جوارها تشهد على رسائل (صامتة) بين قلبيهما، على نيات مؤجلة لحياة لم تبدأ، على فستان زفاف لم يفصل بعد.
لكن القدر، ذلك الكاتب المتعجّل الذي يعرف نهايات القصص والحكايات، أسدل الستار قبل أن يحدث الزواج بينهما. رحل نجيب في 8 يوليو سنة 1949، وترك قلب فيكتورين في ألم لا يُحتمل، تركها مع الصورة المعلقة على جدار متجرها.
مات الريحاني، وقلب فيكتورين ينبض بالحزن، بينما بديعة مصابني، الزوجة التي أتت بعد الجنازة حاملة في يدها بيانًا من البطرياركية السريانية موقعا من إقليميس ميخائيل نحاس، يشهد بزواج لم يُختم بطلاق، ويضعها على عتبة الميراث. سارت بديعة إلى المحكمة تحت نظر فيكتورين المتعجبة من هذه القسوة. سارت بديعة تمسك بالأوراق كمن حصل على كنز علي بابا، متناسية أن ما بينهما قد انفض منذ زمن، وأن الريحاني عاش سنواته الأخيرة بقلبه في مكانٍ آخر عند فيكتورين.
لكن العدالة، نطقت بالحقيقة في النهاية: بديعة لا ترث، والميراث كله يعود إلى بديع الريحاني، ابن شقيقه، الذي ورث الاسمين فقط، بديع خيري ونجيب الريحاني، فأخذ من الأول أوله، ومن الأخير آخره، ولم يرث أي شيء آخر منهما.
أما فيكتورين، فلم تدخل صراعًا ولا رفعت صوتًا. تركت كل شيء خلفها كما هو، فقط الصورة، التي تشاهدها يومياً على جدار محلها. لم تكن تطلب شيئًا إلا أن يظل نجيب حيًا في تفاصيلها، في رائحة الفساتين الملونة التي تبيعها لسيدات باريس. فقط كانت تريد أن يبقى الريحاني في هذا الجو البارد الذي يضرب مدينة النور كل شتاء، فتستظل به، وبضحكاته وصوته وقفشاته التي اعتاد عليها، بل بدموعه. هي الآن -بالمناسبة- تشاهد هذه الدموع في عين نجيب الذي في الصورة، إذ تلتقي ابتسامته الساخرة بعينيه المبللتين، القادمتين من كابوس الموت. دموع تشبه تلك التي ذرفها في فيلم "غزل البنات"، حين أنشد محمد عبدالوهاب جملته الشهيرة: "ضحيت هنايا فداه"، حتى هنا فيكتورين تراه يتذكر بديعة لا يتذكرها هي، فتُسقط هي أيضاً دموعاً قادمة من كابوس الحياة الأكثر قسوة.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







